صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4864

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فاروق الفيشاوي... «برنس السينما المصرية» (3- 10)

«الدونجوان» يصطدم بالرقابة في «درب الهوى»

تخطى فاروق الفيشاوي مرحلة البدايات الصعبة، وحلَّق في فضاء النجومية، ولاحقت الأضواء حياته الصاخبة، وتفاصيل زيجاته المتعددة، بينما واصل تألقه في تجسيد الأدوار المركبة، وتعاون مع كبار المخرجين والنجوم، وحقق حضوراً متميزاً كممثلٍ يجيد انتقاء أعماله، وحصد أرقاماً قياسية في بطولات عدد من الأفلام والمسلسلات التي شارك فيها خلال فترة الثمانينيات، وصار من أكثر الفنانين ظهوراً على شاشة السينما والتلفزيون، وتوالت الرحلة. كان الفيشاوي على موعد صدام مع الرقابة عام 1983، عندما شارك في بطولة فيلم «درب الهوى» قصة الأديب إسماعيل ولي الدين، وإخراج حسام الدين مصطفى، وفي هذا الفيلم جسّد شخصية الشاب المنحرف «مراد» أمام كوكبة من النجوم، منهم يسرا وأحمد زكي ومحمود عبدالعزيز وشويكار وحسن عابدين، وتوقف عرض الفيلم في دور السينما بعد أيام قليلة، وأثار ضجة حول مضمونه الجريء، وأحداثه التي تدور في فترة الأربعينيات من القرن الماضي.

في عام 1983 منعت الرقابة عرض فيلم «خمسة باب» للمخرج نادر جلال وبطولة عادل إمام ونادية الجندي وفؤاد المهندس، وتشابهت أحداثه مع «درب الهوى»، وأثار الشريطان السينمائيان أزمة كبيرة داخل البرلمان المصري في ذلك الوقت، وصدر قرار وزاري بسحب ترخيص عرضهما في دور العرض المصرية، وحظر الفيلمين من التداول على أشرطة الفيديو في مصر والكويت وعدة دول عربية أخرى.

وأثار قرار الحظر ضجة كبيرة بين مؤيد ومعارض، وبات الفيشاوي وزملاؤه في مرمى الاتهامات، وطاولتهم بعض الأقلام بانتقادات حادة ولاذعة، لمشاركتهم في هذا العمل، وقام المخرج حسام الدين مصطفى بتحريك دعوى قضائية ضد رفع الفيلم من دور العرض، وصدر الحكم بالإفراج عن «درب الهوى» في 26 يناير 1991، أي بعد 8 أعوام من منعه، وبالتالي أفرج عن الفيلم الآخر «خمسة باب»، ورغم جاذبية المنع التي تثير الفضول، والضجة التي صاحبتها، لم يصمد العملان كثيرا في دور السينما، مما جعل مخرج «درب الهوى» يتوقف عن تجربة الإنتاج السينمائي.

وطوى الفيشاوي تجربة «درب الهوي»، وفي عام 1984 شارك في المسلسل ذي الطابع الاجتماعي «عصفور في القفص»، تأليف كوثر هيكل وإخراج محمد شاكر، ولعب فيه دور الشاب «يُسري» أمام النجوم سناء جميل وأبوبكر عزت ودلال عبدالعزيز، ودارت أحداث العمل حول اختلاف وجهات النظر بين الزوجين «مدحت وسميحة» في بداية حياتهما الزوجية، إذ يكتشفان أن كلا منهما له مفهوم مغاير، فمدحت يرى أن المال والانطلاق سر السعادة، والزوجة تجد أنها في الاستقرار والحب، وتتأزم العلاقة بين الطرفين، ويتزوج مدحت من سيدة ثرية تكبره في السن، ويكتشف أنه دخل إلى قفص قيَّد حريته.

