صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4668

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الدّية» الشرعية... ضوابط جديدة تنظم عشوائية الجمع

مطالبات باقتصارها على القتل الخطأ حماية للأمن الاجتماعي والجنائي

على مدى سنوات طويلة، شهدت قضية «الدية الشرعية»، تجاذبات كثيرة بين أطراف عدة، سواء من الجانب الاجتماعي أو الشرعي حتى القانوني، لاسيما أن المجتمعات العربية وبعض الثقافات تحديداً، تعتبر الدعوة والمشاركة في جمع الدية لأهل المجني عليه، من ثوابتها الاجتماعية الأساسية، باعتبارها مدخلاً وحيداً لإنقاذ الجاني، دون النظر إلى آثار تلك الجريمة.

بعد شد وجذب، بين وزارة الشؤون الاجتماعية من جهة، وعدد من الراغبين بجمع الدية الشرعية لمتهمين في قضايا مختلفة، من جهة أخرى، وضعت الوزارة الخطوط العريضة لآلية جمع الدية وفق ضوابط محددة، تباينت الآراء حولها، إذ اعتبرها البعض غير مكتملة الأركان، ولا تزال بحاجة إلى تعديل وإضافة لتحقيق الهدف المرجو منها.

«الجريدة» استطلعت آراء قانونية وشرعية وحكومية بهذا الصدد وخرجت بهذه المحصلة.

قرار مستحق

بداية، أكدت الوكيلة المساعدة لشؤون قطاع التنمية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية، هناء الهاجري، أن صدور القرار الوزاري رقم 4/أ لسنة 2021، بشأن ضوابط جمع التبرعات لسداد الدية والتعويضات المرتبة بها، مستحق، لاسيما عقب المخالفات المحررة والعقبات التي واجهتنا خلال مشروعات «الديّة» الثلاثة التي نظمتها الوزارة قبل صدور القرار.

وأوضحت الهاجري أن هذه العقبات تمثلت في التجمهر والتجمعات غير المرخصة ووضع الخيام، وما صاحب ذلك من خطب وهتافات، فضلا عن جمع التبرعات النقدية بالمخالفة للقوانين واللوائح وقرارات مجلس الوزراء، وتزايد أعداد الطلبات الخارجية، الأمر الذي ترتّب عليه تحويل مبالغ طائلة إلى الخارج.

وأشارت إلى أنه كان لزاماً إصدار قرار ينظم المسألة لتتوافق والضوابط والاشتراطات المنظمة للعمل الخيري في البلاد، وقوانين جمع الأموال للمصلحة العامة، وقرارات مجلس الوزراء الصادرة بهذا الصدد.

إنهاء ترخيص المشروع

وقالت الهاجري إنه «يجوز للوزارة في حال مخالفة الجمعية للإجراءات والضوابط المحددة في تصريح الجمع إنهاء الترخيص بالمشروع واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية»، مشددة على ضرورة الحصول على موافقة كتابية من الوزارة قبل البدء في تنفيذ أي تحويل مالي من الحساب المصرفي المخصص للجمعية والمعتمد من الوزارة إلى الحساب المصرفي المخصص لأولياء الدم.

وأكدت أنه من منطلق حرص الوزارة على مراقبة ومتابعة الأموال المجموعة، يجب تزويدها من الجمعية المشاركة في جمع الدية بتقريرين؛ مالي وإداري، مفصلين بعد انتهاء المشروع بأسبوعين على الأكثر، مرفقاً طيّه شهادة مصادقة بنكية لرصيد الحساب وبيانات الطرف المستفيد، فضلاً عن كشف حساب مصرفي منذ بداية المشروع حتى نهايته.

ولفتت إلى أنه يجب إدراج المشروع في التقرير الإداري والمالي السنوي للجمعية الخيرية، ومشددة على ضرورة الالتزام والتقيد بأي شروط وضوابط تراها الوزارة بهذا الشأن، "وفي حال عدم اكتمال المبلغ وعدم قبول أهل الدم به يؤول لأعمال البر والنفع العام".

مخالفة أحكام شرعية

من جهته، أكد أستاذ القانون الخاص المنتدب في جامعة الكويت، د. عادل بهبهاني، أن "القرار الوزاري الذي صدر أخيرا من وزير الشؤون الاجتماعية بشأن إجراءات وضوابط جمع التبرعات لسداد الدية والتعويضات المرتبطة بها، يحمل أهدافا سامية، أهمها ضبط ومراقبة هذه الأنشطة وتأطيرها بالأطر القانونية، وضمان عدم استغلالها في عمليات غسل الأموال ومظاهر الإرهاب أو أي شبهات تطالها".

