«الغزو في الزمن العابس... الكويت قبل الغزو وبعده» (الحلقة السادسة)

يُجمع من عمِل مع صدام حسين أو تحت إمرته أو شاركه في المسيرة، أنه تبدّل كثيرا بعد وقف الحرب العراقية - الإيرانية، واعتبر نفسه منتصرا على الفرس، وصاغ تعبيره التاريخي على تلك الحرب «قادسية صدام»، مستذكرا معركة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، وعابثا بالتاريخ لينحت مجراه وفق أهوائه.

كان صدام، وفق ما ذكره الفريق نزار الخزرجي، (رئيس الأركان الذي أقاله صدام) في حواراته مع صحيفة الحياة اللندنية في الفترة بين 28 نوفمبر الى الثاني من ديسمبر 2002م، «يعتبر أن الكلمة الأخيرة للقوة، وهو يعتقد في قرارة نفسه أنه قائد استثنائي، وأن العراق القوي بقيادته قادر على لعب دور كبير في المنطقة».

كان صدام لا يحترم العرب عامة، والخليجيين خاصة، وكان يردد حتى مع الوسطاء، ومنهم د. أسامة الباز، أنهم بعثروا ثروة الأمة العربية، ويقترح إقامة صندوق تنموي يوزع وفق السكان والمقام، ويتحدث عن المستقبل خلال أزمة الكويت، وكأنه سينتصر وسيتصرف في كل المناطق العربية وفق طموحاته.

ويتصور صدام أن دول الخليج التي لم تعط لانتصار العراق في «قادسية صدام» حجم الابتهاج المنتظر منها، لا تعترف بجميل العراق عليها في حمايتها من الراديكالية الإيرانية وتدخّلاتها، ولم تتفاعل مع ما قدمته بغداد لحماية البوابة الشرقية للأمة العربية.

الشحن الإعلامي ضد الكويت

في بداية عام 1990م بدأ شحن الجيش العراقي إعلاميا ضد الكويت، بتسريب معلومات غير صحيحة عنها، لكنها تسهم في إثارة السخط الشعبي والعسكري ضدها، ومن مطالعاتي على ما كتبه بعض المسؤولين العراقيين جاء ذلك السلوك من سياسة مقصودة.

فيدوّن الفريق الركن رعد مجيد الحمداني، قائد فيلق الحرس الجمهوري العراقي الثاني «الفتح المبين»، في كتابه «قبل أن يغادرنا التاريخ» أن العراق قام بنشاط سياسي كبير أدى الى قيام اتحاد عربي مع كل من اليمن والأردن ومصر في فبراير 1990م، في مقابل مجلس التعاون الخليجي، بعد رفض تلك الدول انضمام العراق الى ذلك المجلس.

والحقيقة الأولى التي أعرفها أن العراق لم يتقدم بطلب للانضمام، ولا يوجد رفض لطلب لم يقدم.

والحقيقة الثانية أن الكويت لم تبع نفطا لإيران، ولا توجد شركة أميركية للحفر في شمال الكويت، وهذه معلومات تنشر في إطار ترسيخ العدائية في مشاعر الشعب العراقي ضد الكويت.

ومع هذه الحملة يبدأ صدام بإعداد القوات المسلحة العراقية لعملية الغزو، ففي الثاني من شهر يوليو 1990م اجتمع بقيادة الحرس الجمهوري، ويضيف الفريق الحمداني في كتابه، أنه استفسر من قائده عما دار في ذلك اللقاء، وأنه أجاب بأن اللقاء عن المؤامرة الاقتصادية الإعلامية الدولية التي يتعرض لها العراق بشكل ظالم وسافر.

فقد كان الرئيس بحالة نفسية صعبة، وأن القيادة العراقية مستاءة جدا من موقف الكويت وأميرها، واعتبره جزءا من تلك المؤامرة بشكل لا لبس فيه، وأن العراق ما كان ينتظر من أشقائه إلا العرفان بالجميل، حيث قاتل دفاعا عنهم جميعا، وأنهى الرئيس ذلك الاجتماع مستفسرا عن قدرات الحرس الجمهوري ودرجة استعداده للقتال، وأن القادة أكدوا له أن «الحرس» على أعلى درجات الاستعداد، وانتهى الاجتماع.

