صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5147

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عندما تثور الطبيعة *

  • 15-08-2022

إجابة السؤال المتكرر «كيف تحملتم في الخليج هذه الدرجات المرتفعة من الحرارة؟!» هي أن الخليج كما كل بلدان العالم لم يعش أجواء كهذه كما هو حال فرنسا وإسبانيا وسويسرا وغيرها من الدول الأوروبية.

يعود السؤال بين فواصل المحادثات التي تبدأ روتينية ومعتادة: «كيف كنتم تعيشون يا أهل الخليج في مثل هذا الطقس الحارق؟!» وذاك بعد مرور بنشرة أحوال الجو في بلدان العالم والتي تشبه أوراق «نعوة» للطبيعة بجبالها وأشجارها وسهولها وأنهارها وبحورها وأسماكها وكل ثروات البشر التي راكمها الإنسان على مر مئات السنين، كلها نعم كلها بدأت تسقط ضحية نفس الداء الذي تعقد من أجله المؤتمرات والمنتديات دون جدوى... إنه تغير المناخ أو ربما هو ثورة الطبيعة على الإنسان فبعد أن ثار الإنسان على «سيده» الإنسان مثله جاء دور الطبيعة لتقول لنفس السادة القائمين على أحوال الكون إنكم فاسدون على كل الصُّعُد وبالعودة إلى كل الأعراف والقوانين وغيرها...

تشتعل الغابات في فرنسا وتجف الأنهار في بريطانيا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية وتطلب الحكومات هناك من مواطنيها التخفيف أو حتى عدم استخدام مكيفات الهواء لأنهم يستهلكون كل الغاز المخزون لفصل الشتاء القاسي وكأنها تقول لهم إما الموت بجهنم نار شمس الصيف أو الموت تجمداً تجت جليد رياح الشتاء القارسة.

ربما «الحق على أوكرانيا» أو الحرب هناك، ولكن حتما هناك أمر آخر مرتبط ارتباطا وثيقا، وذلك حسب دراسات وبحوث متخصصة من قبل جامعات واختصاصيين، وهو ببساطة شديدة ودون التعثر في مصطلحات علمية أو التشبث بكلمات مكررة، جشع الإنسان المتمثل في نظم استهلاكية قاتلة.

تذكرت السؤال عن أحوال الصيف في الخليج «أيام زمان» وأنا أقرأ خبر دعوة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رجال بلاده إلى التخلي عن ربطة العنق للتخفيف من استهلاك الطاقة، مما أثار ضجة وحوارات عدة لم يشهدها العالم منذ سنين عديدة أو ربما منذ تخلى الإيرانيون بعد الثورة عن ربطة العنق!

ما علاقة ارتفاع الحرارة في العالم حتى في تلك التي لم تعرف مثلها من قبل، بربطة العنق والأزياء والموضة؟! ربما لأن كثيرين منا لا يربطون بين الملابس وصناعتها التي أصبحت جزءاً أساسياً من الدخل لبعض الدول وبين الاحتباس الحراري الذي يراه البعض متمثلاً في كثرة استخدام النفط والغاز وغيرهما من مسببات الاحتباس الحراري، ولا يرى أن صناعة الموضة تساهم في نفس هذا الداء بل الوباء القاتل للبشرية بشكل بطيء ومخفي، أو ربما متخفٍّ خلف كثير من صناعة الجمال في ملابس تعتمد على مواد خام وتستخدم لصناعتها الكثير من المواد الكيمائية التي تساهم حتما في تلوث البيئة من هواء وأنهار وبحار... كيف يساهم ذاك الفستان الحامل تصميم بيت أزياء عريق والذي تتجمل به السيدات في كل الكون، وربما حتى «يتفاخرن» به لكونه يساهم في خلق الصورة التي تريدها هي، والتي قد تكون ربما الثراء أو ربما الذوق أو ربما التمدن والمدنية وغيرها، وهي في مجملها شكل من أشكال وأنماط العملية الدعائية للمنتجات الاستهلاكية التي تستخدمها مصانع وشركات عالمية عابر للحدود والأديان والأعراق والألوان؟!

بل إن مخلفاتها أصبحت كارثة بشرية أخرى حيث يؤكد ذاك البرنامج الوثائقي على حجم «القتل» المتعمد أو غير المتعمد للطبيعة والمتمثل في تجارة الملابس المستعملة وهي بالطبع تنتهي في دول جنوبية نامية بينما الدول الصناعية تحمي نفسها من مضار هذه الصناعة بالتخلص منها بعيدا عن أعين الأجهزة الرقابية التي تتابعها أعين برلماناتها المنتخبة رغم ضعفها أحيانا وتواطئها أحيانا أخرى! فالعديد قد وثق كوارث الملابس المستعملة التي تصل إلى السواحل الغربية من إفريقيا، حيث يشير ذاك «الوثائقي» إلى أنهم في غانا يسمونها «ملابس الرجل الأبيض الميت» التي تصلهم على سفن ضخمة وبشكل يومي، وما هي إلا نفايات ملابس تحت مسمى تجارة الملابس المستعملة... تذكر إحدى الدراسات الحديثة أن صناعة الملابس تساهم في 10 في المئة من الانبعاثات الحرارية العالمية وبهدر 20 في المئة من المياه، وتنتهي الكثير من الملابس المستعملة في مكبات أو محارق تساهم هي الأخرى في تلوث أكبر للطبيعة ما يساهم أو يؤدي إلى موت البشر.

هكذا تحول الإنسان تدريجيا، وساهم في ذلك انتشار ثقافة الاستهلاك القاتلة، إلى استغلال الطبيعة بكل ثرواتها بشكل خاطئ ومكثف دون إدراك أو أحيانا بمعرفة ومع سبق الإصرار والترصد، بالقضاء على الطبيعة ومصادر الحياة للبشر والكائنات الحية، ولذلك فالإجابة المتكررة حول السؤال: «كيف تحملتم في الخليج هذه الدرجات المرتفعة من الحرارة؟!» هي أن الخليج كما كل بلدان العالم لم يعش أجواء كهذه، كما هو حال فرنسا وإسبانيا وسويسرا وغيرها من الدول الأوروبية، التي كانت ملاذاً للكثيرين من أبناء الخليج بعيداً عن ذاك الطقس القاتل! فإلى أين المفر بعد الآن وأوروبا تحترق؟!

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية»

خولة مطر