صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4590

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حرب الـ 44 يوماً تفتح ملف الجرح النازف لإقليم ناغورني كاراباخ

الجذور التاريخية لـ «الحديقة السوداء» بين أرمينيا وأذربيجان

هل سبق أن زرت أرمينيا؟ إذا كان الجواب «نعم»، فالسؤال المطلوب الإجابة عنه عند تقديم طلب الفيزا، هو: هل زرت أذربيجان من قبل؟

تماما كما هو متبع في أذربيجان، إذا عزمت على السفر إليها، فالسؤال البديهي: هل سبق لك أن زرت أرمينيا من قبل؟

تلك الحالة تعكس العلاقة المريرة والمتوجسة بين الطرفين، والتي تذكرنا بحالة العرب مع إسرائيل، فعدد كبير من الدول العربية عندما تمنح جوازات السفر لمواطنيها تمهرها بعبارة "كل الدول ما عدا إسرائيل".

الآن، وبعد حرب الـ44 يوماً بين أرمينيا وأذربيجان يتعرّض الزائر للعاصمة الأرمينية يريفان، لسؤال آخر: هل سبق أن زرت تركيا؟.. لتضاف إلى الدول غير المرغوب فيها، كما حصل مع الزميل الصحافي محمد البقالي، أثناء اندلاع المواجهات العسكرية، فقد زادت حدة الخصومات قائمة الدول التي تحاصر أرمينيا.

إقليم ناغورني كاراباخ، أي جبال الحديقة السوداء بالأذرية، أو كما يسميه الأرمن "آرتساخ"، يبقى حديث الساعة، نظرا لما يمثّله من موقع استراتيجي يرتبط بثلاث قوى محيطة به، هي روسيا وتركيا وإيران".

تبعية الإقليم تحدد موازين القوى في جنوب القوقاز، فالجغرافيا السياسية هنا تلعب دورا مؤثرا وترسم حدود التنافس، لاسيما ما له علاقة بخطوط نقل الغاز والنفط (خط تانام) من أذربيجان باتجاه أوروبا، إضافة الى القواعد العسكرية المنتشرة في الدولتين المتقاتلتين.

ثلاثون عاماً مضت على بدء النزاع، ولا يزال الحل "مجمدا"، فقد تكون حالة دولية خاصة تنتظر لحظة الحسم عندما تتهيأ لها الظروف، أو تجد القوى العظمى والمتصارعة أن الوقت قد حان لحلها.

أين العصبية الدينية؟

منذ أن أقدم ستالين على منح الإقليم (ومساحته 4.800 كم) لأذربيجان على 1921، وهو ذو الأغلبية السكانية من الأرمن، بقي مثار نزاع وتخاصم أدى الى حروب وعداوات، واستجلب "الكبار" الى الملعب الأرميني - الأذربيجاني.

النزاع على السيادة والأرض اتخذ منحى الصراع على النفوذ بالدرجة الأولى، واستبعد فيه المراقبون "البعد الديني"، وإن كانت هناك جماعات تلبسه هذا الثوب من أجل استنهاض العصبية الدينية، في حين أنه بعيد تماماً عن تلك المعادلة، فإيران الشيعية التي تحتضن عددا كبيرا من ذوي الأصول الأذربيجانية تقف الى جانب أرمينيا المسيحية!

في حين أن دخول تركيا حرب الـ44 يوماً رفع منسوب التعصب الديني وتسويقه باعتبارها حامية الخلافة والساعية إلى مجد السلطنة!

وفي الوقت نفسه، تتقارب أذربيجان مع إسرائيل، التي حولتها إلى قاعدة للتجسس على إيران، وتأخذ منها النفط والغاز وتبادلها السلاح والتكنولوجيا الزراعية.

تحت حكم السوفيات

بقيت المنازعات حول الإقليم مستمرة، وتتلخص وجهة نظر الأرمن في أنه في الفترة من عام 1917 إلى عام 1920، كان يتبع لأرمينيا، وفي ظل حكم الاتحاد السوفياتي من 1923 الى عام 1989 كان يتمتع بحكم ذاتي شأن الأقاليم الأخرى الممتدة على مساحات وقارات أخرى! وعندما تحتد المواجهات يبرزون حجتهم بالقول إن كل الجمهوريات ومناطق الحكم الذاتي في تلك الفترة الزمنية كان لها حق تقرير المصير، وهو أمر بقي معلقاً الى اليوم.

الجذور التاريخية

ربما يجهل الكثيرون من القراء العرب الجذور التاريخية لهذا الإقليم، لذلك وجدت في كتاب البروفيسور والدبلوماسي الأرمني أرشان بولاديان ما كنت أسعى إليه، في كتاب صدر له حديثاً، يسرد فيه وقائع لم تكن متداولة في وسائل الإعلام.

