صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4669

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تتجه العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي نحو خصومة سيئة؟

المملكة المتحدة ستبقى رغم استقلاليتها بعد «بريكست» عالقة في مفاوضات مستقبلية متواصلة

يصبّ التركيز بكل وضوح على «العلاقات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي» تحت إشراف غوف الذي يبدو عملياً الوزير المعني بجميع الملفات، وفي المقابل يعتبر وزير الخارجية البريطاني ملف «أوروبا» جزءاً من مسؤولياته، ففي عهده، خُصّص منصب لوزير ثانوي يُعنى بشؤون «جوار أوروبا والأميركيتَين».

بعد تنفيذ خطة "بريكست"، يسود اليوم منطق سياسي قوي يدفع بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى استغلال فشل الطرف الآخر لتحقيق نجاح شخصي.

هذا المنطق ليس محورياً بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي لأنه منشغل أصلاً بمسائل كثيرة أخرى، لكنه يبقى خياراً وارداً في الدول التي يحرص فيها سياسيون نافذون من المعسكر المعارض للوحدة الأوروبية (من أمثال مارين لوبان) على الإشادة بنجاح بريطانيا بعد "تحريرها". يتّضح هذا المنطق عبر تغريدة كتبها وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمان بون، فذكر في تغريدته أن بريطانيا تعاقب نفسها عن طريق "بريكست"، لكن من الضروري أن تكشف أيضاً عن الثمن الذي ستدفعه مقابل الانسحاب.

تفاوضت حكومة بوريس جونسون على اتفاق ممتاز في مجال تجارة السلع (كان ممتازاً بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي تحديداً). ستتابع السيارات الألمانية تدفقها إلى بريطانيا، بالإضافة إلى بضائع مُصنّعة أخرى حقق الاتحاد الأوروبي بفضلها فائضاً تجارياً مع بريطانيا، ففي ما يخص قطاع الخدمات الذي يشكّل 80% من الاقتصاد البريطاني، لم يتم الاتفاق على معظم البنود بعد، بما في ذلك مجال الخدمات المالية الذي يشكّل نحو 10% من الصادرات البريطانية.

وفق تقرير ممتاز من إعداد خبير التجارة ديفيد هينيغ لصالح مجموعة "الأفضل من أجل بريطانيا"، يُعتبر الاتفاق الذي أبرمه جونسون مجرّد "إطار عمل للتعاون المستقبلي"، ثم يطرح هينيغ لائحة طويلة من المجالات التي تحتاج فيها بريطانيا إلى عقد اتفاقيات إضافية لحماية مصالحها الاقتصادية على المدى الطويل. يصبّ عدد كبير من تلك المجالات في مصلحة الاتحاد الأوروبي وحده، منها إيجاد "قوة معادِلة" للخدمات المالية البريطانية، ويمكن الانسحاب طوعاً من بعض الاتفاقيات المرتقبة (هذا ما اكتشفه السويسريون في تجربة مشابهة). باختصار، أصبح تفاوت النفوذ بين الطرفَين اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

لكن هل تستحق هذه التحولات العناء؟ إذا كانت "السيادة" تعني أن تتمكن السلطة القانونية الرسمية في الدولة من سنّ قوانينها الخاصة بنفسها، تحت إشراف المحاكم المحلية، يمكن القول إن بريطانيا وسّعت هامش استقلاليتها، لكن إذا كانت "السيادة" تعني أن تكتسب الدولة قوة حقيقية للتحكم بمصيرها وتحقيق مصالحها الوطنية، فمن الواضح أن بريطانيا خسرت سيادتها.

لا تهدف هذه الفكرة إلى إعادة إحياء الجدل القديم حول صوابية خطة "بريكست"، لكن يجب أن يتنبه الجميع إلى نشوء حالات لا متناهية من الخلافات السيئة والمنافسة المحتدمة والصراعات الدائمة بسبب هذا المستنقع المستجد من المفاوضات المتواصلة.


