صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4639

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هروب مفتي فلسطين الحسيني من برلين (الأخيرة)

  • 14-01-2021

لاحظ العديد من ساسة العراق تدخل مفتي فلسطين والقدس الحاج أمين الحسيني في كل صغيرة وكبيرة من سياسات العراق وعلاقاتها ببريطانيا، وكان الساسة العراقيون متعاطفين مع المفتي ومع القضية الفلسطينية، وكان المفتي قد لجأ إلى العراق بعد هربه من لبنان وسورية، حيث ساهم في ثورة رشيد عالي الكيلاني الانقلابية ضد الإنكليز في العراق، وهرب الى روما وبرلين، ونسق بعد ذلك مع هتلر للزحف على بغداد عبر الاتحاد السوفياتي وإيران مع المقاتلين في الكتيبة العربية التي سلحها الألمان، وذلك إذا هزم الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، كما كانت تحتم توقعات المفتي الحسيني.

وكان المفتي كما ذكرنا يعتبر كل تفاهم في العراق وغيرها مع الإنكليز "خيانة للقضية العربية"، وكان لشدة تأثره بما جرى لفلسطين، وكما يقول ناجي شوكت ينظر إلى الحوادث كعربي فلسطيني، ويحاول أن يوجه السياسة العراقية من خلال ذلك، أما توفيق السويدي فيحتج في مذكراته على تحركات المفتي، ويؤكد أن "ليس له أن يورط العراق!"، وقد أكد هذا الرأي العقيد صلاح الدين الصباغ صديق المفتي الحميم في مذكراته كذلك، ومنير الريس أحد اللاجئين السياسيين السوريين في العراق آنذاك، حيث يقول في كتابه "حرب العراق عام 1941" أن المفتي يجاهر بأن الألمان سيقفون في العراق في وجه الإنكليز.

يقول الريّس إن الحاج أمين الحسيني في لقاءاته بقادة الجيش وبالوزراء الوطنيين في العراق "يحرضهم على التشدد مع بريطانيا والضغط عليها ويظهرها أمامهم عاجزة عن الاعتداء على العراق، بل كان يزين لهم أن الجيش الألماني الذي أخضع أوروبا سيهب لنجدة العراق فيما إذا تعرض للعدوان البريطاني، ويرى ضرورة زيادة الضغط على بريطانيا خلال الحرب، حتى تحل قضية فلسطين، وأن هذه القضية لن تُحل لصالح العرب إذا لم تُرغم بريطانيا على حلها، وهي مرتبكة في حربها مع دول المحور".

وتوقعات المفتي هذه وتمنياته المتسرعة تذكرنا كما أشرنا بموقف السيد ياسر عرفات عام 1991- وهو بالمناسبة كذلك من أسرة الحسيني الكريمة- عندما أشار على الرئيس العراقي صدام حسين بعدم الرضوخ لطلب سحب القوات العراقية من الكويت والصمود أمام الضغوط الدولية، لأن أميركا بعد أن جرى لها ما جرى في فيتنام لن تغامر بخوض أي حرب كي لا تتعرض لهزيمة نكراء أخرى، وكان ذاك موقفا فادح الخطأ، وقد عرفنا الثمن الفادح الذي دفعته بسببه القضية الفلسطينية على الصعيد السياسي والشعبي والنتيجة المرة المدمرة لمصالح الشعب الفلسطيني في الكويت والدول الخليجية.

ظهرت بوادر الخلاف بين المفتي الحسيني ورشيد الكيلاني في المنفى ببرلين، ويذهب فوزي القاوقجي إلى أن طموح المفتي إلى المُلك والخلافة هو سبب الخلاف، فهو، أي المفتي، يقول القاوقجي "لا يقبل أية مداخلة ولا يعترف بوجود أي شخصية من العرب"، أي شخصية منافسة له سياسيا في مكانته، وهو غرور واضح، وكان المفتي يقول القاوقجي كذلك "مستبداً بكل المواضيع"، ويعزو منير الريس موقف المفتي الحسيني هذا الى "رغبة المفتي في أن يكون الزعيم العربي الوحيد الذي له الكلمة الأولى لدى الألمان والطليان".

وكان من نتائج طموح الرجلين المفتي الحسيني والكيلاني الى الزعامة وظمأهما إلى السلطة ورغبتهما في احتلال المكانة الاولى لدى الزعيم الألماني أدولف هتلر والزعيم الإيطالي بنيتو موسوليني ظهور الخصومة بين الرجلين و"انقسام اللاجئين السياسيين العرب في دول المحور الى فريقين: أولهما مؤيد للمفتي ويتألف في معظمه من الفلسطينيين والسوريين والمصريين، وثانيهما مؤيد للكيلاني ويتألف في معظمه من العراقيين".

