زخم اليسار وبروز الأقلية الديمقراطية في أميركا

تحامل وسائل الإعلام واضح ضد الديمقراطيين بحيث يبعث إليّ أعضاء منطقيون من يسار الوسط في كل أسبوع رسائل حول الاتجاه الذي يمضي إليه اليسار وهم يعبرون عن مخاوفهم من هذا المسار، ويثبت قرار اللجنة الوطنية الديمقراطية بعدم السماح لشبكة فوكس نيوز بنشر مناظرات أحد مرشحي الحزب الديمقراطي ضعف الحزب وقادته، ثم إن عملية تحويل المجتمع الى مجموعات أصغر أقل تظلماً تزداد حدة وسرعة بمرور الأيام.

ولنأخذ أحد الأمثلة الأكثر أهمية في الآونة الأخيرة وهو أن قيادة الديمقراطيين صرحت بأن قرار الرئيس ترامب حول خفض الضرائب والإصلاحات يشكل «كارثة» وهو أسوأ تشريع في التاريخ، وقد تضاعف النمو الاقتصادي وازداد الدخل الحقيقي في أوساط الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة لأول مرة في عشرين عاماً، كما أن الوظائف الشاغرة أكثر من عدد العاطلين عن العمل لشغلها. ولم يقتصر رفض القيادة الديمقراطية على وجود مشكلة خطيرة في الحدود الجنوبية للولايات المتحدة بل تعداه الى تقديم اقتراح بإلغاء وكالة الهجرة والجمارك، كما أن بيتو أوروركه الذي تغلب على السيناتور تيد كروز في ولاية تكساس، وكاد أن يفوز في العام الماضي، لا يعارض فقط بناء جدار على الحدود الجنوبية، بل يحث على إزالة كل العقبات الموجودة حالياً هناك. وفي الوقت نفسه يدعم معظم المسؤولين الديمقراطيين الجهود القانونية الهادفة الى منع مكتب الإحصاء من السعي الى تحقيق واجبه الدستوري في تقرير تعيين الوفود الرسمية إلى مجلس النواب والكلية الانتخابية وسؤال الناس عن جنسيتهم.

حماية وسائل الإعلام

وتبنى عضو الكونغرس الديمقراطي إريك سوالويل (من ولاية كاليفورنيا) تشريعاً يدعو الى توفير حماية لوسائل الإعلام من تهديدات الرئيس ترامب بالاعتداء الجسدي. ويذكر أن سوالويل الذي يبلغ الثامنة والثلاثين من العمر وعضو الكونغرس لفترة رابعة يفكر– مثل معظم السكان– في الترشح لخوض معركة الرئاسة الأميركية.

وعضو كونغرس ديمقراطي آخر قال كل مذكرات الجلب التي أصدرتها اللجان القضائية والاستخبارية في حاشية الرئيس ترامب لم تكن ضرورية، لو أن ترامب كشف عن عوائده الضريبية.

وطوال عامين كان يعتقد أن مولر سينهي رئاسة ترامب، والآن وبعد أن أصبح واضحاً أن ذلك لن يحدث بدأ الديمقراطيون بالدعوة الى طرح إفادات وشهود لإخبارنا من جديد أننا لا نعرف ما لا نعرفه، ونظراً لأن مولر لم يتمكن من عمل ذلك خلال عامين مع جهود خمسة عشر محققاً فإن ذلك لا يعني أن ترامب ليس مجرماً، وقد صرحت إليزابيث وارن التي غدت شخصية في الحياة العامة الأميركية بأن ترامب قد ينهي فترة رئاسته في السجن.

ونظراً لأن هذا الرئيس لم يسبق له أن شغل أي منصب عام منتخب أو غير منتخب أو حمل رتبة عسكرية عالية فإن ترشحه دفع أي شخص الى الظن في أن بوسعه الفوز في منصب رئاسة الولايات المتحدة، وهكذا ارتفع عدد المرشحين الديمقراطيين لهذا المنصب، وعندما حل حاكم واشنطن جاي إنسلي ضيفاً على البيت الأبيض وجه تأنيباً قاسياً الى ترامب بسبب كثرة تغريداته، ولموقفه من تغير المناخ، ولكن إجراءاته حول هذا الموضوع رفضت في ولايته نفسها، لأن الأميركيين لا يعتبرون أن هذه قضية ملحة، لكنه أراد ركوب الموجة على أمل الوصول إلى البيت الأبيض.