إقليم "آرتساخ" سكنه الأرمن منذ آلاف السنين، وهو من أقدم الأماكن التاريخية، وكان جزءاً لا يتجزأ من "أرمينيا الكبرى"، وفي أواسط القرن الأول قبل الميلاد نالت اهتمام الملك الأرمني ديكران العظيم، حيث أسس فيها واحدة من المدن الاربع التي تحمل اسمه "ديكرانا كيرط"، وتقع أنقاضها بالقرب من مدينة "أغدام"، وبدءا من القرن الرابع الميلادي انتشرت فيها المسيحية، وأسس فيها كريكور المنور أول كنيسة.

سيطرة بلاد فارس

بعد تقسيم أرمينيا بين القيصرية البيزنطية وبلاد فارس عام 387، انضمت مناطق ما وراء القوقاز، ومن بينها "آرتساخ" الى بلاد فارس.

وفي نهاية القرن الخامس الميلادي، ونتيجة الاضطرابات في عرش الدولة الساسانية، حصلت على استقلالها، وشكّلت مملكتها تحت حكم "فاتشاكان"، وكان لهذه المملكة دستور وأنظمة خاصة بها".

ظهور العنصر التركي

بعد ترسيخ الحكم العربي هناك أوائل القرن الثامن، ناضل سكانها من أجل استقلالهم، وقامت حركات شعبية مناهضة "للخلافة الإسلامية"، بدءاً من النصف الأول من القرن التاسع، أما في القرن الحادي عشر فقد ظهر العنصر التركي في أرمينيا.

وفي المعلوم أن العرب المسلمين تحركوا عبر إقليم خراسان، ثم دخلوا الى إقليم خوارزم في بداية القرن الثامن الميلادي، واستطاعوا بعد ذلك تدريجيا أن يفرضوا سيطرتهم على كامل بلاد ما وراء النهر، وانتشروا في هذه المناطق التي كانت تقطنها أصلا شعوب إيرانية، الى أن ظهرت قبائل الغز التركية، محدثة تغييراً جذرياً في الواقع الحضاري للمنطقة، بسبب غزواتها الكاسحة الموجهة نحو العمق الإيراني.

وقد انتشر العنصر التركي في الشرق الأدنى المتوسط على مرحلتين؛ في الأولى تم جلب الاتراك الى دولة الخلافة لدواع اقتصادية وسياسية، وامتدت هذه المرحلة الى القرن الحادي عشر ميلادي، وفي المرحلة الثانية وقعت ظروف دموية وكئيبة في تاريخ شعوب المنطقة، خاصة للشعب الأرمني".

تعرضت "آرتساخ" في القرنين الحادي عشر والثاني عشر لغزوات الأتراك السلاجقة، وأسفرت غزوات القبائل التركية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر عن خسائر فادحة للإقليم، وفي تلك الفترة تغير اسم "آرتساخ"، وأصبح "كارباخ"، أي الحديقة السوداء.


الانضمام إلى روسيا القيصرية

وبعد نضال طويل ضد الإمبراطورية العثمانية وإيران الشاهنشاهية، قبل منطقة "آرتساخ" بحكم القيصرية الروسية عام 1805، وانضم الإقليم الى روسيا وفق اتفاقية أبرمت عام 1813، تخلت فيها إيران عن جميع مقاطعات شرق القوقاز بما فيها آرتساخ".

وخلال حكم الإمبراطورية الروسية عادت الحياة الروحية والثقافية في مدينة شوشي، وتطورت الحرف المهنية وازدهر الاقتصاد.

منظومة الاتحاد السوفياتي

بعد انهيار الامبراطورية الروسية وانطلاق ثورة أكتوبر عام 1917، تم الاعتراف بحق تقريرها لمصير الشعوب التابعة لروسيا السوفياتية.

وفي مايو 1918 أعلنت جمهوريات أرمينيا وجورجيا وأذربيجان استقلالها، ثم انضمت تحت لواء منظومة الاتحاد السوفياتي بعد سنتين... وفي حينه أعلنت أذربيجان عن حقها في السيطرة على إقليم "ناغورني كاراباخ"، بالقوة العسكرية.

وفي هذه الظروف عقد السكان الأرمن في الإقليم مؤتمراً لهم، أعلنوا فيه وحدة إدارية مستقلة، وانتخب مجلس وطني، وشكلت حكومة امتلكت بين عامي 1918 و1920 "عناصر الدولة".

في عام 1920 ألغيت الحدود السابقة بين أرمينيا وأذربيجان، وتم الاعتراف بـ "كاراباخ" وناخيتشغيان،" على أنها جزء من جمهوية أرمينيا السوفياتية، ورحب جوزيف ستالين بالقرار.

لكن التطورات الميدانية، فيما بعد، دفعت ستالين لإصدار قرار عام 1921 ببقاء "ناغورني كاراباخ" في إطار أذربيجان، مع منحه حكما ذاتياً واسعاً مركزه الإداري "شوشي" الواقعة ضمن حدود المقاطعة.

