صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4668

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ماذا تخبئ دفاتر إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن للشرق الأوسط؟

  • 22-01-2021

بترقب وحذر، تنتظر منطقة الشرق الأوسط ومختلف الأطراف الفاعلة في قضاياها بدء ولاية الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، وكيف ستكون سياسات أركان إداراته بالسياسة الخارجية، لاسيما أن خبرات معظمهم منخرطة بعمق في الإقليم وبؤر صراعاته.

ومع تركيز بايدن، في أغلب تصريحاته وما نقل عنه، على قضايا مثل الملف الإيراني الشائك، فضلاً عن أزمات ليبيا، والعراق، وسورية، واليمن، وعلاقاته بالحلفاء التقليديين لواشنطن، وأنقرة، والقضية الفلسطينية، تتبدى احتمالات أن تكون المنطقة على موعد مع متغيرات جوهرية، لاسيما عقب إعلان بايدن، وفق ما كتبه في مقالته بمجلة «فورين أفيرز» الأميركية، أنه يتعين عليه كرئيس «أن يخاطب العالم كما هو، وسيكون التركيز في التفاصيل مهمة هائلة، بحيث أُصبح ملزماً بإنقاذ سمعتنا، وإعادة بناء الثقة في قيادتنا، وتعبئة دولتنا وحلفائنا لمواجهة التحديات الجديدة».

وفيما يتعلق بإيران، يجدد الرئيس الجديد أولوية الدبلوماسية والتحاور للوصول إلى اتفاق مع طهران، من دون تجاهل سلوكها المزعزع للاستقرار، فضلاً عن إبداء صرامة أكبر فيما يتعلق بملفات حقوق الإنسان والحريات، واحتمال إعادة تموضع في القضية الفلسطينية ومسار السلام مع الإسرائيليين، الذي شهد انقلاباً غير معهود في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب.

فأية تحديات تمثلها منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للإدارة الجديدة؟ وماذا يحمل عناصرها في جعبتهم؟ ومن أية غرفة بالبيت الأبيض ستُرسم أو ستعاد صياغة تفاعلات قضايا الإقليم مع عودة الديمقراطيين لصدارة المشهد السياسي الأميركي مجدداً أربع سنوات مقبلة؟

يحاول هذا التقرير، الذي نشرته «اندبندنت عربية» الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال تتبع التصريحات المعلنة والمكتوبة والمذاعة طوال الأشهر والسنوات الأخيرة لأعضاء فريق بايدن، والتعمق في آرائهم ومواقفهم السابقة وخلفياتهم الأيديولوجية، لاسيما مَن ترتبط طبيعة وظائفهم ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الخارجية والدائرة المقربة من الرئيس الجديد، في محاولة لاستشراف مستقبل قضايا الإقليم المرهونة بطبيعة النظام العالمي الذي تتربع على رأسه الولايات المتحدة.

كامالا هاريس وأزمات المنطقة

على الرغم من أن الدستور الأميركي يحصر أدوار نائب الرئيس، ثاني أرفع منصب حكومي، بشكل رئيس في دورين هما أن يكون رئيساً لمجلس الشيوخ «لا يصوّت إلا عند حدوث تعادل فى الأصوات لترجيح إحدى الكفتين»، وأن يكون الأول في تسلسل الخلافة الرئاسية في حال عزل الرئيس من منصبه أو استقالته أو وفاته، فإن سلطاته وواجباته تتحول إلى نائبه، وفق ما تنص عليه المادة الثانية من الدستور، لكن كونهم قريبون جداً من صميم العمل، فيمكن لنواب الرؤساء تشكيل أدوار جوهرية لأنفسهم.

ومع دخول بايدن «78 عاماً» البيت الأبيض، كأحد أكبر رؤساء البلاد سناً، يرجح مراقبون أن تؤدي نائبته كامالا هاريس دوراً نشيطاً في الحكومة، بينها التعامل مع ملفات محددة في السياسية الخارجية.