بداية ونهاية

وانتقل الفيشاوي من كواليس «ماسبيرو» إلى موقع تصوير فيلم «الطاغية»، وشارك في بطولته مع النجوم عزت العلايلي وليلى علوي وحسين الشربيني وصلاح نظمي وإبراهيم عبدالرازق وعبدالسلام محمد، وفي هذا الفيلم جسد شخصية الطبيب الشاب «سامي» حديث التخرج، الذي قرّر أن يعود إلى قريته، ويفتتح عيادة طبية، وهناك يتعرف إلى «جميلة» ابنة الثري محمود الرشيدي، ويتقدم لخطبتها، وفي ليلة الزفاف يكتشف حقائق صادمة عن صهره، وأنه تاجر مخدرات وتسبب في الماضي في مقتل والده، وتتتابع الأحداث المثيرة جدا.

وعاد «الدنجوان» الفيشاوي للظهور على خشبة المسرح، وشارك في بطولة مسرحية «بداية ونهاية» مع كوكبة من النجوم، منهم فريد شوقي ومحمود ياسين وحسين فهمي وكريمة مختار ومحسن سرحان وشهيرة وأبوبكر عزت، وممدوح عبدالعليم وإبراهيم خان ونجوى فؤاد، وقام بإخراج هذا العمل عبدالغفار عودة عن قصة أديب «نوبل» الكبير نجيب محفوظ، وأعدها للمسرح الكاتب أنور فتح الله، وحققت نجاحا كبيرا عام 1985.

وكانت تلك التجربة المسرحية مغامرة للفيشاوي وبقية النجوم، لاسيما أن المشاهد ارتبط وجدانيا بمعالجات درامية سابقة لقصة نجيب محفوظ، ومنها الفيلم الذي أخرجه صلاح أبوسيف عام 1960، ولعب بطولته فريد شوقي وعمر الشريف وسناء جميل وأمينة رزق وصلاح منصور وكمال حسين، وأيضا جرى تقديم الرواية على خشبة المسرح في الستينيات من القرن الماضي، واستطاع المخرج عبدالغفار عودة أن يقدم رؤية مغايرة لكل التجارب السابقة، وفي سياق يتأرجح بين التراجيديا والكوميديا، أو ما يُسمى «الكوميديا السوداء».

ومن المفارقات أن يلعب الفيشاوي دور الشاب الذي يحتال على «نفيسة» الشخصية المحورية في رواية محفوظ ويدخل في مقارنة مع الممثل الكبير صلاح منصور صاحب الدور في النسخة السينمائية، لكن الفنان المغامر قَبِل التحدي، وجسّد الشخصية بذاكرة انفعالية نابعة من فهمه وإدراكه لأعماقها، دون أن تطاله أصداء من طريقة أداء النجم صلاح منصور.

وفي العام ذاته اعتلى الفيشاوي خشبة المسرح مع «البرنسيسة» ليلى علوي، وشاركهما البطولة الفنانون محمود الجندي ومحمد متولي وسيد عزمي، وقام بإخراج المسرحية السيد راضي عن نص من تأليف الكاتب بهيج إسماعيل، ودارت أحداث العمل في إطار كوميدي حول الفتاة «سماح» التي ترفض الزواج، وتقرر الابتعاد عن العالم لتقوم برحلة في البحر، فتقع في حب قبطان السفينة الرافض أيضا للزواج، وتتغير رؤيتهما للأمر، ويقرران دخول القفص الذهبي.

ولم يكتف الفيشاوي ببطولة «البرنسيسة» بل قدم في العام نفسه مسرحية «السيدة حرمه»، من نوعية المسرحيات التي تعرض ليوم واحد أمام عدد محدود من الجمهور، وتعرض من خلال الشاشة الصغيرة، وقام بالإخراج المسرحي الفنان نبيل الهجرسي عن نص للكاتب مدحت يوسف، وأخرجها للتلفزيون يحيى العلمي، وشارك في بطولتها النجمة إسعاد يونس، إلى جانب شريفة ماهر وحسن حسين.