وبذلك اعتبر إقليم ناغورني كاراباخ جزءاً من أذربيجان السوفياتية. وهذا القرار كان بمنزلة سلخ إقليم وإتباعه لدولة دون إرادة شعبه... كذلك طالب تركيا في عهد كمال ـتاتورك بضم إقليم ناخيتشغيان الى أذربيجان، وهذا ما حصل.

وفي عام 1922 انضمت جمهوريتا أذربيجان وأرمينيا الى اتحاد الجمهوريات السوفياتية، في حين تم تشكيل اقليم حكم ذاتي لكاراباخ على مسافة 4.400 كم ضمن أراضي جمهورية أذربيجان السوفياتية.

وهكذا تحول قرار 1921 الى حرب مفتوحة بين أرمينيا وأذربيجان تندلع في ظروف وأوقات معيّنة، وفقا لطبيعة المصالح والقوى، وبذلك بقي وضع الإقليم معلقاً دون حل نهائي.

انفصال القوميات والحكم الذاتي

وعلى إثر تفكك الاتحاد السوفياتي في عام 1991، تم الإعلان عن "جمهورية كاراباخ"، وذلك بمتقضى قوانين الاتحاد السوفياتي المتعلقة بالمسائل المتصلة بانفصال جمهورية اتحادية عن الاتحاد، والصادرة عام 1990، والتي تمنح الكيانات المتمتعة بالحكم الذاتي والقوميات ذات الكثافة السكانية العالية الحق في حرية تقرير وضعها القانوني كدولة في حالة الانفصال، يومها قالها سكان الأرض في هذا الاقليم "نعم للاستقلال في استفتاء شعبي عام".

وهكذا أعلن إقليم كاراباخ استقلاله عام 1991، بعد إعلانات مماثلة قامت بها الجمهوريات السوفياتية بعد انهياره.

ونشبت حرب متقطعة بين أذربيجان وأرمينيا بين عامي 1992 و1993 حتى إعلان الهدنة عام 1994. لكن مشكلة الإقليم بقيت رهن المفاوضات السياسية، التي بدأت عام 1992 ضمن اطار "مجموعة مينسك" وتدرجت في عدة مسارات، آخرها مؤتمر مدريد عام 2007.

وجهة نظر الأرمن في قرارات مجلس الأمن

بشأن اللغط الذي يدور حول تبعية الإقليم ودور مجلس الأمن بذلك إثر حرب التسعينيات، يحتاج المراقب الى مراجعة القرارات الأربعة الصادرة عنه عام 1993.

لم يناقش مجلس الأمن أي تسوية للإقليم ولم يقترح حلولا، بل اعتمد أربعة قرارات تمنع تمدد المعارك وتنذر بمشاركة دول أخرى، بما فيها أرمينيا.

المطلب الأساسي لتلك القرارات كان الوقف الفوري لإطلاق النار، واستئناف عملية التفاوض.

واعتبر مجلس الأمن "أرمن ناغورني كاراباخ" طرفا مشاركاً، في حين دعا أرمينيا الى بذل أكبر قدر ممكن من التأثير على تلك المجموعة الأرمنية من السكان، من أجل إتاحة مسار سلمي لحل النزاع.

هذا يعني أن قرارات مجلس الأمن لم تكن تشكل وثائق اعتراف قانوني لوضع ناغورني كاراباخ من قبل الامم المتحدة.

لذلك بقيت الدعوة الى "حق تقرير المصير" لشعب ناغورني كاراباخ، الذي اعترفت به مجموعة "مينسك" المنبثقة عن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي قائمة ومعلّقة الى حين!

يذكر أنه في مرحلة سيادة الاتحاد السوفياتي، وعندما قرر ستالين إعطاء الأراضي التي يسكنها أكثر من %90 من الأرمن لأذربيجان، تم منح إقليم ناغورني كاراباخ حكما ذاتياً، وبالتالي لم يكن جزءاً من أذربيجان المستقلة".

ووفقاً للأعراف الدولية ودستور الاتحاد السوفياتي، كان لسكان الإقليم "حق تقرير المصير"، لذلك يعتبر الأرمن أن شعب ناغورني كاراباخ عبّر عن إرادته الحرة بالاستقلال بالطريقة التي اتبعتها أذربيجان بانفصالها عن الاتحاد السوفياتي.

30 عاماً من النزاع على الإقليم... ومازال الحل النهائي مجمّداً!

أرمينيا تسمّيه «أراضي محتلة» وأذربيجان تتعاطى معه ضمن سيادتها

«آرتساخ» بالأرمني و«ناغورني كاراباخ» بالأذربيجانية... وترجمته «الحديقة السوداء»

الصراع على النفوذ والتبعية استبعد العامل الديني من المواجهات

إيران الشيعية تناصر أرمينيا المسيحية... وأذربيجان المسلمة تنفتح على إسرائيل وتتبادل معها السلاح مقابل النفط والغاز

الإقليم كان جزءاً من «أرمينيا الكبرى»

ستالين منح الإقليم إلى أذربيجان السوفياتية