صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4567

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

منطق الوفاق الصيني الغربي

  • 15-10-2020

يتعين على صناع السياسات أن يطرحوا على أنفسهم سؤالا مهما: هل تكون المشاركة الاقتصادية القوية أكثر فعالية من المواجهة العنيدة في تحقيق التغييرات السياسية المرغوبة في الصين؟

على الرغم من انحسار قدر كبير من الحيرة والقلق بشأن الصين بعض الشيء خلال أزمة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد19)، فإن المخاوف التي تحرك المواقف الغربية في التعامل مع هذا البلد لم تختف، وربما تعود إلى الظهور في أي لحظة. تمثل هذه التوترات معضلة ضخمة ومربكة للعالم، نظرا للقوة الاقتصادية الهائلة والمتنامية التي تتمتع بها الصين، ومن المؤكد أن الموقف ازداد صعوبة بسبب فشل القوة الاقتصادية الكبرى الأخرى، الولايات المتحدة، في إدارة الأزمة الحالية بأي قدر من الفعالية.

بسبب خلفيتي المهنية، أميل عادة إلى التعامل مع قضايا مثل العلاقة الصينية الأميركية أولا باعتباري خبير في الاقتصاد الكلي. ولكن بصفتي رئيس تشاثام هاوس، كنت أعمل على تطوير رؤية أكثر دقة للقضية، واضعا في الاعتبار الـبُـعد الاقتصادي وأيضا الأبعاد الأمنية، والدبلوماسية، والثقافية، وغير ذلك من العوامل.

لتحقيق هذه الغاية، يبدو من المعقول أن نتبنى "إطار عمل أمثل" وأوسع لفهم إدارة العلاقات بين الصين والغرب. لا أقصد الإفراط في تبسيط الأمور، ولكن إذا كان من الممكن التعبير عن الفرصة الاقتصادية التي تمثلها الصين بالرمز (X) فيتعين على القادة الغربيين الذين يريدون مواجهة الصين بشأن تجاوزات فعلية أو متصورة أن يحرصوا على الموازنة بين التكاليف المحتملة التي قد تترتب على القيام بذلك مقابل هذه النقطة المرجعية.

الواقع أن هذا التفكير طبيعي، وأظن أنه داخل ضمنا في النهج الذي تسلكه الحكومة البريطانية والحكومات الأوروبية في التعامل مع الصين في السنوات الأخيرة، ولكن في اتباع هذا الإطار، يتعين على صناع السياسات أن يطرحوا على أنفسهم سؤالا أكثر صعوبة: هل تكون المشاركة الاقتصادية القوية أكثر فعالية من المواجهة العنيدة في تحقيق التغييرات السياسية المرغوبة في الصين؟

تتطلب الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عقلا منفتحا، فخلال عطلة الأسبوع الذهبي نصف السنوية هذا الشهر في الصين، يبدو أن العديد من المواطنين الصينيين سافروا لمسافات طويلة إلى مختلف أنحاء البلاد دون التسبب في اندلاع موجة أخرى من الإصابات بعدوى كوفيد19، ومع ذلك، عندما أشير إلى هذه الحقيقة في محادثاتي مع غربيين آخرين فإن ردة فعلهم الغريزية الأولى تتمثل في التشكيك في الأدلة السردية ورفض مصداقية البيانات الصينية. وحتى عندما يوافقون على أن الأدلة قد تكون سليمة، تجدهم يزعمون أنهم ليسوا مندهشين، نظرا لدرجة سيطرة السلطات في الصين على الشعب الصيني.

كنت سأتعاطف مع هذه الحجة لو كانت الصين وغيرها من الدول الاستبدادية هي الوحيدة التي نجحت فعليا في منع موجة ثانية خطيرة من الإصابات بعدوى كوفيد19 هذا العام، ولكن بوسعنا أن نجد قصصا مماثلة في أماكن مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يشير إلى أن الأفضل لنا أن نبحث عن الدروس بدلا من رفض الأدلة ببساطة.

قريبا، سيكون لدينا بيانات عن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) في الصين في الربع الثالث من العام، ويتوقع كثير من المحللين أن يروا تسارعا إلى نحو 5% على أساس سنوي، وهو ما يأتي بعد معدل نمو تقديري في الربع الثاني بلغ 2.6%. إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا سبب وجيه يحملنا على الاعتقاد بأن الصين تشهد تعافيا سريعا "على هيئة حرف V" (الارتداد إلى الارتفاع بعد فترة وجيزة من الانخفاض الحاد)، مما يضعها على المسار إلى تسجيل نمو بنسبة 8% في عام 2021.