لهذا السبب، على جميع الأذكياء وأصحاب النوايا الحسنة في المعسكرَين أن يجيبوا عن السؤال التالي: كيف يمكن تجنّب محاولات النجاح على حساب الطرف الآخر؟ لا يعني ذلك إلغاء المنافسة بالكامل، إذ تبقى المنافسة عاملاً إيجابياً في قطاع الأعمال. لطالما اعتبر المؤرخون أن مستوى المنافسة بين مختلف اللاعبين هو الذي أعطى أوروبا ثرواتها ونفوذها تاريخياً، على عكس ما تُحقّقه الأنظمة السياسية الأحادية في دول مثل الصين، لذا تقضي الحيلة الأساسية بإيجاد التوازن المناسب بين المنافسة والتعاون.

يدرك كل من تابع أي مفاوضات داخلية في الاتحاد الأوروبي أن الخصومة لا تزال محتدمة بين أعضاء الاتحاد، لكن تتصافح جميع الأطراف في نهاية المطاف وتُشجّع بعضها لأنها تعرف جيداً أنها تلعب لصالح الجهة نفسها ضد الآخرين. كذلك، تدرك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أنها قد تضطر مستقبلاً للتحرك ضد روسيا أو الصين لحماية مصالح الفريق الأوروبي عموماً.

يبرز بصيص أمل في هذا المجال بالذات، ففي ما يخص روسيا أو الصين أو إيران أو الأزمة المناخية، ثمة وفاق واضح بين بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية الأخرى ولن تغيّر خطة "بريكست" هذا الوضع لأي سبب. بعبارة أخرى، يتفوق منطق التعاون الاستراتيجي العام على المنطق السياسي المرتبط بالتنافس والغيرة.

لكن لن يكون هذا الرأي المنطقي الذي يدعمه حتى أشرس مؤيدي "بريكست" في الحكومة البريطانية كافياً لضمان علاقات إيجابية وسليمة في أنحاء القارة الأوروبية بعد مرحلة "بريكست"، بل تتطلب هذه العملية عوامل مثل الثقة وحسن النية والتواصل الصريح والتفاعلات المتكررة. بعد مرور خمس سنوات تقريباً على الجدل البائس الذي رافق تجربة "بريكست" كلها، ثمة نقص واضح في الثقة والنوايا الحسنة.

في هذا السياق يقول وزير شؤون مجلس الوزراء مايكل غوف، الذي يُعتبر من أهم قادة خطة "بريكست" إلى جانب بوريس جونسون، إن بريطانيا تربطها اليوم "علاقة مميزة" مع الاتحاد الأوروبي، لكن يبقى هذا الموقف حتى الآن مجرّد كلام على ورق. لتحويله إلى واقع ملموس، لا بد من إنشاء قنوات تواصل جديدة لاستبدال شبكة التفاعلات اليومية المكثفة التي خسرها البريطانيون بعد انسحابهم من الاتحاد الأوروبي. تبرز مؤشرات واعدة حول استعداد مجلس الوزراء البريطاني لتحقيق هذا الهدف عبر علاقات ثنائية، لا سيما مع ألمانيا وفرنسا، لكنه ليس مستعداً للقيام بالمثل بعد مع الاتحاد الأوروبي عموماً.

عند مراجعة القائمة الإلكترونية الخاصة بالأدوار الوزارية البريطانية، يصبّ التركيز بكل وضوح على "العلاقات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي" تحت إشراف غوف الذي يبدو عملياً الوزير المعني بجميع الملفات، وفي المقابل يعتبر وزير الخارجية البريطاني ملف "أوروبا" جزءاً من مسؤولياته، ففي عهده، خُصّص منصب لوزير ثانوي يُعنى بشؤون "جوار أوروبا والأميركتَين". إذا تابعت الحكومة البريطانية هذا المسار، فقد تصبح علاقتها "المميزة" مع الاتحاد الأوروبي أكثر عرضة للسخرية والشماتة بما يتماشى مع موقف المستشار الألماني السابق هلموت شميت حين تكلم يوماً عن العلاقة المميزة التي تتباهى بها بريطانيا مع الولايات المتحدة، فقال: "إنها علاقة مميزة لدرجة ألا يعرف بوجودها إلا طرف واحد"!

تيموثي غارتون آش– المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

ثمة وفاق واضح بين بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية الأخرى في ما يخص روسيا والصين وإيران والأزمة المناخية