ويؤكد رعد أن القيادة السياسية، بذلت من خلال القيادات الحزبية، أقصى ضغط فكري لغرس فكرة الحرب ضد الكويت، مع الإشارة إلى المنافع الاقتصادية الكبيرة التي سيحصل عليها الشعب العراقي في حال كسب الحرب، وأدى السياسيون وبعض العسكريين دورا كبيرا من خلال وسائل الإعلام الخارجية والداخلية، للتقليل من قدرة العدو على خوض حرب ناجحة، وقرعت طبول الحرب عاليا، وكانت بعض التسريبات لبعض أعضاء القيادة السياسية تشير الى أن الحرب لن تقع، مع الإيحاء بأن العراق يملك أسلحة ردع، وظن كثيرون من الشعب والمقاتلين أن العراق يمتلك سلاحا ذريا.

العودة إلى الرياض

عدت الى الرياض بعد الخروج من الكويت بمعيّة سمو الشيخ صباح الأحمد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، وأول خطوة هي الاتصال بأمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، الذي نصحني بالاتصال بخادم الحرمين الشريفين، فله رأي لا بد من الاستماع إليه، كان يتحدث بألم وبشعور الشريك الذي خدعته اتصالات العراق، وبصوت يحمل الضيق، وكان ذلك في مساء الثاني من أغسطس «يوم الاحتلال»، ولم أتردد في الاتصال بالديوان الملكي المدرك لخطورة الوضع والمتّجه نحو تحريك دبلوماسية واسعة تخرج من حدود مجلس التعاون الى قمة عربية استثنائية، وإلى أبعد من ذلك لطرق كل الأبواب لتحرير الكويت.

تولى الملك فهد إدارة الأزمة ملتزما بالأصول الدبلوماسية لمعرفة المواقف، حيث يريد أن يتحمل كل طرف موقفه، فكانت الرياض محطة التواصل، وبدأت باستقبال القادة العرب، بدءا بالرئيس المصري حسني مبارك.

كما اجتمع وزراء دول مجلس التعاون في القاهرة، وأصدروا بيانا أكدوا فيه رفض العدوان، مطالبين الدول العربية باتخاذ موقف موحد انطلاقا من مبادئ ميثاق الجامعة العربية لإنهاء العدوان وإزالة آثاره، والحفاظ على سيادة الكويت وسلامتها الإقليمية وعودة شرعيتها، وكان وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، د. عبدالرحمن العوضي، يمثل الكويت في المؤتمر الإسلامي، ورغم صدور بيان من المؤتمر الإسلامي المجتمع في القاهرة يدين العراق، فقد تلكأ الوزراء العرب في صدور بيان عن العدوان لمسببات كثيرة.

لقد كان المفهوم السائد داخل دول مجلس التعاون أن التضامن العربي يجب ان يقوم على تداخل المصالح سياسيا واقتصاديا وفي كل المجالات، وعلى احترام إرادة الدول الأعضاء وسيادتها وعدم التدخل في شؤونها، وعدم التعدي على حدودها، ورفض اللجوء الى القوة في حل الخلافات بينها، وحلها بالحوار والتفاهم والحكمة.

كانت صدمة دول الخليج من مداولات اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة في الثالث من أغسطس 1990م عميقة، حيث بدأت تنظر بموضوعية وبتحليل علمي الى مسببات هذا العجز الجماعي في إدانة العدوان على دولة عضو لها إسهامات بارزة في العمل العربي.

القمة العربية التاريخية

في ذلك الجو المعتم غير المسبوق للتشرذم العربي، وغير المألوف في الأدبيات الخليجية السياسية، خصوصا بعد بروز مؤشرات المواقف العربية خلال مؤتمر وزراء الخارجية العرب الاستثنائي في مصر في الثامن من أغسطس، والانقسام الحاد بين من كانوا أصدقاء الأمس وبين من كانوا ضمن حضن واحد من المجموعات العربية، وبعد أن أجرى قادة دول مجلس التعاون، لاسيما الملك فهد، الاتصالات مع زعماء العالم مباشرة أو عبر مبعوثين، بما فيها لقاء الملك فهد مع وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني ورئيس أركان حربه الجنرال كولن باول في السادس من أغسطس 1990م، وبعد جهود بذلها الملك فهد ومجموعة مجلس التعاون والرئيس المصري حسني مبارك، تم الاتفاق على عقد القمة العربية الاستثنائية في يوم العاشر من أغسطس 1990م في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة.

كانت سياسة كل من سورية ومصر ودول الخليج منذ بداية الغزو العمل على حشد موقف عربي موحد إذا كان ذلك ممكنا، وبهذا الإطار زار سعود الفيصل دمشق في الثامن من أغسطس 1990م، وأكد أن الرياض تعتمد على أصدقائها، وعلى حق الدول في الدفاع عن سيادتها، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع التصميم على أن يدفع النظام العراقي ثمنا لعدوانه.