ويضيف المؤرخ الأردني د.علي محافظة أن هذا الانقسام أحدث استياء في أوساط وزارة الخارجية الألمانية، وسعت هذه إلى التوفيق بين الزعيمين العربيين.

وأبدى المفتي للألمان رأيه في الكيلاني بأنه "رجل من السهل التأثير عليه، يغير رأيه بين يوم وليلة، وانفعالي غير منضبط". وأضاف المفتي منتقدا الكيلاني "لقد كان الكيلاني معلما ثم أصبح محاميا ثم نائبا في مجلس النواب العراقي ورئيسا لوزراء العراق لعدة أسابيع في عهد فيصل الأول، فهو في الواقع نتاج الديمقراطية البرلمانية، وتنقصه مقومات الزعامة". ولكي يرفع المفتي من مكانته الشخصية في نظر الألمان فيما يبدو أوضح لوزارة الخارجية الألمانية أنه "ليس رجل دين إنما كان ضابطا في الجيش العثماني، ثم أصبح سياسيا واحتفظ بمنصب مفتي القدس لأن الدين الإسلامي لا يفرق بين النشاط السياسي والنشاط الديني". (د.محافظة، ص264).

ولما وشى به أنصار الكيلاني لدى السلطات الألمانية واتهموه بالولاء لإيطاليا دحض المفتي التهمة واتهم "الهر غروبا"- الوزير المفوض الألماني السابق في بغداد- بتلفيق هذه الشائعات، وكان غروبا من المجندين للاعتراف بزعامة الكيلاني وتقديمه على المفتي اعتقادا منه أن ذلك في صالح ألمانيا، وقد اقترح الوزير الألماني كذلك الاستفادة من العرب عبر تشكيل مجلس عربي أعلى Oberster Arabischer Rat من ثلاثة من العراقيين واثنين من السوريين وفلسطيني واحد ولبناني واحد وشرق أردني واحد تحت زعامة المفتي، وتكون قرارات هذا المجلس مجرد توصيات توضح الاتجاه العام لحل المسائل العربية في منطقة الهلال الخصيب.

يقول د.محافظة: "كان المفتي نشيطا وسريع التحرك، فقد سافر الى روما في مطلع أيلول (سبتمبر) 1942 وقدم مذكرة الى موسوليني عرض عليه فيها اقتراحا بنقله الى شمال إفريقيا من أجل التمهيد للعمل السياسي والعسكري المقبل في الشرق الأدنى، ورجا الزعيم الإيطالي أن يعترف به ناطقا بلسان الحركة القومية العربية، واشترط أن يتم هذا الاعتراف قبل سفره الى مصر ليبدأ نشاطه بالتعاون مع القادة السياسيين في الأقطار العربية، وقد رد شيانو وزير خارجية إيطاليا على هذه المذكرة فأبلغه شكر موسوليني له والاعتراف به رئيسا لحزب الأمة العربية وممثلا لنضال الأقطار العربية في المشرق الأدنى".

(العلاقات الألمانية الفلسطينية ص 266).

كانت الخارجية الألمانية في زمن هتلر حائرة بعض الشيء بين الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني، فالأول كان يصر في اتصالاته بالمسؤولين الألمان انه زعيم لحزب الأمة العربية! في حين أكد الثاني في حديثه مع وكيل الوزارة "الهرفورمان" أن "لا وجود لحزب الأمة العربية السري، وأنه- أي الحزب- من بنات خيال المفتي". (د. محافظة، 266).

ولخص المسؤول الألماني "غروبا" في مذكرة له تساؤلات الوزارة وعموم المسؤولين الألمان حيث جاء فيها: "يزعم المفتي وجود جمعية الأمة العربية، وأنه رئيسها بينما ينكر الكيلاني ذلك. إنني لا أعرف لماذا يطلب المفتي اعتراف دول المحور به رئيسا لهذه الجمعية، فإذا كان أعضاء الجمعية يعترفون به زعيما لها فلماذا يطلب من دول المحور الاعتراف به؟ وما دامت الجمعية سرية فما قيمة اعتراف دول المحور بها؟ من غير الطبيعي أن تعترف حكومتان برجل ديني زعيما لمنظمة سرية أجنبية، ومن غير الحق أن يتم ذلك في عصرنا". (ص267).