وأضاف أن "هذا الأمر يحسب للوزير، لاسيما أنه يؤكد حرصه على اتخاذ الإجراءات التي تكفل عدم تكرار السلبيات التي برزت في الممارسات السابقة من تجمهر وتجمعات وخطابات، والتبرعات النقدية وتحويل مبالغ طائلة خارج البلاد، وغير ذلك من شبهات لحقت بها"، موضحا أنه "لا تثريب على تنظيم سداد الدية والتعويضات المرتبطة بها بقرار وزاري، فهي لا تحتاج إلى تشريع حتى وإن امتد أثر القرار للكويتيين في الخارج، مادام التنسيق تم مسبقا مع الدول التي تطبق الدية الشرعية في قوانينها".

ولفت إلى أن "ما يعيب القرار هو مخالفته لبعض أحكام الدية الشرعية كما وردت في الشريعة الإسلامية الغراء، وأثر ذلك وانعكاسه على الأمن الاجتماعي والجنائي في المجتمع الكويتي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، في القتل العمد الأصل فيه وجوب القصاص، فإن عُفي عن القاتل في القصاص إلى الدية، وجبت الدية في مال الجاني من غير تأخير حتى تزجره الدية وتردعه في جانبها العقابي من العودة إلى براثن الجريمة مرة أخرى، أما دية القتل الخطأ فتكون على عاقلة القاتل وهم عصبته، ويجوز الاستعانة في دية القتل الخطأ بالحلفاء تؤخذ منهم رضاءً وتطوعاً".

جرائم القتل العمد

وأردف: "كان يجب على القرار المشار إليه مادام ذكر الدية كمصطلح إسلامي شرعي أن يتقيد بأحكامها، وبالتالي يسقط من مضمونه ونطاقه جرائم القتل العمد، لا أن يسخّر الجمعيات الخيرية وأموال الدولة والمجتمع، ويحولها كشركات ضمان تضمن آثار جرائم المجرمين، وتشجعهم بشكل غير مباشر على ممارسة العنف والقتل في المجتمع!

بل الأخطر من ذلك، أن عمومية محتوى القرار تشمل حتى القاتل العائد إلى الإجرام، وبالتالي فإن الجمعيات الخيرية ستجمع التبرعات لسداد قيمة الدية والتعويضات المرتبطة بها له، ليأمن العقوبة ويعود للقتل مرة ثالثة!".

وتابع بهبهاني: «ويؤخذ كذلك على القرار ما ورد في أحد بنوده بأنه "يُراعى عند الإعلان عن استقبال التبرعات لمصلحة الدية والتعويضات المرتبطة بها أن يتم تدوين عبارة (تفويض الجمعية الخيرية في حال عدم اكتمال مبلغ الدية بصرف هذا المبلغ على أعمال البر والنفع العام بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية)، ومنها تسديد مديونيات الغارمين في السجون الكويتية».


محاذير إيجابية

ورأى أن هذا البند من شأنه لوحده أن يفقد جميع المحاذير الإيجابية الواردة في هذا القرار قيمتها، لأنه بند تفوح منه رائحة الابتزاز وفتح باب يُمكِّن للفاسدين الدخول من خلاله لتحقيق مآربهم. فكيف تبدأ التبرعات بنية من أصحابها لسداد الدية والتعويضات المرتبطة بها عن المحكومعليه ولدهم، ثم تؤول هذه الأموال إلى أعمال البر والنفع العام وسداد مديونيات الغارمين في السجون، بحجة أن المبلغ المطلوب لم يكتمل؟! نظن أن القرار هنا لم يتقيد بالعنوان الذي حمله وشذّ عن مضمونه الأساسي، ونشك كذلك بصحة التفويض المشار إليه لاحتمال تعييبه بأحد عيوب الإرادة كالإكراه والاستغلال!

وتمنى بهبهاني تقيّد القرار بعنوانه، وأين ختص فقط بجمع التبرعات لسداد الديات والتعويضات المرتبطة بها من خلال الآلية الجيدة التي وردت فيه، ويحرص على استبعاد مرتكبي جرائم القتل العمد من نطاقه، ليقتصر فقط على القتل الخطأ، وإلا سيكون هذا القرار مخالفا للدستور والقانون وأحكام الشريعة الإسلامية.

وجوب «الدية»

وحول الرأي والحكم الشرعي في مسألة "الدية الشرعية"، ودلالات وجوب دفع الجاني أو المتهم لتلك الدية، وهل تقتصر على مبالغ مالية فقط أم أن هناك حلولاً أخرى لمن لا يملك المال، يؤكد مدير إدارة الإفتاء في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تركي المطيري، أن "الدية واجبة على كل من أتلف إنساناً بمباشرة أو سبب، سواء كان الجاني صغيراً أو كبيراً، عاقلاً أو مجنوناً، متعمداً أو مخطئأ، وسواء كان التالف مسلماً أو ذمّيًّا، مستأمناً أو معاهداً، لذا فإن الدية تجب في قتل الخطأ وقتل شبه العمد، إلّا إذا عفا أولياء المقتول، فتسقط"، موضحا أن "الدية تجب أيضاً في قتل العمد إذا عفا أولياء المقتول عن القصاص، وقبلوا بالدية، وتجب أيضاً إذا مات القاتل، فإنه ليس لأولياء القتيل إلا الدية".