ويوجد أكثر من ثلاثين مرشحاً ديمقراطياً، يركز معظمهم على ثلاثة جوانب متفجرة على الأقل هي: برنامج شديد القسوة يعتمد على فكرة أوكاسيو لا باسيوناريا بأنه من دون ذلك البرنامج سيحترق العالم خلال 12 سنة، وسترتفع معدلات ضريبة الدخل الشخصي الى حدود الـ70% وتأميم الرعاية الصحية، وإقامة حدود مفتوحة مع عدم وجود محاولات للتمييز بين المواطنين وغير المواطنين، ودفع تعويضات كبيرة الى الأميركيين من أصول إفريقية ولاتينية إضافة للسكان الأصليين.

وتمكنت وسائل الإعلام الكارهة لترامب من تحقيق لعبة يتظاهر كل مشارك فيها بأن لدى الحزب الديمقراطي شريحة واسعة من الأشخاص المؤهلين والمنطقيين للاختيار من بينهم والقضاء على هذا الرئيس، وحقيقة ما يجري هي أن الأوضاع ليست كما تبدو في الظاهر، وكان هناك أربعة مرشحين مفترضين فقط لديهم المراكز والاعتراف والمنظور المنطقي للقيام بسباق جدي.

وكان مايكل بلومبيرغ أغرق نفسه في قضية مساعدات تغير المناخ، وانتقل الى المركز الخطأ من خلال السعي الى شغل منصب وزير الخارجية، كما فعل مع جيب بوش وهيلاري كلينتون، ثم خرج من هذا السباق وأعقبه السيناتور شيرود براون من أوهايو، وليس لدى إيمي كلوبوشار الميل للفوز لكنها شخصية ذات جاذبية كمرشحة. وجو بايدن الذي ترشح لأول مرة في عام 1988 لسباق الرئاسة لكنه هُزم يحتمل أن يخوض السباق.

استحالة الفوز

وفي حقيقة الأمر فإن جو بايدن هو الرجل الذي تحتاج اليه الولايات المتحدة، ولكن لا يمكن له أن يحقق الفوز في هذا السباق إضافة إلى أنه يفتقر الى الحكم الصحيح أو السلطة المعنوية لكي يصبح الرئيس المقبل والفعال للولايات المتحدة الأميركية. ولكن جو بايدن شخصية محببة يمكن أن يضفي الاحترام على سباق الرئاسة، وأن يتمكن من جمع وتوحيد الكثيرين من أعضاء الدوائر الانتخابية التي بدأت تنتشر وتتكاثر في الوقت الراهن مثل فيروس عدواني، كما أنه من خلال مثله الذي يحظى بالاحترام والتقدير– على الرغم من أنه فشل في إثارة اهتمام أي شخص في البلاد– قد يتمكن أيضاً من منع أي عضو عاقل في الحزب الديمقراطي من التصويت لمرشح من الحزب الجمهوري، وقد يتمكن جو بايدن من تجنيب حزبه ما يوصف بالمصير الفظيع وتحويل هذه الحصيلة إلى أحد المتسابقين في سباق الرئاسة في عام 2024 عندما يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة استمراراً للنموذج الجيد التأسيس المتمثل بتناوب الأحزاب في البيت الأبيض في كل ثمانية أعوام.

ولا تطرح استطلاعات الرأي في الوقت الراهن الأسئلة التي ستطرحها بعد ثمانية عشر شهراً وهي: الرئيس ترامب يمكن أن يحقق حصيلة جيدة في مجال الاقتصاد والهجرة غير المشروعة والتجارة والطاقة وتفادي الفشل في السياسة الخارجية، وخصومه هم بشكل رئيس مجرد حمقى ودجالين.

والولايات المتحدة في حاجة الى نظام حزبين يرأس كل حزب أشخاص عقلاء. صحيح أن جو بايدن ليس شخصية عالمية لكن في وسعه تجنيب الحزب الديمقراطي هزيمة تاريخية في انتخابات العام المقبل.