أسباب انهيار الأنظمة الملكية في العالم... «التجربة النيبالية»

في هذا البحث البسيط، سأحاول سرد الأسباب التي أدت إلى انهيار الأنظمة الوراثية، سواء كانت إمبراطورية أو ملكية، والتي يكون الحكم فيها وراثياً بانتقاله من الأب إلى أكبر الأبناء الذكور أو أحد أفراد الأسرة المالكة.

فمنذ قرون طويلة شهد العالم نشأة الإمبراطوريات والممالك، إذ كانت تتكوّن لدى كل مجموعة من البشر يعيشون على بقعة من الأرض سلطة تحكمهم، وتنظم أمورهم، وتقيم علاقات مع الإمبراطوريات أو الممالك الأخرى، ومع مرور الزمن، وحباً للسيطرة على الآخرين وثرواتهم، كانت تنشب الحروب والنزاعات بين هذه الكيانات السياسية.

وبمرور الوقت وتطاحن الإمبراطوريات، أخذت الإمبراطوريات تضمحل وتنتهي وتتكون الدويلات والممالك. ويلاحظ في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية أن كثيراً من هذه الإمبراطوريات والدول ذات النظام الملكي الوراثي تناقص عددها، حتى تكاد في يومنا هذا لا تتجاوز الثلاثين مملكة، تتداول فيها السلطة بالوراثة.

وهناك تسميات للأنظمة ذات الحكم الوراثي، فبعضها يطلق عليه مملكة، والآخر سلطنة أو دوقية أو دولة، وغيرها من المسميات، ولكن نظام الحكم فيها بالنهاية وراثي. ويتخذ بعض هذه الدول شكل الملكية الدستورية، حيث يوجد رئيس الحزب الحاكم، الذي يفوز بالانتخابات العامة، والبرلمان المنتخب من الشعب، وفي بعضها الآخر ليس بالضرورة أن يكون رئيس الوزراء من حزب الأغلبية.

من الدول الملكية الدستورية في أوروبا بريطانيا والسويد والنرويج والدنمارك وهولندا وإسبانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ، وفي القارة الآسيوية هناك اليابان وماليزيا وكمبوديا وتايلند وبوتان وبروناي دار السلام، أما في إفريقيا فهناك مملكة ليسوتو، وفي الكاريبي يوجد جيرنيدا وبليز وسانت فنسنت وانتيغوا وبربادوس– بابوا غينيا الجديدة، وفي المحيط الهادي تقع مملكة جزر سولومون.

أما أنظمة الحكم الوراثي في المنطقة العربية، فتتمثل في المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية ومملكة البحرين، إلى جانب دول الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر، وسلطنة عمان.

ولكن ما الأسباب التي أدت إلى تراجع الدول ذات الحكم الوراثي حتى أصبح عددها قليلاً مقارنة بالفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ ولماذا أصبحت هذه الدول الملكية ذات نظام جمهوري؟ وهل النظام الجمهوري أفضل من النظام الملكي الوراثي؟

لا شك أن هناك أسباباً كثيرة أدت إلى اختفاء بعض الأنظمة الملكية وتحولها إلى النظام الجمهوري أو حكم الحزب الواحد، ومثال ذلك الاتحاد السوفياتي سابقاً، بعد انهيار حكم القياصرة في روسيا عقب ثورة 1917م، أو ما يسمى بالثورة الشيوعية وحكم الحزب الواحد.

غير أن أبرز أسباب انهيار بعض الأنظمة الملكية الوراثية يتمثل في الثورات الشعبية، والانقلابات العسكرية، والخلافات والمؤامرات التي تحدث داخل الأسر الحاكمة، إلى جانب تفشي الفساد في الدولة.

ففي روسيا القيصرية، وفي ليلة 25 أكتوبر 1917م، قام الشعب بثورة بقيادة البلاشفة (الشيوعيون الحمر) أطاحت نظام القيصر نيكولا الثاني في مجزرة دموية، قُتل خلالها القيصر وزوجته الإمبراطورة الكسندرا وأطفالهما الخمسة.

وفي فرنسا كذلك عام 1793م، اندلعت الثورة التي أنهت حكم أسرة البوربون، وتم على إثرها إعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطوانيت، وتحول فرنسا إلى النظام الجمهوري.

