صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5072

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رؤية الكويت 2035 وتحديات الوصول إلى منظومة الابتكارات التقنية والتكنولوجيا العالمية

  • 29-05-2022

قطعت العديد من الدول العربية شوطاً كبيراً في مسيرتها نحو التحول الرقمي القائم على الاستفادة من أحدث التقنيات وتعزيز نهج تطوير المهارات والابتكارات والارتقاء بقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات لصالح مستقبل باقي القطاعات والصناعات. وتستهدف حكومات أغلب الدول العربية تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة باستيراد التقنيات الحيوية الحديثة.

وتنطوي استراتيجية رؤية الكويت للعام 2035 على التحول الرقمي من بين أهداف كثيرة حددتها الدولة لمواكبة التطورات على كافة المستويات. وتماشياً مع المشاريع المطروحة لاعتماد الرقمنة، تسعى حكومة الكويت جاهدة لتعزيز القدرات التي تقدمها التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية وغيرها للمواطنين ورجال الأعمال والشركات الناشئة في الكويت. كما تسعى دولة الكويت إلى تسخير إمكاناتها لدعم الأعمال الرقمية والتقنيات التي تعمل على تحسين الانتاجية، وتوفير مكاسب متنوعّة بكلفة أقل ووقت أقصر ونوعية وجدوى أفضل.

تشجع رؤية الكويت 2035 على الاستثمار في القطاعات الحيوية كالصحة وقطاع التربية والتعليم وترقية البنية التحتية واستخدام التكنولوجيا المبتكرة وفق ثقافة جديدة مبنية على الرقمنة. وتشجع الأعمال الخضراء كما هو الحال في التركيز على استدامة قطاع النفط والغاز. ويعتمد نجاح الرؤية بشكل أساسي على توفر الركائز الإنمائية المدعومة بالسياسات والقوانين التنظيمية وزيادة أواصر التعاون بين القطاعين العام والخاص لتلبية متطلبات المواطنين وما ينشدونه من خدمات وحلول مستقبلية سلسة وذكية؛ ويتم ذلك على ضوء قدرة الوصول إلى منظومة التكنولوجيا العالمية واستيراد أحدث التقنيات والحلول التي أثبتت جدارتها على طريق بناء مستقبلنا الرقمي الذكي المستدام.

إلا أنه بات اليوم من الصعوبة بمكان الوصول إلى بعض التقنيات المتطورة التي تنتجها صناعة الاتصالات وتقنية المعلومات، وخير مثال على ذلك تحديات النقص الحاد في تصنيع أشباه الموصلات أو ما يسمى بالرقاقات التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة. وتعتبر هذه الرقاقات المكون الأساسي لطيف واسع من المنتجات العصرية الحديثة، فهي تدخل تقريباً في جميع الصناعات والقطاعات، ومكون أساسي للأجهزة الإلكترونية كالهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وألعاب الفيديو والمركبات والسيارات والطائرات وشبكات الاتصالات والمعلومات وغير ذلك من منتجات أصبحت تشكل جزءاً جوهرياً في حياتنا. وأشباه الموصلات هي رقائق إلكترونية تتيح للأجهزة الإلكترونية التقاط البيانات وتخزينها؛ وبدونها لا يوجد أي قيمة لأي جهاز إلكتروني.

يعزى انخفاض انتاج أشباه الموصلات لعدة عوامل، أهمها الظروف التي فرضتها جائحة كورونا وما نتج عنه من ارتفاع أسعار الشحن المرتبط بعملية نقل المواد الأولية اللازمة لعملية التصنيع. وساهم ذلك بوجود أزمة حقيقية أضرت بصناعات ومجالات متعددة، وضرب خطوط إنتاج الأجهزة والتقنيات في مختلف دول العالم. مثال ذلك التباطؤ الذي شهدته خطوط إنتاج السيارات وعدم تمكن العديد من المصانع من تلبية أوامر الشراء، ما تسبب أيضا بارتفاع أسعار السيارات المستخدمة.

أزمة أشباه الموصلات لا تقتصر على تحديات كورونا، بل يعزى جزء كبير منها للسياسة وحرب التكنولوجيا بين الشرق والغرب، وتحديداً بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين. فمعظم الرقاقات المتطورة تأتي بتقنيات أمريكية تحاول الحكومة الأمريكية حجبها عن الصين في محاولة لكبح جماح تقدمها التكنولوجي بعد أن سحبت الصين البساط من تحت أقدام أمريكا والغرب، خصوصاً في مجالات حيوية لمستقبلنا كتقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.


خير مثال على ذلك شركة هواوي الصينية التي تحاربها حكومة الولايات المتحدة وفرضت عليها عقوبات حرمتها بموجبها من الحصول على أشباه الموصلات وحتى الخدمات من الشركات الأمريكية كجوجل اللازمة لهواتفها بنظام آندرويد بعد أن تصدرت مبيعاتها الرقم واحد عالمياً في 2020 خلاف كل التوقعات.