كما بدأت تظهر في بعض الدول والعواصم مخاوف من تبعات الفشل الذي سيؤدي الى انقسام عربي وتباعد دول الخليج وزيادة النفوذ الأميركي في المنطقة.

كان صدام يتصور أن واشنطن ستتغاضى عن احتلاله الكويت، بعد تعهده بالحفاظ على سعر النفط 25 دولارا للبرميل، وشاهد الكويتيون وغيرهم من الخليجيين شريط المداولات في قمة القاهرة، وانتهت بقرار مختصر وواضح أيدته دول المجلس مع مصر وسورية والمغرب وجيبوتي والصومال ولبنان، واعترض العراق وليبيا وفلسطين مع تحفّظ كل من الأردن والسودان وموريتانيا، ولم يشارك اليمن ولا تونس ولا الجزائر في التصويت.

جاءت قرارات القمة فوزا دبلوماسيا لدول الخليج والاعتدال العربي، وكشفت المستور وعرّت النظام العربي الضعيف، وأخجلت المرددين دائما عن ثبات التضامن العربي وحقوق الالتزام، لكن وقع أجواء القمة وانقساماتها على شعب الكويت والخليج كان عميقا، فلم يتصور هذا الشعب أن الذين تبنت الكويت والخليج قضاياهم ومنحت برامجهم الاقتصادية واحتياجاتهم الإنسانية الدعم الصادق أن تتخلى عن أحكام الأخلاق، وتدوس على المبادئ وتهادن الاحتلال، وتدعو إلى حلول غامضة يستفيد منها صدام وأعوانه.

وجوهر قرارات القمة الاستثنائية في القاهرة تأكيد الالتزام بقراري مجلس الأمن الدولي رقمي 660، و661 التزاما بالشرعية الدولية مع إدانة العدوان، وعدم الاعتراف بضم العراق للكويت، وتأكيد سيادة الكويت واستقلالها وعودة شرعيتها، وشجب التهديدات العراقية، وتأكيد الإجراءات التي تتخذها المملكة السعودية ودول الخليج العربية إعمالا لحق الدفاع الشرعي، وتفعيلا لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والاستجابة لنقل قوات عربية مساندة بناء على طلب السعودية ودول الخليج.

والتزمت الكويت بقوة الأخلاق كآلية رادعة، ولم تتصور ما حدث، لأننا تجاهلنا الحكمة المعروفة في العلاقات بين الدول بأن الحفاظ على الأمن وصون السيادة وحماية الاستقلال لا يعرف شيئا عن المجالات، ولا يذعن لاعتبارات الممنوع، ولا يتأثر بالنقد، لأن أولويات المسؤولية هي الذود بكل الطرق عن الوطن وتأمين سلامة شعبه وحدوده.

وقد أظهرت القمة العربية في العاشر من أغسطس عجز القيادات عن اتخاذ القرار المناسب، ولتغطية العجز جاءت مبررات تحت شعار الحل العربي، فيقول الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، الذي لم يُدن الغزو، إنه لا يعقل أن نجد الآن من يمهد الطريق لاستعمار يعود الى أراضينا بقوة السلاح.

منطلق التحرير

مع هذه التطورات، لا مفر من تحرير الكويت سلما، إن كان ذلك ممكنا، أو حربا ان كان ذلك ضروريا، كان هذا شعار مجلس التعاون بعد القمة العربية، وكان لا بد من تعبئة الرأي العام العالمي حكومات ومنظمات وشعوبا لهذه القضية المصيرية، وشرح تفاصيلها أمام العالم وحجم تعارضها مع المبادئ التي تجسدها الأمم المتحدة، وإبراز معاناة الشعب الكويتي وتأكيد المساندة العالمية في معارضة الغزو ونجدة شعب الكويت.

كان سمو الشيخ جابر الأحمد أول من أطلق تلك الصرخة المتحدية للعدوان والملتزمة بالعدالة والعازمة على تحرير بلادها وعودة شرعيتها التاريخية.

فتوجه سموه الى نيويورك في سبتمبر 1990م ليضع قضيته أمام المجتمع الدولي في خطاب الدعم الذي يقدمه العالم له ولقضيته ولتحرير الكويت، مع فرض العزلة التامة على النظام العراقي ومؤيديه من الوفود العربية.

وتواصلت الإدانات من الهيئات المختلفة والمنظمات والتجمعات التي رتبت اجتماعات لإصدار دعم الكويت.