ولا تختلف الحال كثيراً في إنكلترا، التي قامت فيها الثورة، التي قادها كرمويل، عام 1649 وأطاحت الملكية، وقُتل خلالها الملك شارل الأول، وأصبحت بريطانيا بموجبها جمهورية، غير أن هذه الجمهورية لم تستمر أكثر من 9 سنوات، إذ عاد شارل الثاني في عام 1658م ليصبح ملكاً على إنكلترا بعد وفاة كرومويل.

وهناك أمثلة أخرى على ما جرى في بعض الدول ذات النظام الملكي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ففي عام 1952م أطيح بالملك فاروق ملك مصر من جانب مجموعة من ضباط الجيش أُطلق على تنظيمهم اسم الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب، وبعده أصبح جمال عبدالناصر رئيساً للجمهورية، وغادر الملك فاروق وأسرته مصر من دون إراقة دماء.

وفي عام 1958م كانت الأسرة الملكية بالعراق، الذي كان يحكمه الملك فيصل الثاني، على موعد مع مجزرة دموية في 14 يوليو عندما كان أفرادها في قصر الرحاب، حيث قتلوا جميعاً من رجال ونساء وأطفال، وتحول العراق من الملكية إلى الجمهورية.

وشهد عام 1963م، تحول اليمن الذي كان تحت حكم الإمام يحيي حميد الدين، من الملكية إلى الجمهورية بعد قتل حميد الدين، أما آخر العروش التي سقطت في المنطقة العربية فكان عرش ملك ليبيا إدريس السنوسي عام 1969م وتم ذلك بانقلاب مجموعة من ضباط الجيش، لتلحق ليبيا بالدول ذات النظام الجمهوري.

وبجوار العرب، شهدت إيران التي كان يحكمها الشاه محمد رضا بهلوي، في عام 1979م ثورة شعبية أطاحت نظام الشاه، ليحل محله نظام المرشد الديني.

آخر العروش الملكية الساقطة

آخر العروش الملكية التي سقطت كان في نيبال في 28 مايو 2008م بعد تفشي الفساد والمؤامرات التي حيكت داخل القصر، وانتشار الخلافات بين أفراد الأسرة المالكة، التي كانت نتيجتها المجزرة الرهيبة التي حدثت في العصر الملكي عام 2001م، وظهور جماعة الماويين الشيوعية التي استغلت سخط الشعب على الملك الجديد والأخير لنيبال الملك جيتندرا، لتنتهي بذلك الملكية وتنتقل نيبال للنظام الجمهوري.

وكمثال على انهيار الملكية في العالم، نستعرض أسباب سقوط الملكية في نيبال، إذ يعتبر نظامها الملكي آخر نظام ملكي في العالم يسقط ويتحول إلى جمهوري، وذلك بعد المجزرة الدموية المروعة التي وقعت داخل القصر الملكي عام 2001م، ونفذها ولي عهد نيبال الأمير ديبندرا، حيث قتل فيها والده الملك بيرندرا ووالدته الملكة إيشوريا وشقيقه الأصغر وشقيقاته الثلاث وبعض الحضور من أفراد الأسرة والمقربين، بينما نجت الملكة الأم.

وحتى نتعرف أسباب تلك المجزرة، دعونا نستعرض تاريخ هذه الأسرة المالكة، وما مرت به من مؤامرات ومحاولات اغتيال بسبب الحكم، إذ تعد من أقدم الأسر الحاكمة في القارة الآسيوية، فقد كانت نيبال تتكون من ممالك صغيرة من عدة أسر حاكمة تسيطر كل منها على جزء من أراضي نيبال الجبلية، وساعد قيام الحروب بين هذه الممالك الصغيرة والتحالف بين بعض الأسر ضد الأخرى وسيطرة القوي على الضعيف، أسرة "شاه الجوركا" في السيطرة على تلك الممالك، والاستحواذ على حكم نيبال، وذلك منذ عام 1669م، أي قبل ظهور الولايات المتحدة الأميركية بـ 7 سنوات تقريباً.