وبتقصي مواقف هاريس، خلال سنواتها الماضية سواء عندما كانت مدعية عامة أو عضو كونغرس، فإنه وبحسب ما نقلت شبكة «سي.إن.إن» الأميركية، لا تختلف رؤية أول امرأة تتبوأ منصب نائب الرئيس في البلاد، بشكل جوهري عن مجمل رؤية بايدن وأعضاء حكومته في ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط.

فهاريس تدعم الاتفاق النووي مع طهران، ووبخت ترامب عام 2018 لانسحابه منه. وقالت حينها، إن الخطوة «قرار يهدد أمننا القومي ويعزلنا عن أقرب حلفائنا».

وفي أوائل عام 2020، بعد الغارة الأميركية التي قتلت قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، شاركت هاريس في رعاية تشريع يهدف إلى منع استخدام أموال وزارة الدفاع «البنتاغون» في عمل عسكري ضد إيران. وقالت حينها، «لا شك أن سليماني كان عدواً للولايات المتحدة، لكن تصرفات ترامب زادت تأجيج التوترات وزعزعت استقرار المنطقة».

فيما يتعلق بفلسطين وإسرائيل، تعتبر هاريس أحد أبرز المؤيدين لإسرائيل، فبعد شهور من أدائها اليمين الدستورية في مجلس الشيوخ عام 2017، قالت في كلمة لها أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية «أيباك»، «ينبغي ألا تكون إسرائيل قضية حزبية على الإطلاق. ومادمت عضوة بمجلس الشيوخ فسأفعل كل ما في سلطتي لضمان الدعم الواسع والحزبي لأمن إسرائيل وحقها في الدفاع عن النفس».

وفي بدايات 2019، كانت هاريس واحدة من 23 ديمقراطياً صوتوا ضد مشروع قانون شجع الولايات الأميركية على تقييد الحق في مقاطعة إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته تعارض خطط الحكومة الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية، واصفة الخطوة بأنها عمل «أحادي» يضر بإسرائيل».

وعن الخليج العربي، انتقدت هاريس في أكثر من مناسبة علاقة ترامب بالرياض، وفي عام 2019 صوتت لمصلحة قرارات لإنهاء الحرب في اليمن».

بلينكن يقود «الخارجية»

يعد بلينكن، الذي درس بجامعة هارفارد وتخصص في القانون بجامعة كولومبيا، أحد أبرز الوجوه النافذة في الإدارة الجديدة لقربه الشديد من بايدن، وعقود عمله الثلاثة في وزارة الخارجية حتى شغل منصب نائب وزير خارجية بلاده خلال ولاية أوباما، وتُنسب له أدوار كبيرة في عدد من الملفات بين عامي 2015 إلى 2017، مثل محاربة تنظيم داعش وإعادة التوازن إلى آسيا ومهماته تجاه أزمة اللاجئين العالمية.

وتقول صحيفة «نيويورك تايمز»، إن بلينكن يقدم المشورة لبايدن في ما يتعلق بالسياسة الخارجية منذ عام 2002، وساعد في صياغة الاستجابة الأميركية عقب الربيع العربي عام 2011، ويعد أحد داعمي الرئيس بايدن في السعي للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، مع منع طهران من زعزعة أمن واستقرار المنطقة.

وبحسب ما نقل عنه موقع «جيويش إنسايدر»، فإنه إذا تمت العودة للاتفاق النووي وتعليق العقوبات الأميركية المفروضة على إيران بهذا الخصوص، فستواصل بلاده العقوبات غير النووية كنوع من التحوط القوي ضد السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في مناطق الشرق الأوسط والعالم.

وكمعظم أعضاء الإدارة الأميركية الجديدة، يتشارك بلينكن الدعم المطلق لإسرائيل، لكن ليس على حساب حل الدولتين، معتبراً أن أي قرار يتخذه بايدن تجاه إسرائيل لن تكون له علاقة بالمعونة العسكرية التي وصفها بأنها «غير مشروطة».