وجاء خطاب الشيخ جابر من القلب الصافي، ومن الإنسان الذي حافظ على كبريائه ووقاره، فلم يتحدث عن الذين تآمروا عليه في يقين تام بأنهم لن يفلتوا من المسؤولية التاريخية التي تحاسبهم على خيانتهم للقيم والمبادئ الإنسانية وانكشاف إفلاسهم الأخلاقي.

وإذا كانت الدلائل تشير الى أن احتلال الكويت لن يستمر طويلا، وأن اهلها وشرعيتها عائدون، فإن طوفان الغزو الذي لم يكن شعب الكويت يتوقعه، أحدث تحولا ضخما في نفسية الكويتيين، كما شعرت به من خلال الاتصالات معهم، وما أكثر ما كانوا يأتون الى الأمانة العامة لمجلس التعاون يسألون عن آخر التطورات.

مؤتمر جدة والشرعية الدستورية

تبدلت مشاعر الكويتيين الذين أحسوا بأن عودتهم الى الوطن مضمونة، لكن السؤال الدائم عن التوقيت؛ سواء من الذين خارجها المنتشرين في زوايا المعمورة، ومعظمهم في الخليج، أو من الذين تحت الاحتلال يسعون إلى معرفة الحقائق، ويتحايلون على سلطات الاحتلال للبقاء في الداخل أو للمغادرة، ومع هذا اليقين بالعودة وجدت أعداد من المواطنين الكويتيين في مبنى الأمانة العامة يلتقون معي، مع خوفهم من انسحاب صدام من الكويت مع بقاء الجيش العراقي على حاله، فقد يعود مهددا الكويت مرة أخرى.

كانت أفكار الكويتيين مشتتة، وكانت الناس مقهورة لأسباب كثيرة، ولا لوم عليهم، واحد مثل صدام بكل سجله الإجرامي وشقاوته الدائمة ونظامه المارق يقرر مصير شعب الكويت، ويتحكم في حياته ويحتل دولته، ويزيد من القهر أن المؤشرات كانت واضحة والأصدقاء يحذرون، والوسطاء يهدئون، وآخرون يطمئنون، فقد أثرت هذه النداءات العربية للتهدئة في نفسية المسؤولين الكويتيين، فهم لم يعرفوا الخداع وتعاملوا بشرف وأمانة، ولم يسجل تاريخ الكويت الاعتماد على القوة، فالجميع يؤمن بالمودة واحتضان الكلمة الطيبة، مع نزعة متوازنة في تحاشي المواجهات.

وبعد أن اطمأن الكويتيون إلى أن بلادهم لا محال عائدة اليهم بالشرعية الكاملة وبالتراب المتكامل دون نقص، وبعد أن تبين لهم أن النظام العربي القديم استبدلته الحقائق بالنظام الواقعي الجديد الذي لا يتجاوز على حدود الدولة الوطنية، والذي يمجد حدودها ويرسخ سيادتها ويضمن استقلالها، عندها فقط بدأ شعب الكويت تلمّس خيوط النظام السياسي القادم لدولته الكويت المحررة.

ومع الارتياح ببروز بوادر التحرير، دخل الكويتيون في نوع من البحث عن النواقص والتنقيب عن المسببات وعلاجها وسد الثغرات التي تسلل منها صدام، وهي ثغرات أمنية وسياسية ومخابراتية وثغرات في الجدار السياسي العربي، بعد أن أدركوا أيضا أن الظروف التي هُيئت لتحرير وطنهم من الاحتلال قد لا تتكرر، ولذلك لابد من التوصل الى أمان واطمئنان، وأن تكون العزيمة جماعية والقرار مفتوحا للمناقشة، وأن المناقشة السياسية والحراك مهما كان ثقلهما يفيدان الكويت ويوسعان آفاق الاختيارات.

التحرك الدولي لحل الأزمة

على الصعيد العالمي، باشر مجلس الأمن الدولي مناقشة الغزو العراقي لدولة الكويت، واتخذ القرارات التي وضعت أساس الحل، مستخلصة من المبادئ التي يجسدها ميثاق الأمم المتحدة في رفض العدوان المسلح ومعارضة اللجوء الى القوة، وقد أصدر القرارين 660 و661، وفيهما إدانة الغزو والمطالبة بالانسحاب الفوري وعودة الشرعية، ورفض ما يتخذه المعتدي من إجراءات تتعلق بالكويت كدولة ذات سيادة، وقد انطلقت دبلوماسية مجلس التعاون نحو هدف التحرير ارتكازا على محتوى هذين القرارين.