واستمر حكم أسرة "شاه الجوركا" قرنين ونصف القرن حتى عام 2008م، عندما انتقلت نيبال من الحكم الملكي إلى الجمهوري. لكن ما أسباب انهيار الملكية في نيبال؟

عادة ما يتزوج الملك في نيبال بأكثر من زوجة، كي تتكون لديه أسرة كبيرة، ويضمن أن يكون منها ولي العهد، ولذلك نجد أن المؤامرات تبدأ من داخل القصور الملكية، فعندما يتزوج الملك بزوجة ثانية أو ثالثة ترغب كل واحدة من هذه الزوجات أن يكون ابنها هو ولي العهد، ليكون لها حظوة ومنزلة وشأن كبير عند الملك، إلى جانب سلطة خاصة، إذ ستصبح حينها زوجة الملك وأم ولي العهد.

من هنا تبدأ المؤامرات؛ إذ تحرص كل زوجة على أن يكون ابنها هو أكبر أبناء الملك من الذكور، وبذلك يصبح ولياً للعهد، وتدب الغيرة بين الزوجات، وخاصة اللواتي لم ينجبن طفلاً ذكراً، فتبدأ حياكة المؤامرات، باختطاف أطفال الملك من الذكور، ثم قتلهم، أو تسميمهم، ليتسنى لإحداهن الفرصة لتولي ابنها ولاية العهد، وفي سبيل التصدي لذلك، تعمد بعض زوجات الملك، خوفاً على حياة أولادهن الذكور، إلى إخفاء أطفالهن في أماكن سرية بعيدة عن القصر وعن أنظار الزوجات الأخريات، حتى يصبح الطفل منهم يافعاً ويتولى بعد ذلك أمور الحكم كولي للعهد.

وينطبق قتل الأطفال أو تسميمهم، أو قتلهم بعد الولادة، على بعض ملوك نيبال الذين يتم اغتيالهم. وبسبب هذه المؤامرات تناوب على حكم نيبال 3 ملوك خلال 3 سنوات.

رئاسة الوزراء وراثية

الشيء الغريب، ويكاد يكون الوحيد في عالم الملكيات الوراثية، أن رئاسة الوزراء في نيبال كانت وراثية هي الأخرى، وانحصرت عدة أجيال في أسرة "رانا"، التي كان لها دور في حياكة المؤامرات داخل القصر الملكي.

السبب وراء ذلك، أن أسرتي "شاه" الحاكمة و"رانا" تعتبران من الأسر العريقة في نيبال، ويحصل بينهما تزاوج، كما أن عدداً من ملوك نيبال تنحدر أمهاتهم من أسرة "رانا"، وتشمل الاغتيالات كذلك رؤساء الوزراء من "رانا"، وعندما يعين رئيس وزراء من هذه الأسرة فإنه يعمل على الاستفادة مادياً، وتقريب الأقربين من عائلته، وهو ما لا يعتبرونه فساداً، لأنهم لا يفرقون بين المال العام والمال الخاص لرئيس الوزراء، وكلما طالت مدة بقاء رئيس الوزراء في السلطة استفاد أقرباؤه من ذلك.

ويحرص رئيس الوزراء على أن يخلفه في المنصب الأقربون من أفراد أسرته، وهم مثل ملوكهم يحرصون على تعدد الزوجات والإنجاب الكثير؛ كي يسيطروا على المناصب المهمة في الدولة، وخاصة الجيش، ويجب أن يتم ذلك بدقة؛ لأن هناك فروعاً داخل أسرة "رانا" إذا أحسوا بتهميشهم أو استبعادهم فإن ذلك يؤثر على رئيس الوزراء وأقاربه المقربين، مما يؤدي إلى استمرار عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية. ويذكر أن أحد رؤساء الوزراء من أسرة "رانا" استمر في منصبة 28 عاماً استفاد خلالها حلفاؤه، وحققوا ثراءً فاحشاً.

كانت رئاسة الوزراء تنتقل بسلاسة إلى أكبر شخص في عائلة "رانا" من الطبقة الأولى، ولم يغتَل أي رئيس وزراء بعد الانقلاب الذي قام به عام 1885م، إخوان رئيس الوزراء شامشير سنج وتم اغتياله، ولكن تبع ذلك العديد من المؤامرات والدسائس التي شملت رؤساء الوزارات في نيبال، كما أُجبر رئيسان للوزراء من هذه الأسرة على ترك منصبيهما.

