صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4865

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سطر الوداع

شاءت الأقدار أن أخطّ بيدي إعلان نعي وفاتك أخي وصديقي ورفيق دربي... وصلتُ إلى المستشفى الأميري، ولم يكن مضى على صعود روحك الطاهرة إلى بارئها الأعلى ساعة زمن، تداولنا والأهل والأصدقاء في أمر ترتيبات الإعلان وموعد الدفن، وشاءت الظروف أن أتولى صياغة النعي وإرساله إلى المعنيين بالنشر. لحظات صعبة ومريرة وقاسية على النفس والقلب أن تنقل للناس والمحبين نبأً كهذا.

كنت أكتب ويدور في خلدي ذكريات وأحداث مضى عليها أكثر من أربعين عاماً. أيام جميلة وسعيدة، فقد جمعتنا وإياك أمور كثيرة مشتركة، حب الأصدقاء والصداقات، وتقدير الآخرين واحترامهم، وحب الحياة، وإعلاء الفرح، وتجاوز ما يكدّر الخواطر.

تفوقت علينا جميعاً- نحن أصدقاءك - بقدرة فذّة واستثنائية يغبطك عليها الجميع في بناء صداقات جديدة وإحاطتها بكل عناصر المنعة وضمانات الاستمرارية، منزهة كل التنزيه عن المصلحة والمنفعة.

سنوات الدراسة الجامعية كانت ممتعة، ورحلات البر والجزر البحرية، وطرب الباصات وسفرات عطلة الربيع وما كان بهما من جلسات وأحاديث أخوية، كنا نجدك في الصباح الباكر منكبّاً على الدراسة مستمعاً للمحاضر، وظهراً في أروقة الكلية أو في المكتب الرياضي تتبادل الضحك والمرح والنكات مع الطلاب والأصدقاء، وعصراً نلعب معاً كرة القدم؛ إما في الكلية أو نادي الصيد أو النادي البحري القديم. يفاجئنا حضورك عندنا، نجدك تدعم وتصحح بدقّة نقاطاً فنية لفرقة الجامعة الموسيقية بذائقتك الفنية العالية وبموسوعيتك المشهودة بالموروث الشعبي الكويتي وفنونه المتنوعة.

تجاوزنا مرحلة ودخلنا في أخرى، نبيلة بأهدافها واعدة بتطلعاتها، قيل لنا في مستهل عملنا الرسمي أنتم في مدرسة صباح الأحمد الدبلوماسية، يجب أن تنجحوا، ولا مجال للفشل، فلتكن الأخلاق والمهنية وتقديس العمل وحب الكويت ديدنكم وهدفكم. استوعبنا ذلك وأخلصنا أيّما إخلاص لذلك، ثم تفرّقنا سنوات في سفارات وبلاد متباعدة، لكن التواصل كان حاضراً وتخفيف هموم وإرهاصات العمل كان دائماً، لا أنسى نصائحك بألّا نخسر مبادئنا؛ مبادئ الإخلاص في العمل، واحترام الطاقم المحلي بالسفارة.

وكان بإنسانيته العالية حريصاً جداً على هذا الأمر، ثم الأهم الحفاظ على سلامة الوضع المالي والإداري للبعثة الدبلوماسية، فبخلفيته المحاسبية في سنوات دراسته الجامعية وما زرعت فيه من فهم محاسبي دقيق، كان رحمه الله - وبحسب تعبير آبائنا الأوّلين - حنبليًا في الحفاظ على المال العام.


استهل مشواره المهني دبلوماسياً في طهران إبان فترة الغزو والاحتلال العراقي الغاشم، واحتضن وزملاؤه في السفارة الكويتيين النازحين وأحاطوهم بكل العناية والاهتمام، ومازال الأحياء منهم يتذكرون فصولها ويقدّرون عالياً حجم ما بذل من أجل راحتهم وكرامتهم، قادته محطاته التالية إلى واشنطن ثم بيروت، ثم عمل قنصلاً عاماً لدى ميلانو، وأخيراً سفيراً لدى مملكة إسبانيا، ثم عاد بعدها إلى البلاد ليشغل منصب مدير الإدارة الاقتصادية في وزارة الخارجية، في كل تلك المحطات برع - بحرفية نادرة - في نسج شبكة علاقات واسعة مع السلك الدبلوماسي ورموز الدولة المضيفة من رسميين وأهليين، ووظّف ذلك بذكاء كبير في سبيل إعلاء سمعة الكويت ورسالتها الإنسانية والحضارية، ولخدمة قضاياها ومصالحها العليا، ولا أدلّ على ذلك الجهد الدبلوماسي المشهود من قيام ملك إسبانيا، إخوان كارلوس، بمنحه وشاح الاستحقاق المدني، وهو أعلى وسام ملكي؛ تقديراً لجهوده ودوره المميز في خدمة وتعزيز العلاقات الكويتية - الإسبانية المشتركة.

بدأت رحلته، رحمه الله، مع المرض أو بالأحرى مع الأمراض مبكراً، فتداعيات مرض السكر الذي رافقه منذ الصغر أدى عام 1993 إلى أن يفقد إحدى عينيه، ثم تبعه بفترة بسيطة فشل كلوي اضطره لزراعة كلية بديلة تبرّعت بها شقيقته اعتدال، وما تبع ذلك من عناية طبية متواصلة ودقيقة وبرنامج علاجي ودوائي دائم.

واجه كل علله وأمراضه التي استمرت في التكالب عليه بشجاعة متناهية وصبر لا يملّ، وابتسامة وتفاؤل كبيرين، وكان له النصر والتفوق في أغلب مراحلها إلى أن شاءت إرادة الباري - عز وجلّ - أن يتوقف هذا القلب الكبير عن النبض نهائياً، فالحمد لله الذي لا رادّ لقضائه.

صفو الحياة جميل جداً ورخاء الأيام ممتع دوماً، ولا نتصور أثناءها أنه سيأتي زمان معاكس يحمل معه الحزن والألم والحسرة، أيام حميمية ودافئة ولّت إلى غير رجعة.

ودّعنا والأهل والأصدقاء الأوفياء عصر أمس أخي الغالي وحبيبي ورفيق دربي السفير عادل حمد العيار، رحمك الله رحمة واسعة وأقرّك منعّماً في فسيح جناته.

وصادق مشاعر العزاء إلى عموم عائلة العيار الكريمة، وإلى أصدقاء المرحوم ومحبيه، وإلى كل السفراء والزملاء في وزارة الخارجية. عظّم الله أجركم جميعاً وأحسن عزاءكم.