وإجمالاً وصفت رؤى وتوجهات بلينكن تجاه قضايا الشرق الأوسط بالمعتدلة أو التقليدية، لكنه في الوقت ذاته من أتباع انتهاج سياسة أكثر صرامة مع توجهات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بسبب خططه التوسعية في شرق المتوسط ومناطق أخرى مجاورة لتركيا.

ووفق ما ذكرت «واشنطن بوست»، تجمع عقلية بلينكن بين الدبلوماسية واحتمالات التدخل العسكري، إذ أيد مثلاً العمل العسكري في ليبيا، ودعا خلال إدارة أوباما إلى عمل أميركي عسكري في سورية وانتقد مسعى ترامب لسحب كل القوات الأميركية من هناك.

وعليه أبدى بلينكن رغبته في عودة بلاده للشرق الأوسط، وأهمية بقاء قواتها بعدد من مناطق النزاع الحالية هناك، كما يعتقد أن التخلي عن الأكراد أحد نقاط الضعف الكبرى في سياسة إدارة ترامب نحو سورية.

ويؤمن بلينكن، وفق التقارير الأميركية، بأن انسحاب بلاده سيؤدي لفراغ تملؤه دول منافسة، ويقود لنتائج عكسية من خلال ارتفاع الأعمال الاستفزازية على حلفاء واشنطن.

تحديات تواجهها رؤية الرئيس

وفق تقرير مطول لصحيفة «ذي هيل» الأميركية، هناك عدد من التحديات التي ستواجه إدارة بايدن في المنطقة، على رأسها إيران، والقضية الفلسطينية، وإسرائيل، إذ لن يكون الطريق معبداً للتعاطي مع تلك الملفات.

ففي قضية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تقول «ذي هيل»، إن بايدن يتولى منصبه في وقت يكون فيه الإسرائيليون والفلسطينيون أكثر تباعداً في التفاوض على حل الدولتين، في وقت تتحد دول الخليج مع إسرائيل لمعارضة جهود الانفتاح المرتقب على إيران.

ومن غير الواضح ما الدور الذي ستلعبه عملية السلام بالشرق الأوسط في إدارة بايدن، والتي ستجد نفسها أيضاً في صراع مع جائحة كورونا واقتصاد ضعيف في البلاد، والتحديات في إعادة بناء العلاقات الأميركية مع الحلفاء في الخارج ومواجهة الصين. وفي شهادته أمام الكونعرس لتثبيت تعيينه قال بلينكن، ‘نه لا يتوقع أن تشهد عملية السلام تقدماً سريعاً.

في المقابل، يرجح خبراء أن تكون إيران القضية الأكبر. ونقلت «ذي هيل» عن المحلل في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، آرون ديفيد ميلل، قوله: «إيران القضية الوحيدة في هذه المنطقة بأكملها التي يمكن أن تخلق نوعاً من التوترات والتصعيد الذي يؤدي إلى مواجهة عسكرية، ليس فقط بين إسرائيل وإيران، لكن أيضاً بين الولايات المتحدة وايران».

كذلك، وبحسب ما نشره موقع «نيو إيدج»، هناك تحديات داخلية تصطدم بطروحات بايدن، فمثلاً في ما يتعلق بعودة واشنطن للاتفاق النووي الإيراني، لا يزال الجمهوريون يعارضون هذه الخطوة، في وقت لا تلق إجماعاً واسعاً بين الديمقراطيين. ولا تؤكد المؤشرات حتى الوقت الراهن ما إذا كان بايدن سيوقف حملة الضغط القصوى.

سوليفان... مستشار الأمن القومي

كأقرانه في الإدارة الجديدة، فإن جيك سوليفان الذي عمل من قبل مستشاراً للأمن القومي لبايدن حين كان نائباً للرئيس، تتقاطع توجهاته ورؤاه مع الخطوط العريضة التي تحكم أفكار كبار أعضاء البيت الأبيض المعنين بالسياسة الخارجية.