ومن الحوادث التي وقعت عام 1932، إلقاء رئيس الوزراء جودا شمشير القبض على جميع الذين ينتمون إلى أسرته والذين يحق لهم وراثة منصب رئيس الوزراء، بحضور الملك، بعدما دعاهم جميعاً، ثم نفاهم خارج نيبال.

وكي يضمن منصبه كرئيس للوزراء، زوج ابنته الكبرى لولي العهد الأمير ماهندرا عام 1940م، ورتب كي يزوج حفيداته إلى الأخوين الآخرين لولي العهد، على أن يزوج أبناءه من ثلاث أميرات، وهنا يلاحظ مدى العلاقة بين الأسرتين، ومع ذلك تعرض لمحاولة انقلاب عام 1950، يُعتقد أن الملك كان وراءها.

ووصلت الحال بسلطة رئيس الوزراء إلى حد مراقبة الملك وتحركاته وعزله تقريباً داخل قصره، مما دعا الملك تريبهاون عام 1950م، إلى الاستنجاد بالهند للتدخل لفك الحصار عنه من جانب حكومة رئيس الوزراء موهان شمشير.

وكانت الخطة الموضوعة للهرب تقضي بتظاهر الملك وعائلته بأنهم سيخرجون في رحلة برية، وبمجرد اقتراب الموكب من السفارة الهندية في العاصمة كاتماندو تفتح لهم أبوابها ليطلبوا اللجوء السياسي في بلدهم، في موقف يمثل سخرية للقدر، إذ كيف يطلب ملك لجوءاً سياسياً لدولة أخرى وهو في بلاده، وهو الأمر الذي حدث كذلك للعائلة المالكة الإنكليزية، عندما لجأت إلى السفارة الأميركية في لندن بعد ثورة كرومويل.

وبعد نجاح الملك وأسرته في الفرار وإجلائهم إلى الهند ليكونوا في مأمن من رئيس الوزراء، ورغم وعود الأخير لهم بالأمان والعودة فإن الملك لم يثق بذلك. ورفض رئيس وزراء الهند جواهرلال نهرو تسليم الأسرة المالكة إلى نيبال، كما رفض الاعتراف بالملك الجديد.

وبعد فرار الملك وأسرته، دون أن يكون هناك وريث له بعد فرار البالغين من الأسرة الحاكمة، كان ضرورياً لبقاء شرعية رئيس الوزراء أن يكون هناك ملك، غير أنهم لم يعثروا إلا على أمير عمره 3 سنوات يحق له أن يكون ملكاً، فتم اختيار الأمير نيندرا ملكاً، ومن سخرية القدر أنه بعد 50 سنة أصبح هذا الطفل مرة أخرى ملكاً على نيبال، وأصبح آخر ملوك نيبال بعد المجزرة التي وقعت في القصر الملكي وراح ضحيتها الملك وولي العهد وباقي أفراد الأسرة المالكة كما سبق ذكره.

ولعدم اعتراف الهند بالنظام الملكي الجديد، وانضمام بعض دول العالم إليها، إضافة إلى بعض الجماعات السياسية النيبالية المدعومة من الهند التي كانت تطالب بالديمقراطية وعودة الملك المعزول، عاد الملك وأسرته مرة أخرى إلى نيبال، وتطلب ذلك تشكيل وزارة جديدة برئيس وزراء جديد ينتمي كذلك إلى أسرة "رانا".

وبانضمام عدد من المعارضين إلى الحكومة الجديدة، يعتبر ما قام به الملك، المدعوم خارجياً وشعبياً في الداخل، أقدم ثورة قام بها ملك مع أفراد شعبه ضد نظام رئيس وزرائه السابق، لتنتهي بعد هذه الحادثة، بوقت غير طويل، سيطرة أسرة "رانا" على رئاسة الوزارة بعدما تحكمت في نيبال مدة 100 عام.

في عام 1990م تطور الوضع في نيبال، وأصبحت مملكة دستورية، وأدى رفض الشعب تدخل الملكة إيشوريا في شؤون البلاد لضعف زوجها الملك بريندرا، إلى زيادة السخط على الملك، وعلى الفساد الذي عم البلاد واستشرى، ونتج عنه ظهور جماعات مسلحة تسمى "الماويين Maoist" كانت تتوعد القيادات البرلمانية الفاسدة، وتضع نهاية للملكية في نيبال.

