الاحتجاجات تكرس استقلالية القرار السياسي في الجزائر

الاندلاع المفاجئ للاحتجاجات المناوئة لحكومة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الآونة الأخيرة يجب ألا يشكل مفاجأة من حيث التذكير بأحداث الربيع العربي في عام 2011.

وعلى أي حال فإن تلك الاحتجاجات تجري على مقربة من تونس، وهي الدولة التي اعتبرت على نطاق واسع أنها مهد لسلسلة من الاحتجاجات التي اجتاحت العالم العربي قبل ثمانية أعوام.

وكانت ثورة الياسمين بدأت بعد أن قامت السلطات التونسية بإجراءات متطرفة ضد بائع في أحد شوارع العاصمة ودفعته إلى الانتحار بإحراق نفسه تعبيراً عن الاحتجاج.

كما لم تقتصر الاحتجاجات الأخيرة ضد الحكومات في العالم العربي على شمال إفريقيا، وكان على الحكومة الأردنية التصدي للمئات من الشبان العاطلين عن العمل الذين انتشروا في شوارع العاصمة عمان احتجاجاً على طريقة الحكومة في معالجة الوضع الاقتصادي هناك.

وقد عبر المحتجون في الجزائر والأردن عن المشاعر ذاتها على وجه التحديد والتي أبرزت بداية الثورات العربية قبل ثماني سنوات عندما أسفر الغضب من عجز الكثير من النخب الحاكمة عن معالجة احتياجات قضايا الشبان، وطرح أكبر فترة من الغليان السياسي الذي واجهته المنطقة في تاريخها الحديث، وإضافة إلى ذلك فإن التأثيرات الارتدادية لتلك الفترة واضحة تماماً اليوم.

وعلى سبيل المثال فإن الفوضى التي تسبب بها النزاع في سورية الذي بدأ في شهر مارس من عام 2011 عندما نزل المحتجون الى الشوارع للتعبير عن رفضهم لسياسة الحكومة السورية كان لها تأثيرها العميق ليس على سورية فقط، بل على الدول المجاورة لها، حيث تعرضت بلدان مثل الأردن ولبنان وتركيا الى أزمات إنسانية عميقة ومؤثرة سببها ذلك النزاع المدمر.

من جهة أخرى لا تزال مصر التي تعرضت لتداعيات بارزة في بداية الأزمة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك تواجه مضاعفات تلك الثورة، كما أن أي أمل في أن يتوصل المحتجون الذين احتلوا ميدان التحرير إلى تحسين وضعهم الاقتصادي قد تبدد بسبب عدم أهلية حكومة الإخوان المسلمين التي وصلت بعد ذلك الى الحكم، وأظهرت اهتماماً في فرض أجندتها الدينية بقدر يفوق السعي الى إصلاح الوضع الاقتصادي في البلاد.

ولهذا السبب كان الربيع العربي بالنسبة الى الكثير من الذين شاركوا في الاحتجاجات المناوئة للحكومة في عام 2011 مجرد تجربة مخيبة للآمال فقط.

النتائج العكسية

ومن هذا المنطلق أنا أشك في وجود رغبة في المنطقة لاستعادة الأحداث التي وقعت قبل ثمانية أعوام والتي ليس فقط لم تسفر عن تحسن الوضع الاقتصادي للمواطنين العرب العاديين بل أفضت في الكثير من الحالات الى حدوث صعوبات أشد وأكثر تأثيراً.

في غضون ذلك ستكون هناك حالات فردية كما هو الوضع في الجزائر، حيث يتوقع أن يفضي عجز النخبة الحاكمة عن معالجة احتياجات الشعب إلى مزيد من الغليان السياسي.

وفي حقيقة الأمر، وفي ضوء الطريقة التي استخدمها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في حكم الجزائر خلال العشرين سنة من حكمه ليس من الصعب فهم الثورة ضد سعيه الى ولاية خامسة ونزول المواطنين الجزائريين بأعداد كبيرة للتعبير عن رفض تلك المحاولة.

وكبداية تعرض الرئيس بوتفليقة الى عجز عن ممارسة مهام الحكم لعدة مرات منذ عام 2013 بسبب إصابته بنوبات دماغية، كما ندر أن شوهد في مناسبات عامة في السنوات الأخيرة. ويقال إن الرئيس المتقدم في العمر يمضي معظم وقته في العيادة السويسرية، وكانت فكرة سعيه الى ولاية خامسة غير مقبولة من جانب المواطن الجزائري العادي.

وفي استجابته لموجة الاحتجاجات التي بدأت في العاصمة الجزائر ثم انتقلت بسرعة الى كل المدن نشر الرئيس بوتفليقة رسالة قال فيها إنه لا ينوي الترشح لولاية جديدة، وقرر إلغاء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في الثامن عشر من الشهر المقبل.

المؤتمر الوطني

وبدلاً من ذلك يخطط الرئيس لعقد مؤتمر وطني حول الإصلاحات الدستورية والسياسية من أجل وضع دستور جديد يوافق عليه بعد استفتاء وطني.

ولكن نقاد الرئيس بوتفليقة يخشون أن تكون تلك الخطوة مجرد لعبة سياسية تهدف فقط إلى خفض التوتر السياسي والسماح للنخبة الحاكمة بإيجاد طرق جديدة لإبقاء قبضتها على السلطة في الجزائر.

ويذكرني المأزق السياسي الذي تواجهه الجزائر في الوقت الراهن بعدة طرق بما عانته تونس خلال حكم الرئيس الحبيب بورقيبة، وفي حقبة الثمانينيات من القرن الماضي كان الشعب التونسي ينزل بصورة منتظمة للشوارع للتعبير عن الاحتجاج على الرئيس المريض وغير الفعال الذي تم استبداله في نهاية المطاف بالرئيس زين العابدين بن علي الذي فشل في تحقيق أي إصلاحات ذات معنى في الاقتصاد التونسي، وأفضى ذلك إلى اندلاع الاحتجاجات التي تسببت بحدوث الربيع العربي.

ومن هذا المنطلق فإن من المهم والحيوي ألا تعاني الجزائر المصير نفسه، حيث يكون قرار تنحي الرئيس المريض– إذا افترضنا طبعاً أن تلك هي نيته النهائية والصادقة– سيتم عبر استبداله فقط.

ومن المهم أن نتذكر أن بوتفليقة تسلم الحكم لأول مرة في عام 1999 بعد حرب أهلية قاسية أسفرت عن سقوط 40 ألف قتيل.

وكان النزاع نشأ بعد أن بدا أن المجموعة الإسلامية (جبهة الإنقاذ الإسلامي) ستفوز في انتخابات عام 1992 مما دفع الجيش الجزائري الى التدخل وإلغاء الانتخابات واعتقال العشرات من نشطاء الجبهة، وهو ما أسفر عن نزاع استمر طوال حقبة التسعينيات من القرن الماضي.

وفي نهاية المطاف وفي حين تعرضت الحركة الإسلامية إلى هزيمة وعاشت الجزائر فترة حكم أكثر اعتدالاً خلال عهد الرئيس بوتفليقة لم يتبدد خطر الإسلاميين بصورة تامة، ولهذا السبب فإن من الحيوي أن نتذكر عندما نعمل على التخطيط لخلافة بوتفليقة ألا تختار النخبة الحاكمة المزيد من النوعية ذاتها، بل أن تسمح بتشكيل حكومة تمثل البلاد بأسرها وليس القلة المختارة فقط.