والمفارقة في «السيدة حرمه» أنها سُجِلَت للعرض التلفزيوني مرتين ببطلين مختلفين، هما النجمان فاروق الفيشاوي ويوسف شعبان، وجسدا شخصية «المفاتيحي» الرجل الذي توفيت زوجته، وذات يوم يشاهد امرأة ريفية تشبهها إلى حد كبير، فيلحق بها إلى بيتها، ويتفق معها أن تأتي إلى بيته لمدة محددة، لتلعب دور زوجته أمام ابنته التي لا تعلم أن أمها رحلت، وبالفعل توافق المرأة على ذلك مقابل مبلغ من المال، وتتوالى الأحداث.

أحلام غامضة

واتجه قطار الفن بالفيشاوي إلى اكتشاف فضاءات جديدة، ومعرفة خفايا وأسرار صناعة السينما، وقرر أن يخوض تجربة الإنتاج، فخلال مسيرته الفنية قدم عددا كبيرا من الأفلام السينمائية المميزة، التي ظلت عالقة بأذهان الجمهور المصري والعربي، لكنه لم يرد أن يكون ممثلاً فقط، وقاده الطموح إلى إنتاج فيلمي «استغاثة من العالم الآخر» و«مشوار عمر» اللذين يعتبران من التجارب المهمة والمميزة في السينما المصرية.

وتزامن دخول «الدنجوان» فاروق الفيشاوي إلى مجال الإنتاج مع انتشار «أفلام المقاولات» التي افتقرت في معظمها إلى شروط الفن الجيد، ففي عام 1985 كانت أولى تجاربه الإنتاجية من خلال «استغاثة من العالم الآخر»، تأليف أحمد عبدالرحمن وإخراج محمد حسيب، وشارك في بطولته أمام بوسي ومعالي زايد وهالة صدقي وصبري عبدالمنعم وشوقي شامخ.


ويعتبر هذا الفيلم تجربة سينمائية مختلفة، وتدور أحداثه في أجواء غرائبية عن سيدة تُدعى «تهاني» تتمتع بقدرة على الاتصال بأشخاص من العالم الآخر، ويراودها في الحلم طبيب نفسي يدعى «عدلي»، الذي يخبرها بوجود مفتاح آخر لخزانة في منزله، وعليها أن تبحث عنه وتكرر الكابوس المزعج نفسه، وأبلغت تهاني خطيبها المحامي صفوت (فاروق الفيشاوي) أنها متأكدة من مصرع الطبيب، وأنه يحاول أن يوصل إليها رسالة معينة، وتستمر الأحداث في حالة من الغموض والإثارة والتشويق.

حادث سير

وفي العام التالي أنتج الفيشاوي «مشوار عمر»، الذي يعد واحدا من الأفلام السينمائية المهمة والمختلفة، وقام ببطولته أمام مديحة كامل وممدوح عبدالعليم وزهرة العلا ومحمد رضا وأحمد عبدالوارث، بينما تولى إخراج الفيلم محمد خان، وشارك في كتابته مع السيناريست رؤوف توفيق.

ويسرد الفيلم حكاية «عمر» الشاب الثري المستهتر، الذي يعيش معتمدا على أموال والده الجواهرجي، ويكلفه الأب بتوصيل حقيبة مجوهرات إلى أحد عملائه في مدينة طنطا بمحافظة الغربية (شمال غربي القاهرة)، إلا أن سيارته الفارهة تتعطل في الطريق، ويتعرض للسرقة من سائق سيارة لوري وتابعه، وحينها ينقذه عامل في محطة وقود بإحدى القرى، ويصطحبه معه في رحلته أملا في الحصول على وظيفة بالعاصمة، ويصبحان صديقين ويتقابلان مع فتاة تدعى «نجاح» وتستمر الأحداث.

وعن كواليس مشاركة المخرج محمد خان فيلمه الأول مع الفيشاوي، فقد رواها الأول في كتابه «مخرج على الطريق»، حيث كشف أن طموحات فيلم «مشوار عمر» لم تكن على الورق فقط، بل كانت في التنفيذ ذاته، فهو «فيلم طريق» كما تسمى هذه النوعية من الأفلام، حيث تدور معظم أحداثه على الطريق.