مجزرة القصر

تعتبر المجزرة التي وقعت داخل القصر في الساعة التاسعة مساء الأول من يونيو 2001، هي المسمار الأخير في نعش الملكية النيبالية. وبدأت خيوط تلك المجزرة عندما أراد ولي العهد الأمير ديبندرا أن يختار زوجة له، وعارضت ذلك الزواج والدته الملكة إيشوريا؛ لأنه في رأيها زواج غير متكافئ، مما جعل ولي العهد يفقد صوابه، ويتشاجر مع والديه ويخلق المشاكل لهما، فأدمن على شرب المسكرات، وهدد بأنه سيتخلى عن ولاية العهد من أجل حبه لفتاة تدعى ديفاني.

وكان سبب معارضة والدته أن هذا الزواج سيجعل من الفتاة ملكة لنيبال، ورغم ذلك أصر ولي العهد على ذلك الزواج، وكانت له لقاءات متعددة مع محبوبته داخل نيبال وخارجها، متجاهلاً نصائح ومعارضة والديه، ليستمر هذا الخلاف فترة من الوقت حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.

الساعة: 5 من مساء الأول من يونيو -2001 المكان: القصر الملكي (نافاياناتي) كاثماندو:

كان من عادة الأسرة المالكة أن تقيم عشاء دورياً قاصراً على الأسرة المالكة وأقربائهم وبعض الأصدقاء المقربين يحضره فقط البالغون من الأسرة من نساء ورجال.

وبعد تجمع الأسرة والمدعوين في القاعة المخصصة، وقبل تناول العشاء، والجميع مشغولون بالأحاديث والجو العائلي كله مرح وضحك، دخل ولي العهد الأمير ديبندرا حاملاً سلاحه الرشاش الآلي وبدأ إطلاق النار على أفراد الأسرة، وكان أبوه الملك بيرندرا وزوجته الملكة إيشوريا أول ضحاياه، وبعد ذلك قتل شقيقة الأصغر الأمير نيانيراجان، قبل أن يلحق بهم شقيقاته الثلاث وبعض الحضور، بينما نجت من المجزرة جدته الملكه الأم راتنا، وبعد ذلك أطلق النار على نفسه خارج القاعة، في أكبر مجزرة يرتكبها أحد أفراد الأسرة الحاكمة تجاه أسرته. ونتيجة لهذه المجزرة أصبحت أسرة "شاه" المالكة في مهب الريح بعدما حكمت نيبال عبر 10 أجيال.

ورغم أن هذه المجزرة، التي يسرد مزيداً من تفاصيلها كتاب MASSACRE AT THE PALACE JONATHAN GREGSON. Hyperion New York 2002، هي الأكبر بين الأسر المالكة، فإن نيبال لها سوابق في القتل والمؤامرات داخل القصر والخلافات كانت معروفة في تاريخها.

ويعتبر الملك المقتول من أحب الملوك لدى الشعب النيبالي، الذي كان يحترم ملكه ويعتبره بمرتبة الإله والأب الذي يحمي أفراد شعبه ويعتبرهم أبناءه، ولم يستطع الملك الجديد أن يضاهي ملكهم المغدور.

بعد المجزرة أرسل المصابون إلى المستشفى، وكان الملك وزوجته قضوا، أما ابنه الملك الأميرة شروتي فكانت حالتها سيئة وتوفيت بعد ذلك، ولحق بها زوجها. وكان من الذين نقلوا إلى المستشفى ولي العهد الأمير بريندرا وأخوه الأصغر نيراجان، وكان الأطباء يحاولون إنقاذ بعض المصابين، لكن الموت كان أسرع.

عقب ذلك توفيت الأميرات شانتي وشرارا وجيانتي، ولحق بهن نسيب الملك، أما الأمير دهرندا، أخو الملك، فكان لا يزال يتنفس، وأجريت له عملية لكنه توفي بعدها بيوم.

أما الملكة الأم راتنا فلم تصب بأذى، وكانت تعطي التعليمات للأطباء في ذلك الوقت داخل المستشفى، وبعد اجتماعات عقدها المجلس الأعلى، الذي يتكون من بعض أفراد الأسرة المالكة إلى جانب كبار المسؤولين في الدولة وعقب الاطلاع على الحالة الصحية لولي العهد الأمير "ديبندرا"، أعلن المجلس الأعلى أن الأمير هو الملك الحادي عشر لأسرة "شاه" المالكة، رغم أنه كان شبه ميت سريرياً؛ كي لا يكون هناك فراغ دستوري وملكي في الحكم، ولأنه لا يستطيع ممارسة وظائفه كملك فقد اختير عمه الأمير جيتندرا ليكون وصياً للعرش ويمارس مهام الملك، وفي يوم 4 يونيو 2001 أُعلن توقف نبضات قلب الملك.