ففيما يتعلق بالملف الإيراني، الذي كان أدى دوراً فيه عبر المفاوضات السرية بين واشنطن وطهران التي قادت للاتفاق النووي في 2015، يؤمن مستشار الأمن القومي الجديد بضرورة العودة للاتفاق النووي، إلى جانب رفع العقوبات بشرط امتثال طهران لشروط الاتفاق. لكنه أوضح في أكثر من مناسبة أنه يجب التفاوض على برنامج إيران الصاروخي، وذلك في سياق رغبة الإدارة الجديدة إعادة طهران «إلى الصندوق»، وإجبارها على الامتثال لشروط الاتفاق الأصلي.

وعلى اعتبار أن ملف الحقوق والحريات سيمثل مكانة متقدمة في فكر الإدارة الجديدة، وفق ما يرى البعض، تقول «واشنطن بوست»، إن سوليفان يدعم انتهاج موقف أميركي أكثر صرامة تجاه «انتهاكات حقوق الإنسان» في الشرق الأوسط، إيماناً بأن مثل تلك المواقف تعكس جانباً من سياسة عريضة تعيد القيم والديمقراطية إلى صلب السياسة الخارجية الأميركية.


وبحسب ما كتبه جيك سوليفان بالتعاون مع دانيال بينيم «مستشار سابق في البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط»، في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية في مايو الماضي، فإن استراتيجية إدارة بايدن ستكون «أقل طموحاً من الخط التقليدي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأكثر طموحاً في آن معاً. فأقل طموحاً من حيث الأهداف العسكرية التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها وفي مساعيها إلى إعادة تشكيل الدول من الداخل، وأكثر طموحاً من حيث استخدام النفوذ والدبلوماسية للضغط من أجل تخفيف حدة التوترات، والتوصل في نهاية المطاف إلى فرض تسوية مؤقتة جديدة بين الجهات الإقليمية الفاعلة الرئيسة».

كما يرى سوليفان، في مقالته المعنونة بـ «فرصة أميركية في الشرق الأوسط»، إن «أيام إرسال نحو 180 ألف جندي للقتال في العراق ولّت، وعلى الولايات المتحدة إعادة تركيز أولوياتها على التحديات الحالية والمستقبلية الأكثر إلحاحاً»، موضحاً في الوقت ذاته أن تقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط يتطلب تحقيق توازن صعب، وهو تقليل البصمة العسكرية الأميركية التي عفا عليها الزمن من دون خلق حال جديدة من انعدام الأمن، مع الحفاظ على الردع والتأثير عند الحاجة للحفاظ على المصالح الأميركية الرئيسة المتبقية.

ويرى سوليفان أن التخلي عن مسار تصادمي في شأن الملف النووي أمر ملحّ، لكن ليس العمل الدبلوماسي الوحيد الذي يجب على الولايات المتحدة القيام به، وأنه في حال توافر الظروف مع التشجيع الخارجي، فقد يكون هناك مجال لإجراء محادثات أكبر حول اليمن وسورية ودول الخليج والأمن البحري، عبر استخدام الدبلوماسية لتحقيق نتائج أكثر استدامة.

وليام بيرنز مدير CIA

جاء تعيين وليام بيرنز، الدبلوماسي المخضرم الذي شغل مراكز عدة حول العالم، لتولي إدارة وكالة الاستخبارات المركزية «CIA « ليكون بمنزلة الأول من نوعه على رأس الوكالة ذات الأهمية الاستراتيجية.

وبيرنز كغيره من القريبين من بايدن، عمل طوال عمره في السياسة، فقد تولى منصب نائب وزير الخارجية في فترة أوباما، وكان سفيراً لدى روسيا والأردن، ومساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى.

تولى هذا الدبلوماسي المخضرم، منصب رئيس مركز «كارنيغي» للأبحاث، ورئيساً لفريق المفاوضيين الأميركيين في المحادثات السرية التي مهدت الطريق للاتفاق مع طهران عام 2015. كما شارك في مؤتمر مدريد للسلام، وله عدد من المؤلفات التي تناولت قضايا ودول المنطقة.