وجاءت فكرة «مشوار عمر» عقب تعرض محمد خان لحادث سير، وبعد فترة اتصل الفيشاوي بالمخرج مقترحا عليه ذلك العمل، وانطلق سريعا في تحضيره، وحدد مواقع تصوير الفيلم على الطريق بداية من القاهرة لينتهي على ضفاف البحر الأحمر، وأيقن جميع العاملين في الفيلم أنهم أمام تجربة غير عادية، وأنه فيلم طريق بمعنى الكلمة، وينطوي على مضمون اجتماعي شديد الثراء والعمق، ويتفاعل مع معطيات حقبة الثمانينيات من القرن الماضي.

وخلال تصوير الفيلم ارتدى الفيشاوي قناع الممثل والمنتج في آن واحد، ووصفه المخرج الراحل محمد خان بـ»المنتج الخجول»، لاسيما أن مشكلات أفلام الطرق لا تخلو من المفاجآت والعقبات، والاعتماد الرئيس على سيارة من الممكن أن تصاب بوعكات كل فترة، وهذا ما كان يحدث بالفعل، ولكن فاروق كان دائما هادئا يتقبل مثل هذه الأمور بابتسامة تلقائية تخفي قلقه كمنتج.

«الملك لير» آخر ظهور مسرحي للفيشاوي

ارتبط الفنان فاروق الفيشاوي بالمسرح منذ بداية مشواره الفني، ورغم نجوميته في السينما والدراما التلفزيونية، حقق حضورا متميزا على خشبة المسرح على مدى أربعة عقود، وقدم الكثير من الأعمال المهمة للقطاعين العام والخاص، منها «الأيدي الناعمة»، و«الناس اللي في الثالث» و«مسيلمة الكذاب» و«اعقل يا دكتور»، و«ولاد ريا وسكينة»، و«بداية ونهاية»، و«البرنسيسة»، و«شباب امرأة» وغيرها.

ويعد الفنان يحيى الفخراني آخر من زامل النجم الراحل فاروق الفيشاوي في المسرح، حيث شاركه في بطولة مسرحية «الملك لير»، الذي انضم فاروق إلى بروفاتها في فبراير 2019، وكان حينها في صراع شرس مع المرض اللعين، وأصر على أن يقاومه بالإبداع.

وتدور أحداث المسرحية حول «الملك لير»، الذي قرر أن يوزع أملاكه على بناته الثلاث، ولأن ابنته الصغرى لم تشأ أن تنافقه فقد حرمها من نِعمِه، وأثناء توزيعه الأملاك اشترط أن يقيم مع كل واحدة من بناته فترة معينة، غير أن ابنتيه الكبيرتين تقرران الاستيلاء على كل شيء، وتطردان والدهما الذي لم يجد الملاذ سوى لدى ابنته الصغرى.

يشار إلى أن رائعة شكسبير «الملك لير» ترجمتها إلى العربية د. فاطمة موسى، وقام ببطولتها في هذا العمل المسرحي يحيى الفخراني وأحمد فؤاد سليم ونضال الشافعي وأحمد عزمي وريهام عبدالغفور ورانيا فريد شوقي وهبة مجدي وعباس أبوالحسن، وإخراج تامر كرم، وإنتاج المخرج مجدي الهواري.

ولعب الفنان فاروق الفيشاوي دور «جولستر»، وتألق في العديد من عروض المسرحية، لكنه في فبراير 2019، وبسبب ظروفه الصحية، اعتذر عن عدم السفر لعرض المسرحية في السعودية، وقام ممثل آخر بدوره، وبعد شهور قليلة رحل طائر الفن المغرد في 25 يوليو من العام ذاته.

أحمد الجمَّال

بطلة رواية نجيب محفوظ حائرة بين أداء الفيشاوي وصلاح منصور

«المنتج الخجول» يلتقي المخرج محمد خان في «مشوار عمر»

«استغاثة من العالم الآخر» يتصدى لظاهرة أفلام المقاولات

«عصفور في القفص» يتحرر من قيوده في كواليس «ماسبيرو»