مرافعة : نفِّذوا الأحكام من ذمم المسؤولين!

  • 05-02-2019

في الوقت الذي تصدر فيه المحاكم الإدارية يوميا عشرات الأحكام القضائية ضد الجهات الادارية، كالمؤسسات والهيئات ووزارات الدولة، يكشف الواقع العملي امتناع العديد من المسؤولين عن تنفيذ الاحكام القضائية، وقد فاق عدد القضايا التي حققت فيها النيابة في العام المنصرم 120 قضية، وهو ما يثير تساؤلا عن اسباب تزايد هذا النوع من الجرائم، الذي يمثل تحديا للقانون وعدم الاحترام لأحكام القضاء من قبل عدد من قياديي الدولة؟!

في بداية عمل مجلس الدولة المصري لجأ أحد العسكريين إليه طالبا الحكم بإلغاء قرار تخطيه بالترقية لحساب عدد من زملاؤه، وصدر حكم قضائي لمصلحته بإلغاء القرار، وعندما رفع الامر الى المسؤول الاول في الوزارة عن أمر تنفيذ الحكم رفض ووقع على أمر التنفيذ بعدم موافقته، ووضع اسمه وخاتم الوظيفة، رغم المحاولات الكثيرة التي دعته الى تنفيذ الحكم القضائي.

وبعدما تعنت وأصر على الامتناع عن تنفيذ الحكم لجأ ذات الضابط الصادر لمصلحته الحكم إلى رفع دعوى امام مجلس الدولة، طالبا الحكم بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم القضائي، وطالب ايضا بإلزام المسؤول بشخصه بتعويضه من جراء ذلك الامتناع.

ورغم أنها سابقة، فإن مجلس الدولة قبل الدعوى وألغى القرار السلبي وحكم لمصلحة الضابط بمبلغ 5 آلاف جنيه، وعلى ان يسدد المسؤول المبلغ من ماله الخاص!

وبعدها لجأ ذلك الضابط إلى الحصول على صيغة تنفيذية للحكم واتخاذ إجراءات التنفيذ، ولم يجد امامه الا التنفيذ على منزل المسؤول الكبير، الذي فوجئ بمأمور التنفيذ يطرق باب منزله ويطالبه بإتمام الحجز وتحديد موعد للبيع على منزله، تنفيذا للحكم القضائي الصادر لمصلحة الضابط، وهو الامر الذي اثار حفيظة المسؤول الذي فوق صدمته مما حدث له أصابته حالة من الهلع لما سيحدث، وكيف سينهي هذا الامر الذي يحدث من حوله، متسائلاً: كيف للقضاء ان يصدر حكماً ضدي؟!

وقام المسؤول برفع الأمر الى الملك فارق للنظر في الأمر، فطلب الملك فاروق النظر في الأمر، وعهد للخبير الدستوري حينها د. وحيد رأفت، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الفتوى بمجلس الدولة للنظر في الامر، وبعد الدراسة أبلغهم د. وحيد رأفت أن هذا حكم واجب النفاذ ويتعين العمل به، ومهما كانت التحفظات. ورغم مبلغ التعويض الكبير حينها، فإنه تم تنفيذ الحكم ضد المسؤول خصما من مكافأة معاشه وخصما آخر مقسطاً من مرتبه، إلى ان انتهى الامر بإيفائه المبلغ الصادر بحقه نتيجة تعنته وامتناعه عن تنفيذ الأحكام!

ذلك الحكم القضائي الذي صدر قبل أكثر من 60 عاماً مازال مثالا على هيبة الأحكام القضائية، ويمثل رسالة مهمة للمسؤولين الممتنعين عن تنفيذ الاحكام، والذين يتعين -حال تعمدهم- تنفيذ الاحكام من ذممهم المالية الخاصة، حتى لا تكون الاموال العامة عرضة لأهوائهم قبل تنفيذ الاحكام القضائية، وذلك لأن تنفيذ الاحكام يعد أحد مظاهر الدولة القانونية الحريصة على تطبيق احكام القانون وتنفيذ مقتضاه، إقرارا لحقوق الافراد وحفاظا على مكتسباتهم.