ففي 1985، أصدر كتاباً بعنوان «المساعدات الاقتصادية والسياسات الأميركية تجاه مصر من عام 1955 حتى 1981»، قيّم فيه مدى نجاح سياسة المساعدات الاقتصادية بوصفها أداة للسياسة الخارجية الأميركية في مصر بعد حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، محاولاً إظهار أهمية استخدام برامج المساعدات الاقتصادية لدفع مصر نحو دعم المصالح الأميركية فى الشرق الأوسط على مدار ربع قرن، خلال فترة ما بعد اتفاق الأسلحة المصري- التشيكي عام 1955.

وطوال سنوات عمله في الخارجية، كان بيرنز، التي كانت مصر بوابته الأولى للشرق الأوسط عندما زارها شاباً في سنة 1974، وهو بعمر

الـ 18 عاماً، قريباً من ملفات المنطقة. ففي عام 2001، بعد نحو ثلاث سنوات من عمله سفيراً لبلاده في الأردن، انخرط بيرنز في المفاوضات مع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي للوصول إلى تسوية في قضية لوكربي عام 1998، وحاول إقناع القذافي بتعويض أهالي الضحايا، ثم شارك أيضاً في المفاوضات لتفكيك البرنامج النووي الليبي.

وبعدها بعام اشتهر بكتابته مذكرة «العاصفة المثالية» التي حذّر فيها من خطورة وتبعات التدخل الأميركي في العراق بعد هجمات 11 سبتمبر.

ومع موجة «ثورات» الربيع العربي، اعتبر بيرنز خلال مشاركته في حوار المنامة في 2012، أن الربيع العربي بمثابة «فرصة» ومن لحظات «الإمكانات المفتوحة»، معتبراً أن الأحداث التي شهدها عدد من بلدان المنطقة فرضت أربعة عوامل متداخلة تؤثر في القرار الأميركي، الأول العنصر الأمني، ومعه السلوك الإيراني المتهور بالمنطقة، خصوصاً في سورية، وسياسة واشنطن تجاه برنامج إيران النووي، ومشكلة انتشار الجماعات الإرهابية، والعامل الثاني، هو الدعم الأميركي لمزيد من الإصلاح الديمقراطي والانفتاح السياسي، وثالثاً للعامل الاقتصادي الذي لا يمكن لأيّ انتقال سياسي ديمقراطي النجاح من دونه، ورابعاً حشد الجهود لحل النزاعات الإقليمية، في إشارة للصراع العربي- الإسرائيلي.

وبحسب رؤية بيرنز، لا يزال الشرق الأوسط يعيش انهيارات وفشلاً وراء فشل بسبب الحروب الأهلية في اليمن وليبيا وسورية، وتراجع حل الدولتين. وفي مقالته المعنونة بـ «وداعاً للتفكير السحري بالشرق الأوسط»، المنشور على موقع «كارنيغي» في 2019، كتب بيرنز أن واشنطن أخفقت كثيراً في فهم وقراءة الشرق الأوسط، وأنّ طموحات أميركا تجاوزت دائماً قدراتها، وأن على بلاده تقليل التوقعات تجاه التغيرات والتحولات في الشرق الأوسط.

ويرى بيرنز أهمية تخلي الولايات المتحدة عن سياساتها التي تُخرج أسوأ ما عند حلفائها، والابتعاد عن أي مواجهات مصيرية تجاه خصومها مثل ما حدث بعد هجمات سبتمبر، كما أن عليها عدم الانجرار وراء الانحياز العاطفي الذي وقع فيه أوباما بداية سنوات الربيع العربي، وما ترتب عليه في الحرب الأهلية السورية.

وانتقد بيرنز سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط، خصوصاً في سورية واتهمه بإعطاء ضوء أخضر لأنقرة بالتدخل العسكري شمالي سورية، وعدم كبح تقوية نظام الأسد من روسيا وإيران، ووصف «صفقة القرن» للسلام في المنطقة بأنها تقوض حل الدولتين، وزادت قوة اليمين الإسرائيلي.

