صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5040

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

وجهة نظر: عقلانية المطالب بتوزيع أرباح «التأمينات»

  • 20-12-2021

يُمكننا تبسيط مفهوم العجز الاكتواري، على تعقيداته، بمعادلة بسيطة هي: إذا جمدنا جميع البيانات المالية الخاصة بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عند نهاية يوم معين، وحسبنا القيمة الحقيقية لموجوداتها واستثماراتها، ثُم طرحنا قيمة جميع التزاماتها تجاه المتقاعدين والمؤمن عليهم، فإذا جاء ناتج ذلك سلباً، كان هناك عجز اكتواري.

وعلى خلاف الشركات الخاصة، فإن على المؤسسة التزاماً قانونياً بأن تدفع لمُشتركيها مخصصاتهم التقاعدية الشهرية بغض النظر عن أدائها المالي. لذلك، تحتاج المؤسسة أن تمتنع عن توزيع أرباحها، لكي تحافظ على ذلك الالتزام. وهذه المُمارسة، بعدم توزيع الأرباح، معمول بها في جميع صناديق التأمينات الاجتماعية في العالم.

وهُنا تجب الإشارة إلى أنه يجب على المؤسسة أن تدفع للمُتقاعد راتباً تقاعدياً مدى حياته، ومن بعد وفاته مدى حياة زوجته، ولأبنائه القاصرين حتى بلوغهم عمر 21، وللبنت حتى زواجها، وبعد ذلك في حال طلاقها.

وإذا أخذنا في الحسبان أن سن التقاعد في الكويت هو الأدنى خليجياً وفي العالم، فيُمكننا أن نتفهم العجز الاكتواري الكبير، الذي واجهته المؤسسة ولا تزال، والذي بلغ 17.4 مليار دينار، بحسب البيانات المالية للمؤسسة عن عام 2018-2019.

ورغم تفهمنا لهذه المشكلة الكبيرة، فهناك أمر لا يُمكن للمتقاعد تفهّمه أو حتى تقبّله، وهو قيمة الزيادة المُقدرة بـ 30 ديناراً فقط كل ثلاث سنوات تعويضاً لارتفاع تكلفة المعيشة. هذا المبلغ الزهيد بعيد كل البُعد عن متوسط مُعدل التضخم المُقدر بـ 2.85% سنوياً (المصدر: البنك الدولي، 2010 – 2019)، مما يؤثر على تمتع المُتقاعد بحياة كريمة، مع تقدمه في العمر. ولتقدير حجم هذا الأثر، لنفترض أن راتب أحد المتقاعدين كان 1400 دينار في عام 2010 (وهو المتوسط وفقاً للمؤسسة)، فبحسب قوانين التأمينات يصبح راتبه 1490 ديناراً في عام 2019، لكن بحسب مُعدل التضخم المُقدر، يجب أن يكون راتبه 1855 ديناراً، كما هو مُبين في الشكل.

إن هذه الفجوة (365 ديناراً تقريباً) تُمثل 24.5% من المخصصات الشهرية التي يتقاضاها المُتقاعد من «التأمينات». أو بمعنى آخر، هي تُمثل هبوطاً في القيمة الحقيقية (الشرائية) للراتب الذي يتقاضاه ذاك المُتقاعد إلى 1125 ديناراً فقط. وللقارئ الكريم أن يتخيل الأثر الكبير لهذا الفارق على معيشة هذا المُتقاعد المسكين.

وإذا نظرنا إلى تجارب بعض الدول المتقدمة، فسنجد أن سويسرا وكندا تزيدان مخصصات متقاعديها في كل عام بمُعدل تكلفة تعديل المعيشة (cost-of-living adjustment)، مواكبةً للتضخم السنوي. وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، ففي عام 1973 أصدر «الكونغرس» قراراً بزيادة مخصصات المتقاعدين سنوياً لمواكبة التضخم، وبدأ العمل بهذا القرار في عام 1975. ومن اللافت أن إدارة التأمينات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية قررت مؤخراً زيادة المخصصات التقاعدية بنسبة تاريخية بلغت 5.9% مع بداية 2022، وحذت حذوها بريطانيا، فقررت أن تزيد مخصصات متقاعديها بنسبة 3.1% لنفس العام.

وبمُقارنة نظم التأمينات الاجتماعية في دول الخليج مع النظم الأخرى في العالم، نجدها فريدة من حيث عدم مواكبة مخصصات المتقاعد لمعدلات التضخم، ورُبما يُعتبر هذا مقبولاً في بعض الدول، مثل قطر والإمارات، لأوضاعها الاقتصادية القوية، ولتحقيقها تحسناً مُطرداً في ناتجها الوطني الإجمالي وتنويع اقتصادها، لكنه حتماً ليس كذلك بالنسبة للكويت مع الأوضاع المالية الصعبة وتواضع متوسط رواتب الموظفين، وأغلبيتهم يعملون في القطاع العام. لذلك، على الكويت أن تُفكر جيداً في حل هذه المشكلة. وهناك خيارات عديدة، نذكر منها زيادة معدلات المساهمة، أو رفع سن التقاعد وتقييد التقاعد المبكر. وقد لا يعد تقييد التقاعد المُبكر خياراً مُتاحاً إذا أخذنا في الحسبان التوقعات المستقبلية لارتفاع مُعدل البطالة، مع زيادة أعداد الداخلين إلى سوق العمل. وفي تقديرنا أن الحل المُستدام هو أنْ تنوع الكويت من دخلها وتُنمي نصيب الفرد من ناتجها المحلي الإجمالي.

ختاماً، هناك مسلّمتان أساسيتان يتعين مراعاتهما عند معالجة العجز الاكتواري لمؤسسة التأمينات: الأولى هي ضمان عيش كريم للمُتقاعدين، من خلال تعديل الزيادة السنوية على مخصصاتهم الشهرية لتعادل الزيادة في تكلفة المعيشة كما هو متبع عالمياً. والمسلمة الثانية والأهم، هي ضرورة طرح وتبني مبادرات وسياسات مبتكرة وجريئة تؤمّن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، استعداداً للعدد الضخم المتوقع دخوله إلى سوق العمل في السنوات القليلة القادمة.

د. طارق عبد المحسن الدويسان