بعد ذلك تم إعلان الأمير جيتندرا ملكاً لنيبال، ورغم ذلك كانت هناك مطالبات شعبية لكشف حقيقة المجزرة، ومن وراءها، وكان البعض يتهم حركة الماويين الشيوعية (maoist) بتدبيرها، في حين يتهم آخرون الجيش، ويتهم فريق ثالث الملك الجديد.

وبدأت الهتافات ترتفع ضد الملك الجديد وضد رئيس الوزراء Koirala، الذي هاجمه الجمهور أثناء تشييع الجنازات، حيث كان يتهم بالفساد. وشملت الاتهامات بتدبير المجزرة جهات خارجية، وعمت المظاهرات والاضطرابات تلك الدولة الواقعة داخل جبال الهيملايا، وأعلنت حالة الطوارئ بعدما عجزت قوات الأمن عن تفكيك المتظاهرين، ونزلت قوات الجيش للشوارع، وهتفت الجماهير بسقوط الملك الجديد ورئيس وزرائه.

عقب ذلك، تم تشكيل لجنة تحقيق لكشف حقيقة مجزرة القصر، وكانت مؤلفة من كبير القضاة ورئيس البرلمان وزعيم المعارضة. وقال زعيم حركة "الماويين الشيوعية" المعارضة إن الملك بريندرا قُتل بسبب مؤامرة خارجية لأنه من الإصلاحيين ووطني، وإن تعيين الأمير جيتندرا ملكاً لنيبال بعد المجزرة هو نهاية للملكية في نيبال وانتقالها للنظام الجمهوري.

لو عدنا بالتاريخ إلى عام 1999م، لوجدنا أن الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة قد ازدادت وأخذت منحى آخر، إذ كان بعضهم يرفض أن تسلب الصلاحيات من أفراد الأسرة الحاكمة وتذهب للأحزاب الديمقراطية التي أدت دوراً كبيراً في السياسة الداخلية لنيبال.

ويرى قسم من النيباليين أن بعض أفراد الأسرة الحاكمة بدأوا هدم الأسرة بتصرفاتهم وبذخهم، وهو ما ينعكس سلباً على الشعب النيبالي ومصالحه، وخاصة الفقراء، في وقت كان النيباليون يحتجون على النظام الإقطاعي في بلدهم وسيطرة الأغنياء على الفقراء.

فمن مجزرة القصر، وسخط الشعب على الملك الجديد وابنه، ومروراً بالهجمات التي يشنها الماويون الشيوعيون بحركتهم المسلحة، وصولاً إلى الفساد وتردي الحالة الاقتصادية، تشكلت أسباب ضعف دور الملكية في نيبال، مما دعا الجمعية التشريعية (البرلمان) لإصدار قرارها التاريخي في 28 مايو 2008 بإنهاء النظام الملكي وإعلان اسم الدولة الجديدة، وهو "جمهورية نيبال الديمقراطية الاتحادية"، لتصبح نيبال بذلك آخر نظام ملكي يسقط في العالم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل النظام الملكي أفضل أم الجمهوري؟ كثير من الأنظمة الملكية سقطت وحل محلها نظام جمهوري، ولم يكن أفضل من الملكي فقد تراجع الاقتصاد والأمن والاستقرار، وتناقصت الحريات، ونهبت الثروات، على عكس الأنظمة الملكية الدستورية التي كانت أفضل حالاً.

كما أن بعض الأنظمة الجمهورية التي تخلصت من الملكية الوراثية أصبح لديها نظام جمهوري شبه وراثي، كان يورث الرئيس ابنه أو زوجته بعد إجراء انتخابات شكلية، ومن ثم باتت هناك دول بنظام جمهوري منتخب بحرية، وآخر وراثي، غير أن موضوع الوراثة في الدول ذات النظام الجمهوري بحاجة إلى بحث آخر.