فنزويلا بلد الفقر والثراء

  • 12-02-2019

عشت في ذلك البلد الجميل ما يقارب خمس سنوات رئيساً للبعثة الدبلوماسية في مدينة كراكاس العاصمة، وذلك في الفترة بين 1996 و2000، وكان منزلي يتميز بالاتساع، وبحديقة رائعة وأشجار مثمرة وأنواع من الأزهار والطيور، وكانت ملتقى للعديد من الأصدقاء من مختلف المشارب، ابتداء من رئيس الجمهورية الراحل "هوغو تشافيز" إلى رجال الأعمال، وخصوصاً الفنزوليين من ذوي أصول عربية سواء السورية أو اللبنانية، والأدباء ورجال الثقافة وأساتذة الجامعات، والسياسيين والسلك الدبلوماسي من كل أقطار الدنيا.

ولعل من اللقاءات المميزة الحضور المميز لأبطال المسلسلات الفنزويلية التي تشتهر بعدد حلقاتها التي قد تتجاوز أحيانا المئة حلقة، ومن فنزويلا كنت أتولى مسؤولية سفير غير مقيم لدى كل من جمهورية البيرو والإكوادور وكولومبيا، بالإضافة لتولي بعض المهام في بعض الدول الأخرى كتمثيل الدولة في مراسم تنصيب رئيس جمهورية نيكاراغوا، وتمثيل الدولة في حفل إطلاق القمر الصناعي العربي "عرب سات "من القاعدة البحرية الفرنسية في جمهورية غوايانا الفرنسية بواسطة الصاروخ "أريان"، كما زرت أغلب جزر بحر الكاريبي وجزر البهامس. وعودة إلى فنزويلا ذلك البلد الجميل الذي في اعتقادي أن أوضاعه التي كانت سائدة في ذلك الوقت كانت تنذر بحدوث ما نراه الآن من تدمير، حتى الوصول إلى حافة الانهيار الاقتصادي وحتى السياسي للدولة، وانقسام حاد بين فئات الشعب، كانت المؤشرات في ذلك الوقت تتمثل بارتفاع نسبة الجريمة، فغذت كراكاس من أخطر مدن العالم في انتشار الجريمة، والوضع الأكثر إيلاما ذلك الفرق الشاسع بين قلة من الشعب تتميز بثراء فاحش وأغلبية تتميز بفقر مدقع.

ففي الوقت الذي ترى في مدينة كراكاس مناطق راقية ومنازل تتميز بالرفاهية وأنواع من أغلى السيارات واليخوت الفارهة تتجاوز أسعارها الملايين، فإن هناك أغلبية ساحقة تعيش على سفوح الجبال والمرتفعات بمدن "الرانشو" أو مساكن الصفيح، حيث تنتشر العصابات والجماعات التي تمارس الجريمة ابتداء من تجارة المخدرات إلى السرقة وارتكاب جرائم القتل.

كما أن جمهورية فنزويلا تتميز بثراء فاحش وثروات طبيعية مثل النفط والغاز والمعادن الطبيعية كالذهب والألمنيوم وغيرها، إضافة إلى تنوع جغرافي هائل يمتد من جبال الأنديز إلى السهول والبحيرات والأنهار وشلالات الملاك التي تعتبر أضخم شلالات في العالم، فغدت مصدراً مهماً للماء وتوليد الكهرباء إضافة إلى غابات الأمازون التي تعتبر مخزونا ضخما من الأخشاب والتنوع البيئي والنباتي والحيواني والمناظر الطبيعية الخلابة، والكهوف الجبلية التي غدت مهوى للسياح من كل العالم، أضف إلى ذلك أن عدد سكان فنزويلا يقارب "30 مليون نسمة".

وفي الذهن صورة لعلها تعبر عن الواقع المرير في ذلك الوقت الذي غدا أكثر مرارة الآن، ففي فندق "شيراتون كراكاس" الذي يبعد عن العاصمة ما يقارب الساعة، ويقع على ساحل البحر بمناظر خلابة ومرافئ لليخوت الرائعة، وفي الجهة المقابلة وعبر الشارع الرئيسي فقط، وعلى سفوح المرتفعات تمتد "بيوت الصفيح- الرانشو" التي يسكنها الآلاف، وقد تعرضت تلك المساكن لانزلاقات أرضية راح ضحيتها المئات من ساكني تلك البيوت. في ظل تلك الأوضاع برزت بعض الأحزاب والتنظيمات التي حملت شعارات أدت بالضرورة إلى تفاقم الأوضاع على النحو الذي تراه الآن ولا أحد يعلم إلى أين تسير الأمور؟

حفظ الله الكويت وقيادتها وأهلها من كل سوء ومكروه.