هذه مجرد توقعات بطبيعة الحال، وأي عدد من التطورات غير المتوقعة من الممكن أن يغير بشكل جذري هذه الحال، كما أظهر عام 2020، ولكن إذا كانت أرقام النمو الحالية دقيقة إلى حد معقول، فإن هذا يعني ضمنا أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في الصين (14.1 تريليون دولار في عام 2019) سيعادل نظيره في الولايات المتحدة (21.4 تريليون دولار) في وقت لاحق من هذا العقد، أو بعد ذلك بفترة وجيزة.

علاوة على ذلك، عند معدل النمو الحالي، تستعد الصين للمساهمة بمبلغ إضافي قدره 1.5 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي في العام المقبل، وسيدفع المستهلكون الصينيون ما يقرب من 40% من هذا النمو. على سبيل المقارنة، يتجاوز مبلغ 1.5 تريليون دولار حجم الناتج المحلي الإجمالي الوطني لكل الاقتصادات باستثناء أكبر خمسة عشر اقتصادا أو ما إلى ذلك. أي أن الصين ستخلق فعليا أستراليا أو إسبانيا أخرى في غضون عام واحد، ولأن الإنفاق الاستهلاكي يظل يمثل حصة متزايدة من توسع الصين، فإن هذا يبين لنا أن حجم الفرص الاقتصادية المعروضة أكبر من أي مبالغة.

هذا عن الاقتصاد الكلي، ولكن لا يجوز لنا أن نتجاهل القضايا الأخرى، ومن الواضح أن انتهاكات الصين لحقوق الإنسان وفيرة بغزارة، وخصوصا في شينغيانغ، كما أفضت حملتها القمعية في هونغ كونغ وتوغلاتها في بحر الصين الجنوبي إلى تصعيد التوترات في مختلف أنحاء المنطقة، كما فعلت مبادرة الحزام والطريق التي تمارس الصين من خلالها نفوذها في بلدان أخرى، ويثير إصرار الحكومة الصينية على التزام حتى الشركات الخاصة بخط الحزب شكوكا حقيقة من منظور الشركات والحكومات الغربية التي تتعامل مع الصين.

هذه مخاوف حقيقية، وهي تعيدنا إلى السؤال الذي يفرضه إطار العمل الأمثل. يتعين على أولئك الذين يدعون إلى تصعيد المواجهة مع الصين أن يزنوا احتمالات نجاح نهجهم على النحو المنشود، وقدرته على الحد من النمو الصيني، وأن يدركوا أنه قد يحد من الفرص الاقتصادية المتاحة للغرب، وإذا تحققت كل هذه النتائج، فمن الممكن أن يقرر القادة الغربيون أن استراتيجيتهم كانت تستحق العناء، ولكن إذا كان احتمال استمرار الصين في تحقيق النمو في حين تتقلص الفرص المتاحة للغرب قائما بشكل معقول، فإن هذا يعني أن سياسة المواجهة ستكون مدمرة للغرض منها تماما.

ربما يكون من المغري أن نعرب عن آرائنا بصخب حول معايير وممارسات بلد آخر، لكن أدلة تاريخية جوهرية تشير إلى أن مواطني أي بلد سيميلون إلى إعطاء الفرص الاقتصادية تقديرا أعلى من أغلب القضايا الأخرى. تنطبق هذه الحقيقة البدهية على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا بقدر ما تنطبق على الصين.

علاوة على ذلك، حتى لو كانت قيادات دولة ما لا تزال تفضل نهج المواجهة بعد النظر في التكاليف المحتملة، فإن فرص نجاحها تصبح أفضل كثيرا من خلال التعاون مع حكومات أخرى في إطار برنامج من المشاركة الإيجابية بدلا من سياسات حافة الهاوية التي يخرج الجميع منها خاسرين. من المؤكد أن الدبلوماسية وغيرها من أشكال المشاركة من شأنها أن تقطع شوطا أبعد كثيرا نحو تغيير معايير أي بلد مقارنة بقعقعة السيوف والحرب التجارية.

إذا حدث التغيير في القيادة الأميركية الشهر المقبل، فلا نملك إلا الأمل في أن يساعد هذا في تمهيد الساحة لبذل جهود متجددة في إطار مجموعة العشرين لإحياء النظام الدولي الذي ظل قائما طوال زمن ما بعد الحرب، وإعادة الحكومات إلى الجلوس على الطاولة ذاتها، والحق أن جميع الأطراف تستطيع أن تؤدي دورا في العمل نحو مستقبل أكثر ازدهارا وشمولية.

* رئيس مجلس إدارة غولدمان ساكس لإدارة الأصول سابقا، ووزير خزانة المملكة المتحدة الأسبق، ورئيس تشاثام هاوس حاليا.

«جيم أونيل»