ويعتقد بيرنز أن الشرق الأوسط اليوم «أقل أهمية» بالنسبة لواشنطن مقارنة بأهميته قبل 30 عاماً. ويشير لوجود أخطار جيوسياسية تهم واشنطن في أماكن أخرى، يجب تخصيص موارد ومصادر أكثر لها. واقترح ركائز استراتيجية بالنسبة لبلاده في الشرق الأوسط، تمثلت في ضمان حرية الملاحة والوصول للنفط في الخليج العربي، وضمان حماية الحلفاء التقليديين، مثل إسرائيل أو الدول العربية من أي أخطار خارجية تهدد أمنهم، وتكثيف التعاون مع الآخرين لمكافحة ظهور الجماعات الإرهابية وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وكلاهما يهدد أمن أميركا الداخلي.

ولفهم أعمق لعقلية بيرنز، تأتي أحدث مذكراته المعنونة بـ «القناة الخلفية: مذكرات الدبلوماسية الأميركية وحالة تجديدها»، الصادرة عام 2019، والتي أوضح فيها أنه وبعد أن شاهد أحداث 11 سبتمبر 2001، كتب مذكرة إلى وزير الخارجية آنذاك كولن باول في أربع صفحات، تضمنت كيفية الاستفادة من الدعم العالمي غير المسبوق تقريباً، واستعادة زمام المبادرة في الشرق الأوسط، وإمكان رسم استراتيجية لن ترد فقط بقوة على الإرهابيين وعلى أي دول استمرت في إيوائهم، لكن أيضاً وضع أجندة إيجابية تساعد في الحد من اليأس والغضب الذي يستغله المتطرفون. وقال: «كان يمكن أن نستخدم تأثير العمل العسكري في أفغانستان لتركيز أذهان القادة في ليبيا وسورية واستخدام الدبلوماسية القسرية، والضغوط السياسية والاقتصادية المدعومة بالتهديد باستخدام القوة، لاحتواء وتقويض صدام حسين في العراق». لكن في الأشهر الـ 18 التي تلت ذلك، وبعد غزو أفغانستان والعراق، اتخذنا مساراً مختلفاً وفي النهاية كارثياً».

أول أسود يقود البنتاغون تعرفه كل قيادات المنطقة

في بيان إعلانه أوستن وزيراً للدفاع، قال بايدن إن يتطلع للعمل معه لـ «قيادة جيشنا وإعادة الحيوية لتحالفاتنا في مواجهة التهديدات العالمية، وضمان سلامة وأمن الشعب الأميركي».

وتقول CNN إن اختيار أوستن أول رجل أسود سيقود «البنتاغون» في حال تثبيته بمنصبه، سيجعله يتحكم في أكبر وكالة حكومية ويقود القوات في جميع أنحاء العالم والأعمال الداخلية المعقدة للبنتاغون التي تجعلها واحدة من أكثر البيروقراطيات رعباً في العالم.

يملك أوستن خبرة واسعة في قضايا الشرق الأوسط، وتعرفه معظم القيادات العسكرية والأمنية في المنطقة لتاريخه الطويل في «البنتاغون».

وعمل سابقاً مع بايدن بعهد أوباما، وكان اسمه برز بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث عمل بين 2001 إلى 2003، مساعداً لقائد الفرقة للمناورة لفرقة المشاة الثالثة بالجيش، كما ساعد في قيادة الغزو على العراق في مارس 2003. وأشرف على خروج القوات والمعدات العسكرية الأميركية من العراق منذ سبتمبر 2010 حتى ديسمبر2011.

