صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5041

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شيخوا تصحّوا!!

  • 10-01-2022

يخاف الكثيرون أن يشيخوا ويرددوا "ليت الشباب يعود يوما" في حين لكبر السن كثير من الجمال الذي لم نتعلمه في كتبنا الدراسية، ولا في مجتمعات تعيش على هامش اللحظة، وتتصور أنها صانعتها، وهو أحد كثير من أوهامها التي تعيش عليها وتشربها وتطعمها لشعوبها صباحا ومساء.

تتقدم في العمر كما كل مخلوقات الكون، تكبر ثم تشيخ، وتبدو العلامات واضحة رغم أن كثيرين يقاومون تلك الأعراض، أو على الأقل يعملون جاهدين على تأخيرها، ولكن تبقى الساعة تجري سريعاً والشمس تشرق وتغرب أسرع من مخيلة الكثيرين منا، نردد جميعا عبارة "الوقت يركض أو يجري" في حين نناقض ما نقول وبشكل يومي دون أن نعي ذلك، خاصة إذا كان الفرد ينتظر الطبيب الذي تأخر في فحص المريض الذي سبقه، أو عند الوقوف في زحمة المواصلات التي أصبحت سمة العصر في العديد من مدن العالم، أو حتى عند وقوف الكثيرين في طوابير طويلة أمام المخابز للحصول على الرغيف أو العيش الذي هو تعبير حقيقي عن أن فقراء هذه الأمة يعيشون عليه، في حين أولئك من الشرائح العليا الصغيرة يرددون "أنا لا آكل كارب" في اختصار للكربوهيدرات التي تسهم في زيادة الوزن والإخلال بأحد شروط الرشاقة المطلوبة!

يخاف الكثيرون أن يشيخوا ويرددوا "ليت الشباب يعود يوما" في حين لكبر السن كثير من الجمال الذي لم نتعلمه في كتبنا الدراسية، ولا في مجتمعات تعيش على هامش اللحظة، وتتصور أنها صانعتها، وهو أحد كثير من أوهامها التي تعيش عليها وتشربها وتطعمها لشعوبها صباحا ومساء.

تشيخ دون أن تعرف كيف؟ لم تتعلم سوى الخوف من هذه المرحلة التي لا أحد منا يستطيع أن يتفاداها مهما خزن من أموال وذهب، تخاف اللحظة لأن طبيبك يردد عليك منذ أن تدخل الأربعين أو الخمسين بأن عليك أن تراقب تفاصيل يومك حتى أنفاسك ويسرد لك قائمة طويلة من الممنوعات تضاف إلى الممنوعات التي تضعها حكومتك ودولتك المصونة!!!

تعرف أن الممنوعات هي جزء من حياتك في كل مراحلها تزداد أحيانا حتى تخنقك في الشباب، فيقال لك انتظر عندما تكبر فستتعود عليها أو ستتعايش معها أو حتى ستعرف لماذا وضعها الحاكم بأمره ومن حوله، ولكنك تشيخ فلا تعتاد الممنوعات ولا تتقبل أن كبر السن يعني أن "تركن على جنب" وتترك الفسحة للقادمين المسلحين بالعلم الحديث والمعرفة والجميلات من الفتيات الرشيقات الحاضنات لأحلام مجتمعك أكثر حاجة لها، يلقنونك هذه المفاهيم منذ الصغر حتى اقتنع الكثيرون منا بها و"ركنوا" على جنب.

البعض فكر في التقاعد المبكر، مازال سيقبض مرتباً معقولاً يعيش منه ويعتاش– طبعا لم يدركوا أن الأيادي ستمتد لتقاعدهم أيضا عندما تفرغ الخزائن بسبب سياسات اقتصادية أقل ما يقال عنها أنها فاشلة– وآخرون يرددون هذا وقت نجلس فيه ونستمتع بالحياة، فقد عملنا سنين طويلة وهذا ما يقوم به الكثير من المتقاعدين في الدول التي تحترم مواطنيها، وتقدم لهم مقابل ما دفعوا من سني عمرهم لأوطانهم، ولكن حتى هم لا يتركون الحياة ويستقيلون منها فيتحولون إلى أشباه عالة على مجتمعاتهم أو يركنون إلى اكتئاب يتلوّن بألوان عدة.

من يتمرد على مفهوم الشيخوخة عند مجتمعاتنا هو من يعمل على كسر كل تلك المنظومة الأخلاقية التي صنعوها هم، فالحاكم الذي يشيخ لا يتنازل و"يركن" على جنب، بل يستمر فوق الكرسي حتى يهرم الكرسي ويبقى هو!

تكتشف أن الشيخوخة لا تخص الطبقات الصغيرة الجالسة فوق رقاب العباد، تعلمهم كل يوم "الأدب"، وخصوصاً عندما يعلو صوتهم بالمطالب، فهي من تقول لهم "احمدوا ربكم واشكروه أننا لم نضع ضريبة على الهواء والبحر"، رغم أنهم تقريبا فعلوا ذلك عندما تركوا الأغلبية تعيش على هامش الأقلية سواء في السكن أو الصحة أو الغذاء أو الدواء أو الترفيه، وهو حق طبعا، كل ذلك محلل لتلك الشريحة القابضة على مصير الأغلبية.

الشيخوخة تتحول لمرض فقط للفقراء وما بينهم وبين القبيلة الجديدة من الأثرياء الذين لا يشيخون ولا تشملهم ثقافة "اركن على جنب" لأنك قد هرمت. أن تشيخ أو تكبر أو تهرم أو حتى تتقدم بالعمر هو أن تنضج وتتعلم كيف تختار مفاصل حياتك كلها، وكيف تركز على ما تحب وما يريحك وما يجعلك أكثر فرحا إن لم يكن أكثر سعادة، ولا يعني ألا تعمل ولا تقرأ ولا تكمل ما تحب، بل أن تبقى حتى آخر نفس، كما قال لي ذاك الشيخ الحكيم الذي علمني الكثير، تعلم وتتعلم وتعمل وتخدم وتتحرك ولا تتوقف فقط لأن سني عمرك تقول أرقامها ذلك، الشيخوخة أن ترقص وتغني كلما حانت فرصة الفرح أو حتى أن تخلق وقتاً لترقص وتحرر جسدك الذي لم يشخ إلا بفعل مفاهيمهم، وأن تغني بصوتك عاليا لتلك الأغنية التي تعرفها منذ زمن أو التي انتشرت مؤخراً فطربت لها، الشيخوخة هي أن تعيش حياة تختارها لا يختارها لك الآخرون، وأن تثور على كل منظومتهم وليس أولها مفاهيمها التي وضعوها لك أنت فقط ولمن مثلك، أما هم فهم فوق هذه المفاهيم وأعلى منها لأن القابض على قوتك واقتصادك والرقيب على أفكارك وأنفاسك وكل ما تنطق به أو حتى تفكر فيه هو من يريدك أن تشيخ أيضاً، وألا تساهم في قول (لا) لما يفعلون بحجج كثيرة أولها أن كبار السن عليهم أن يصلوا ويتعبدوا فقط في انتظار القبر وجنات الخلد... عجبي!

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.

د. خولة مطر