جرت محاولات للتقريب والمصالحة بين المفتي والكيلاني، إذ وجد المسؤولون الألمان حرجا في النزاع القائم بين الزعيمين العربيين، غير أن هذه "المصالحة" التي تمت في منزل "غلام صادق خان"، وزير خارجية أفغانستان السابق، في برلين يقول د. محافظة، "لم تزل ما علق في النفوس من أضغان"، وعن مصير الرجلين مع اندحار ألمانيا الهتلرية واقتراب سقوط برلين يقول د. محافظة: "وبعد تراجع قوات دول المحور على جميع الجبهات خلال عام 1943، أهمل المسؤولون الألمان والإيطاليون مسألة الخلاف بين المفتي والكيلاني، ولم تعد القضية العربية من القضايا التي تحتل مرتبة الأولوية في حساباتهم.

ولما اقترتب نهاية الحرب العالمية الثانية وجد المفتي والكيلاني في برلين، وكانا يتنقلان باستمرار من منزل الى آخر، حتى إذا استلسمت ألمانيا هربا الى سويسرا، فرفضت السلطات السويسرية دخول الكيلاني، فعرج على بلجيكا ففرنسا حيث هرب من مرسيليا بحرا في منتصف تموز (يويلو) 1945 وبلغ بيروت، وانتقل منها الى دمشق فالرياض، حيث حل لاجئا سياسيا على الملك عبدالعزيز آل سعود". (ص267).

واختلف مصير الحاج أمين الحسيني بعض الشيء، فيقول المؤرخ إن الحسيني "دخل سويسرا وحاول الإقامة في بيرن، غير أن السلطات السويسرية رفضت السماح له بالاقامة، فحاول عبر الحدود الفرنسية، وألقي القبض عليه ووضع في دار قرب باريس. وسمح له بالاتصال بالعرب هناك، ولما أحس باحتمال محاكمته كمجرم حرب هرب في مايو (أيار) 1946 بجواز سفر الطالب السوري معروف الدواليبي المقيم في باريس. وغادر فرنسا الى القاهرة على متن طائرة عسكرية أميركية وحل في العاصمة المصرية ضيفا على الملك فاروق".

وفي كتاب المستشار عبدالله العقيل "من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية"، المشار اليه في مقال سابق، المزيد من التفاصيل ويقول: "وفي يوم 5/5 /1945م أُخرج المفتي وإخوانه الى سويسرا ومنها إلى فرنسا، حيث اعتقلهم الجيش الفرنسي يوم 19/ 5/ 1945م وقد طالب السفير البريطاني والسفير الأميركي بتسليم المفتي لمحاكمته كما كان اليهود يصرون على محاكمة المفتي كمجرم في محكمة (نورمبرغ) وعندها انتقل من فرنسا الى مصر متنكراً بمعاونة "معروف الدواليبي" واستقر فيها، وكان ذلك في 29/ 5/ 1946م" (العقيل، ص129)

وينقل "العقيل" تفاصيل فرار المفتي كما يرويها الحسيني نفسه فيقول: "... إن الدور الأول والجانب الأهم في تلك المغامرة قد قام به الصديق الكريم الدكتور معروف الدواليبي، فقد شاء له خلقه الكريم أن يعطيني جواز سفره، واقتضى هذا تبديل الصورة وتغيير اللباس وحجز مكان ما في طائرة مسافر من باريس الى القاهرة، وكان ركاب الطائرة خليطاً من مدنيين وعسكريين. ولم يحدث عائق في مطار (أورلي) الذي قامت منه الطائرة من باريس الى روما، وفي روما فحص المختصون جوازات سفر الركاب... وكان الجو رديئاً فقضينا الليل في أحد الفنادق، وفي الصباح التالي استأنفنا السفر الى القاهرة، ولحسن الحظ لم يكن من يعرفني بين ركاب الطائرة، وفي المساء هبطت الطائرة في مطار (بنفليد) الذي أصبح الآن مطار القاهرة الدولي، ولما تم فحص جوازات الركاب وخرجت من المطار تنفست الصعداء وحمدت الله على السلامة ورددت قول البوصيري:

وقاية الله أغنت عن مضاعفة

من الدروع وعن عال من الأطم

ولم أشا الركوب بالسيارة المعدة لنقل الركاب بالسيارة المعدة لنقل الركاب وآثرت سيارة أجرة عادية فنقلتني الى فندق (مترو بوليتان) بالقاهرة ". (ص129)

لم يبق مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني في القاهرة طويلاً بعد قيام النظام الجديد عام 1952 ومجيء الرئيس عبدالناصر والصدام مع الإخوان المسلمين وغير ذلك، فغادرها عام 1959 الى بيروت، فبقي هناك حتى وفاته عام 1974.

هل درست القيادات والنخب الفلسطينية السياسية والثقافية تجربة الحاج أمين الحسيني وتعمقت في دروسها؟ ربما للأسف... لم تفعل.

خليل علي حيدر