صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5099

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الاستجواب ملحمة التجربة الديموقراطية الكويتية ومحنتها (2-3)

  • 26-05-2022

الدستور ألحق ديوان المحاسبة بمجلس الأمة ولم يلحقه بمجلس الوزراء كما كان مقرراً في مسودة الدستور التي عرضت على المجلس التأسيسي، وهي التبعية التي اعترض عليها في المجلس الوزير عبدالعزيز الصقر بجلسته المنعقدة في 13 اكتوبر سنة 1962 مطالبا بتبعية الديوان لمجلس الأمة، وبعد التصويت تمت الموافقة على إلحاق الديوان بمجلس الأمة.

تناولت في مقالي المنشور على هذه الصفحة أمس الأربعاء المساءلة السياسية الفردية للوزراء التي تبناها الدستور، والتي يحتل الاستجواب فيها قمة وسائل الرقابة البرلمانية، وقد يؤدي الى طرح الثقة بالوزير، فإن صدر قرار من مجلس الأمة بحجب الثقة عنه قدم استقالته فورا.

وإن الرعيل الأول بالرغم من حرصهم على ألا يستثنى من الاستجواب رئيس مجلس الوزراء لم يرتبط على استجوابه طرح الثقة به، فهو أمير البلاد القادم، إذ كانت النية معقودة على أن يتولى ولي العهد رئاسة مجلس الوزراء، فرتبوا على الاستجواب جواز أن يقرر المجلس عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، فقد استمر الجمع بين ولاية العهد ورئاسة المجلس مدة قاربت نصف القرن، حتى رحيل الشيخ سعد العبدالله الصباح، طيب الله ثراه، ولذلك يعتبر القرار الذي أصدره المجلس بعدم إمكانية التعاون مع الشيخ صباح الخالد هو الأول في تاريخ الحياة البرلمانية.

تنقيح فعلي للدستور

والواقع أن رؤساء مجلس الوزراء المتعاقبين قد تحملوا في الاستجوابات المقدمة لديهم وزر الوزراء المسؤولين عن تطبيق القوانين المختلفة، ومن هذه القوانين قانون الهيئة العامة للبيئة رقم 25 لسنة 95 إلا أنه، وإن كان ملحقا بمجلس الوزراء، يترأس المجلس الأعلى للهيئة أحد الوزراء وقانون الصناعة رقم (56) لسنة 96 الذي أنشأ الهيئة العامة للصناعة التي يشرف عليها وزير التجارة والصناعة ويترأس مجلس إدارتها، ولم يعصم كل ذلك رئيس مجلس الوزراء من استجوابه عن الهيئتين.

وقد نبهت الى ذلك في مقال نشر لي على صفحات "الجريدة" في عددها الصادر في 6 يونيو 2010 تحت عنوان "الاستجواب وتنقيح فعلي للدستور"، وقلت في هذا المقال وبالحرف الواحد "أجزم أن سمو رئيس مجلس الوزراء لن يدفع مسؤوليته السياسية، باختصاص وزراء آخرين عن الموضوعات محل الاستجواب، لأنه قادر على الرد على الاستجواب، وقادر على أن يتحمل المسؤولية السياسية عن أي قرار من وزرائه، ولكن الأمر لا يتعلق بقدرة رئيس مجلس الوزراء أو حرصه على الدفاع عن وزرائه، بل يتعلق بنصوص ومبادئ دستورية لا يجوز إهمالها أو تجاهلها».

استجواب رئيس مجلس الوزراء الأخير

ولم يخرج الاستجواب المقدم بتاريخ 6 فبراير 2022 إلى سمو رئيس مجلس الوزراء عن هذا النهج في التنقيح الفعلي للدستور، فهو المسؤول في المحور الثالث عن النهج المنظم للأموال العامة والعبث بثروات الشعب لتراخي ديوان المحاسبة عن التكليف الصادر له من مجلس الأمة منذ عام ونصف بالكشف عن الفساد، وقد ألحق الدستور ديوان المحاسبة بمجلس الأمة ولم يلحقه بمجلس الوزراء كما كان مقرراً في مسودة الدستور التي عرضت على المجلس التأسيسي، وهي التبعية التي اعترض عليها في المجلس الوزير عبدالعزيز الصقر بجلسته المنعقدة في 13 اكتوبر سنة 1962 مطالبا بتبعية الديوان لمجلس الأمة، وهو الاعتراض الذي جرت مناقشته في هذه الجلسة، وفي الجلسة التالية التي جرى فيها التصويت على هذا الاقتراح، حيث تمت الموافقة على إلحاق الديوان بمجلس الأمة دون مجلس الوزراء.

وهو المسؤول عن قرارات مجلس الأمة بتأجيل الاستجوابات في دور الانعقاد العادي الأول، وهو المسؤول سياسيا عن أعضاء المجلس الذين صوتوا على هذا التأجيل، والذين صوتوا على حصانة الوزراء من المساءلة السياسية وعن تعطيل جلسات المجلس بسبب تأخير تشكيل الحكومة بالرغم من أن تأجيل الجلسات لعدم حضور الحكومة هو قرار رئاسة المجلس، وهو المسؤول عن تعطيل الجلسات الخاصة بمجلس الأمة.

الاستجواب والمنعطف الدستوري الخطير

وقد تساءلت في مقالين منشورين على هذه الصفحة في عدديها الصادرين في 4 و5 يناير 2011 تحت هذا العنوان: هل تتحول المسؤولية الفردية للوزراء إلى مسؤولية تضامينة؟ وهل أصبحت المادة 123 من الدستور عباءة لتنقيح فعلي له؟، وقلت في هذا السياق في هذين المقالين: "إنه لا يجوز أن تعزل هيمنة مجلس الوزراء على مصالح الدولة من سياقها فيما تنص عليه هذه المادة من اختصاص مجلس الوزراء برسم السياسة العامة للحكومة ومتابعة تنفيذها، الأمر الذي يجب معه أن يكون تفسسير هذه الهيمنة متسقاً مع هذا السياق ومتساندا معه، بما يقيم بينهما التوافق، فتكون هذه الهيمنة على السياسات العامة التي يرسمها مجلس الوزراء.

كما قلت بأن تمثيل الحكومة بوزير واحد في إحدى الجلسات هو استخدام لحق دستوري للحكومة ليس مبررا لاستجواب رئيس مجلس الوزراء، ولو كان قد ترتب على ذلك فقدان نصاب الجلسة التي كانت مخصصة لنظر طلب رفع الحصانة البرلمانية عن أحد النواب، الأمر الذي ترتب عليه رفع الحصانة عنه لانقضاء شهر على طلب رفعها، خاصة أن غياب أغلب الأعضاء عن هذه الجلسة هو الذي أفقدها النصاب.

فضلا عما جاء في المحور الثالث من استجواب رئيس مجلس الوزراء الذي قرر فيه المجلس عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء عن تراخي الهيئة العامة لمكافحة الفساد في تنفيذ ما كلفها به المجلس من الكشف عن قضايا الفساد والنهب المنظم للأموال العامة والعبث بثروات الشعب وهو ما سنفرد له المقال القادم والأخير من هذه السلسلة من المقالات حول المسؤولية السياسية عن أعمال المؤسسات والهيئات العامة.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

● المستشار شفيق إمام