الرابطة العالمية لتصميم وصناعة الالكترونيات وسلسلة التوريد كانت قد أصدرت بيانا ردًا على التغييرات في قواعد مراقبة الصادرات الأمريكية التي أعلنت عنها وزارة التجارة الأمريكية في 2020 وأغلقت بموجبها الباب أمام الشركات الأمريكية أو الشركات في أي دولة أخرى في العالم السماح بتصدير التقنيات التي تتضمن تكنولوجيا أمريكية لشركات صينية أضافتها الإدارة الأمريكية للحظر في القائمة السوداء، في مقدمتها هواوي. وحذرت الرابطة من أن تلك الإجراءات الضيقة الأفق نسبيًا خلقت فعلياً مثبطات استثنائية لإجراءات شراء معدات أشباه الموصلات وبرامج التصميم من أصل أمريكي، وأدت فعلياً لخسارة مبيعات بقيمة 17 مليون دولار من سلع أمريكية المنشأ لشركات غير ذات صلة بشركة هواوي.

عدد من المسؤولون التنفيذيون في مجال التكنولوجيا والدبلوماسيون الأوروبيون اتهموا الولايات المتحدة باستخدام نظام العقوبات ضد تكنولوجيا الصين لإبعادهم عن السوق الصينية. وقال أحد كبار المسؤولين التنفيذيين الأوروبيين إن العقوبات الأمريكية ضد تكنولوجيا الصين خلقت سياسة تجارية عنوانها "أمريكا أولاً.

هواوي اضطرت لتخزين كميات هائلة من الرقاقات اللازمة لخطوط انتاجها وكذلك فعلت العديد من الشركات حول العالم، ما أخل بسلسلة التوريد العالمية وتسبب بنتائج سلبية لكثير من الصناعات. وعلى الرغم من أن هواوي من أقوى الشركات في العالم في مجال البحث والتطوير، فقد أنفقت العام الماضي حوالي 22 مليار دولار أمريكي أي ما يقارب 22 بالمئة من عوائدها السنوية في هذا المجال، وجزء لا بأس به من ذهب لصالح تطوير أشباه الموصلات، إلا أن الحظر الأمريكي عليها تسبب بتراجع ِأعمالها وأرباحها.

نتائج أعمال هواوي السنوية لعام 2021 أظهرت أنها حافظت نوعاً ما على مرونة أعمالها بسبب تركيزها الطويل الأمد على البحث والتطوير، فقد تجاوز إجمالي استثماراتها في هذا المجال على مدار 10 سنوات الماضية 132.5 مليار دولار. وجاءت في المرتبة الأولى بعدد براءات الاختراع التي منحها مكتب براءات الاختراع الأوروبي، وبالمرتبة الخامسة في عدد براءات الاختراع اللي منحها مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية، وفي المرتبة الثانية على لائحة الاتحاد الأوروبي للاستثمار في البحث والتطوير الصناعي. ووصل عدد براءات الاختراع التي تمتلكها إلى 110 آلاف براءة اختراع. وتقدمت من المرتبة 49 إلى المرتبة 44 على قائمة "فورتشن غلوبال 500" لأفضل شركات العالم.

بفضل الاستثمارات الضخمة في البحث والتطوير استطاعت هواوي التكيّف مع المتغيرات ومواصلة الابتكار وعززت مجال تطوير أشباه الموصلات لأعمالها وإطلاق أعمال جديدة مثل الطاقة الرقمية والتركيز على تقنيات مستقبلية هامة كالحوسبة والذماء الاصطناعي. والشركة اليوم أحد أهم اللاعبين العالميين في بناء شبكات الجيل الخامس ونشرها عالمياً. ولا شك بأن الحرب التكنولوجية بين أمريكا والصين تؤثر على قدرتها على إنتاج مزيد من التقنيات.

شركة هواوي الصينية ليست سوى مجرد مثال واحد على التأثيرات السلبية للنزاعات السياسية التي تخل بعالم التكنولوجيا الحيوي جداً لمستقبل نهضتنا ومسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي ننشدها. وعلى ضوء التطورات المتسارعة الذي يشهدها فضاء الابتكار التقني العالمي، تحرص دولة الكويت على بناء مزيد من الشركات المنفتحة مع مختلف الدول وتشجع نهج البحث والتطوير والتعاون بين القطاعين العام والخاص لضمان الوصول إلى منظومة التقنيات المبتكرة العالمية الضرورية لتنفيذ رؤيتها واستراتيجيتها على الوجه الأمثل، بعيداً عن التأثيرات السلبية لتسييس مستقبل التكنولوجيا.