وأضاف أن وجوب الدية ثابت بالقرآن والسنّة والإجماع، أما من القرآن، فقول الله تعالى: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن يقتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله إلا أن يصدّقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً".

وأردف: أما من السنّة، فما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمّا فتح الله عزّ وجلّ على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكّة، قام في النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "إنّ الله حبس عن مكّة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنون وإنّها لن تحلّ لأحدٍ كان قبلي، وإنّها أحلّت لي ساعةً من نهارٍ، وإنّها لن تحلّ لأحدٍ بعدي، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحلّ ساقطتها إلا لمنشدٍ، ومن قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين، إمّا أن يفدى وإمّا أن يقتل".

عقوبة وتعويض

وتابع: وقد أجمع العلماء على وجوب الدية، وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن دية الرجل مئة من الإبل"، وأجمعوا على أن دية المرأة نص فدية الرجل"، مضيفا "أما الحكمة من مشروعية الدية، فهي أن الدية جزاء يجمع بين العقوبة والتعويض، ففي دفع الدية زجر وردع عن الاستهانة بالأنفس، فتحفظ الأرواح، وتحقن دماء الأبرياء، ومن جهة أخرى فيها تعويض لما فات من الأنفس أو الأعضاء بالمال الذي يأخذه المجني عليه أو ورثته"، لافتا إلى أن "للدية مقدارا حدَّدته الشريعة وبينته نصوصها".

المقادير المعاصرة

وأضاف: لقد بينت لجنة الأمور العامة بإدارة الإفتاء مقدار الدية في القتل الخطأ في حق الرجل والمرأة وفق المقادير المعاصرة؛ فقد جاء في نص فتواها: "دية القتل الخطأ شرعاً للرجل الحر ألف دينار ذهبي، ودية المرأة الحرة نصف دية الرجل الحر، ولما كان الدينار الذهبي الشرعي يعادل بالأوزان المعاصرة (4.25) غرامات تقريباً، فإن الدية الشرعية للرجل الحر تكون 4250 غراماً من الذهب، ودية المرأة الحرة تكون 2125 غراماً، وهي واجبة على عاقلة القاتل خطأً (عصبته)، توزع عليهم مؤجلة على ثلاث سنين، فإذا أرادوا دفعها بالعملة المحلية جاز على أساس ثمن هذه العملة في يوم الدفع إلى مستحقيها، والله أعلم".

وزاد: كما بينت اللجنة مقدار دية الجنين؛ فجاء في الفتوى التي جاء في نصَّها: "والغرة هي دية الجنين، وتقدر بنصف عشر دية الرجل، وهي 5 من الإبل أو خمسون ديناراً (والدينار هو مثقال من الذهب يعادل 4.5 غرامات تقريباً)، ولا تختلف الغرة بذكورة الجنين أو أنوثته".

«دية» القتل من يتحملها؟

أكد تركي المطيري أن «الدية في القتل يتحملها أحد ثلاثة، وهم:

1) القاتل، وتجب في ماله خاصة في قتل العمد، ولا تتحمل العاقلة شيئاً من الدية.

2) العاقلة، وتجب عليهم الدية في قتل شبه العمد وقتل الخطأ.

3) بيت المال، وتجب الدية من بيت المال إذا عجز القاتل وعاقلته عن دفع الدية.

ولفت إلى أن دية القتل الخطأ تجب على عاقلة الجاني، وهم عصبته، كما بيَّنت ذلك لجنة الأمور العامة في فتواها، التي جاء فيها: «الدية في القتل الخطأ تجب على العاقلة، وهم العصبة، أي: الأقرباء الذكور من جهة الأب، كالأعمام وبنيهم، والإخوة وبنيهم)، فإن لم تكن عاقلة، فتجب على بيت المال، فإن لم يكن بيت مال تحمّلها الجاني عند بعض الفقهاء، فإذا كان الجاني فقيراً جاز إعانته على أدائها، ولو كان ذلك من أموال الزكاة أو الصدقات».

محمد راشد وجورج عاطف

تنظيم المسألة لتتوافق والضوابط والاشتراطات المنظمة للعمل الخيري في البلاد الهاجري

في حال عدم اكتمال المبلغ وعدم قبول أهل الدم به يؤول لأعمال البر والنفع العام الهاجري

حق إنهاء ترخيص المشروع واتخاذ الإجراءات القانونية حال المخالفة الهاجري

وجوب «الدّية» ثابت في القرآن والسنّة وإجماع العلماء المطيري

دية القتل الخطأ شرعاً للرجل الحر ألف دينار ذهبي وللمرأة الحرة نصف ذلك المطيري

استبعاد مرتكبي القتل العمد من القرار حتى لا يكون مخالفاً للقانون والشرع بهبهاني

ضبط تبرعات الدية لضمان عدم استغلالها بغسل الأموال وتمويل الإرهاب بهبهاني

مطلوب عدم تحويل الجمعيات لشركات تضمن آثار جرائم المجرمين وتشجعهم على القتل بهبهاني