صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4938

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

6/6 : عقلية الإسفنجة

  • 02-12-2021

تناول الدكتور محمد النغيمش أستاذ الإدارة والباحث والكاتب المتميز، في آخر إصداراته، موضوع "عقلية الإسفنجة"، بأسلوبه الرشيق وسريع النفاذ لفهم المتلقي بجميع الموضوعات التي يطرحها، وأستأذنه بإسقاطات مني في مقال اليوم، بعد إعجابي بالفكرة.

نبَّه كتاب "عقلية الإسفنجة" إلى وجوب تجنب الشخص لأن يكون "إمّعة" تسيّره آليات القطيع، فيردد ما يقوله الغير ترديداً أبلهَ، إما لغياب إدراك مضامين الأقوال، أو عدم استيعاب معانيها ومقاصدها، أو تقاعسه حتى عن محاولة فهمها، ويتبع ما يقول الآخرون ويردده دون وعي بما قد يحمله ذلك من مآلات سلبية.

"عقلية الإسفنجة" تلتهم أقوال بعض الخطباء المفوهين كالمضادات الحيوية، غير عابئة بمحتوى كبسولاتها، ودون السعي للتأكد من موضوعيتها أو سلامتها، وتمتص جميع أقوالهم دون نقاش أو تمحيص، وتغدو مسلوبة الإرادة بسطوة كاريزما الزعماء وإلهاماتهم!

هذه العقلية تتكاثر مع تفاقم الفساد الإداري والمالي والأخلاقي وتغوّله بالمجتمع، وقتامة النظرة للحاضر القائم والمستقبل القادم، فأصبح الكثيرون من فرط يأسهم يتلقون مواعظ زعماء المنابر كمسلّمات، ويرددونها هتافاً وصراخاً يعزى لشدّة الألم!

"عقلية الإسفنجة" تتغذى على العصبية الفئوية وتنزيه الزعامات، وتردّي وانتهاء صلاحية الأنظمة التعليمية والتربوية والاجتماعية، وضحالة التنشئة الفكرية التي تشد بدورها مجتمعاتنا إلى الوراء، حيث تتوارى العقلية المتسائلة والقادرة على الفرز والتفريق بين الغث والسمين، وبين الصواب والخطأ، وتغيب العقلية المتوافقة مع متطلبات العصر وتحديات المرحلة التي تشهد تدفقاً هائلاً بصنوف المعارف، وتزاحماً شديداً في المنافسة وإشراقات الموهوبين والعباقرة.

"عقلية الإسفنجة" تنمو بأجواء الإقصاء والخنوع، فالإقصائيون يحاولون بسلوكهم وحديثهم وإيماءاتهم نفي الرأي الآخر بعيداً عنهم، ذلك أنهم لا يتحملون سماع آراء مغايرة لآرائهم، ولا أن يسمع الآخر إلا ما يقولون، ولا يرى إلا ما يرون، سواء هم أو من يوظفهم ويرعاهم من ذوي السطوة والنفوذ للدفاع عن ذاته أو مصالحه ورؤاه، فتنشأ من حولهم "عقول إسفنجية" خانعة تهاب سطوة النفوذ والمال والإرهاب الفكري وتسبّح بحمد الإقصائي وإملاءاته!

إن دمار الأمم والدول تسبب به الدكتاتوريون الذين تطربهم هتافات ذوي "العقول الإسفنجية"، بيد أن الأمم والدول الناهضة والمزدهرة أقامها وعزّز بنيانها رعاة فضائل الحوار وعقلاء القوم.

عصرنا الحالي عصر الويب والأندرويد والآي كلاود والثورة المعلوماتية الهادرة، ولم تعد تصلح فيه مقولاتنا البالية ذات النكهة المخابراتية والنبرات التبعية، مثل "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، و"دعنا نتحدث عنك" و"ما عليك إلا الصمت وترديد ما نقول"، و"قدرك أن تكون مع الخيل يا شقرا".

هنا نخلص إلى أن "عقلية الإسفنجة" تتفشى بسبب البالي من موروثنا التربوي وأنظمتنا التعليمية المتخلفة وواقعنا السياسي الموتور والثقافي المتهالك، وسطوة الإرهاب الفكري والدكتاتورية الإقصائية، فيستتبع ذلك كلّه حتمية إعادة النظر، دون تردد، بتلك الأنظمة، لمعالجة "العقليات الإسفنجية".

وصدق المتنبي حين أنشد:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ

***

تغريدة:

التوسع بتوزير النواب والمحاصصة الفئوية دون التركيز على توزير الكفاءات، يعنيان "لا طبنا ولا غدا الشر".

●يوسف الجاسم