وتولى أوستن إدارة القيادة المركزية الوسطى «سنتكوم» المسؤولة عن الشرق الأوسط بين عامي 2013 و2016. وتولى عمليات الحرب ضد تنظيم «داعش» في سورية والعراق. وبحسب CNN ينتمي أوستن إلى مدرسة قادة البنتاغون العسكريين المعروفين باعتدالهم إزاء النزاعات الدولية، إذ يدعم التعاون مع الحلفاء التاريخيين من أجل حل النزاعات الدولية، ويؤمن بما يسميه «البراغماتية العسكرية» ويبتعد من المجازفات غير المضمونة، ودائماً ما يدافع عن استراتيجية «التعامل مع القوى المحلية لحل الخلافات الداخلية في الدول التي توجد بها قوات أميركية».

ماكغورك يعمل مع الرئيس الرابع

بريت ماكغورك، الذي عينه بايدن منسقاً الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو محام ودبلوماسي أميركي، لعب أدواراً في عهود ثلاثة رؤساء هم بوش الابن، وأوباما وترامب ويعود الآن مع بايدن.

وبحسب مجلة «بوليتيكو»، فإن لماكغورك تاريخاً طويلاً من المواقف والآراء في ملفات العراق وسورية وإيران وتركيا، إذ عمل سابقاً نائباً لمساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون العراق وإيران، وقاد مفاوضات سرية مع إيران بين أكتوبر 2014 ويناير 2016، أدت إلى الإفراج عن أربعة سجناء أميركيين في طهران، بينهم مراسل صحيفة «واشنطن بوست»، جيسون رضائیان. كذلك عمل مساعداً خاصاً للرئيس السابق جورج دبليو بوش، ومديراً لشؤون العراق وأفغانستان، وأسهم في صياغة مسودة الدستور العراقي المؤقت والقانون الإداري الانتقالي، وأشرف على الإجراءات القانونية لانتقال الحكم من سلطة الائتلاف المؤقتة إلى الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة رئيس الوزراء إياد علاوي.

في عام 2005، انتقل ماكغورك للعمل في مجلس الأمن القومي الأميركي مديراً لشؤون العراق، ثم عمل مستشاراً خاصاً للرئيس الأميركي ومدير شؤون العراق وأفغانستان، وكان من بين أبرز توجهاته وآرائه دعوته في عام 2006 إلى تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه العراق، وروج لفكرة زيادة عدد القوات الأميركية هناك والتي بدأت بالفعل في يناير 2007.

طلب منه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، قيادة المفاوضات مع حكومة العراق بجانب السفير ريان كروكر، لوضع أسس اتفاق الإطار الاستراتيجي والاتفاق الأمني لضمان الاستمرارية في ذلك النهج السياسي بعد نهاية ولايته، ليكون بعد ذلك في عام 2009 أحد السياسيين الثلاثة الذين انتقلوا من إدارة بوش إلى إدارة أوباما، وتولى منصب مستشار الرئيس ومستشار سفير الولايات المتحدة في العراق.

ثم عينه أوباما في 23 أكتوبر 2015 ليكون المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش» خلفاً للجنرال جون ألين، بعدما كان نائباً له منذ 16 سبتمبر 2014.

ولعب دوراً رئيساً في تشكيل تحالف رسمي من 62 دولة لدعم العراق ومساعدة الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي آنذاك، في محاربة «داعش».

واستقال ماكغورك من المنصب الذي أبقاه فيه ترامب، بعد قرار الأخير الانسحاب من شمال شرق سورية في 2018، وانتقد بشدة تخلي واشنطن عن حلفائها الأكراد، وتغاضيها عن المساعي التركية لمواجهة الفصائل التركية.

وكتب إن «تعامل ترامب مع الأكراد يُظهر جهلاً بالقيم الأميركية واللياقة الإنسانية والكرامة»، واتهمه بـ «الدعوة لنزوح جماعي للأكراد إلى الصحراء».

وبحسب مراقبين، فإن عودة ماكغورك تحمل رسائل عدة بشأن استمرار مكافحة الإرهاب في المنطقة كأولوية، كما تبعث برسائل مقلقة لأنقرة، تتعلق بسياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ضد الأكراد، واستخدام مرتزقة متطرفين داخل سورية وفي بقاع أخرى.