صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4563

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«غسل الأموال» يخلو من الرقابة على أعمال «وحدة التحريات المالية»!

• مَن يصحح إجراءات جهازها التنفيذي ويراقب قراراته بالإحالة للنيابة أو الحفظ؟
• غياب تطبيق الإفصاح عن الأموال وضبط أسواق السيارات والإبل والمشاهير

في الوقت الذي تتجه المطالبات بتعديل القانون رقم 106 /2013 بشأن غسل الأموال ومكافحة الفساد، تُثار جملة من التساؤلات حول الحاجة الحقيقية لتعديل القانون، الذي لم يمضِ على تطبيقه سوى سبع سنوات منذ صدوره، ومدى فاعلية الجهاز الذي يتولى تطبيق أحكامه.

قبل الحديث عن أي أفكار لتطبيق أحكام القانون رقم 106/ 2013 بشأن غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يجب الإجابة عن جملة من التساؤلات تتعلق بسلامة النصوص الواردة في القانون، ومدى كفايتها لمواجهة التنظيم الذي شرّعت من أجله، ثم البحث عن مكامن الخلل في ضوء ما كشف عنه الواقع العملي إثر تطبيق أحكام القانون.

وقبل التطرُّق إلى هذه التساؤلات، يجب التأكيد على أن قانون غسل الأموال جاء لمواجهة العديد من المثالب التي كان يعانيها قانون غسل الأموال الصادر في عام 2002، والذي كان يوكل للبنوك مباشرة مهمة إخطار النيابة العامة عن شبهات غسل الأموال، فيما ألزم القانون رقم 106/ 2013 البنوك بإخطار الجهاز الذي يتولى تطبيق أحكام القانون، وهو جهاز وحدة التحريات المالية، على أن يقوم الأخير عقب الانتهاء من سلسلة الإجراءات بإبلاغ النيابة العامة في حال تكشَّف له وجود شبهات مالية.

التشريع

وللإجابة عن التساؤلات التي تُثار حول قانون غسل الأموال، وعن فاعلية التشريع، وعمَّا إذا كان يواجه الحالات التي شرعت من أجله؟ فإنه وبعد الرجوع إلى أحكام القانون يتضح قصور أحكام المادة الثانية من القانون في تغطية جرائم غسل الأموال المعاقب عليها في القانون، فضلا عن وجود شبهة بالفقرة الأخيرة من المادة الثانية في تقريرها بحق المحكمة في معاقبة المتهم، حتى لو تمَّت تبرئته من التهم الأولى، وهو الأمر الذي يخالف فلسفة التشريع، الذي جاء ليواجه شرعية الأموال، لا ملاحقتها، مهما كانت مشروعيتها، وهو الأمر الذي يثير فكرة عدم دستورية الفقرة الأخيرة لحكم المادة 34 من الدستور، والتي تؤكد أن الأصل في الإنسان البراءة، فيما تقرر الفقرة الثالثة حق المحكمة بإدانة المتهم بجريمة غسل الأموال، حتى لو قُضي بتبرئته من التهمة الأولى.

ومن المشاكل التي يعانيها القانون رقم 106/ 2013، غياب الرقابة على الجهاز التنفيذي الذي يتولى العمل على تطبيق أحكام القانون والتأكد من سلامة الإجراءات التي يتبعها في التعامل مع الإخطارات التي يتلقاها من البنوك، والتي يحيلها فيما بعد إلى النيابة العامة.

فبينما أعطت المادتان 16 و19 من أحكام القانون الجهاز التنفيذي، ممثلا بوحدة التحريات المالية، العديد من السُّلطات والصلاحيات، إلا أن مواد القانون لم تورد أي ضمانات تلزم الجهاز التنفيذي بالقيام بالدور المنوط به من الناحية القانونية، وهو الأمر الذي يثير فكرة غياب الرقابة على الجهاز التنفيذي، لضمان تطبيق أحكام القانون من حيث إضفاء وسائل الرقابة على الجهاز التنفيذي للوحدة، كالتأكد من الإخطارات الواردة من البنوك، ومن سلامة تلك الإخطارات، وضمان الإحالة التي ترد إلى الجهاز من البنوك مباشرة إلى النيابة العامة من دون تردد أو اعتبار!

مواجهة البنوك

ورغم تطبيق أحكام القانون 106/ 2013 ومنذ سبع سنوات، لم يقدِّم الجهاز التنفيذي أي آلية معلنة للأعمال والإجراءات التي يتخذها في مواجهة الإخطارات التي يتلقاها من البنوك للتأكد من مدى مطابقتها للمعايير والصور المعتمدة دوليا لمواجهة الإخطارات المعنيَّة بغسل الأموال والآليات المتبعة في التحليل والتتبع المالي للأموال المشتبه بها من قبل البنوك، والتأكد من مصادرها قبل إحالتها إلى النيابة العامة.

كما لم يقدِّم الجهاز التنفيذي الآليات التي يتبعها تجاه البنوك في سبيل التثبت من صدق المعلومات المُرسلة من البنوك إلى الجهاز، وعمَّا إذا كانت تلك الإخطارات تمثل كل الإخطارات أم هي جزء منها، وهل كانت ضمن سلسلة إخطارات لم تبلغ عنها البنوك إلى الوحدة، وسبب تقاعسها، تمهيدا لإيقاع المخالفات بشأنها؟

بينما الأمر المهم، والذي كشف عنه الواقع العملي، هو غياب دور وحدة التحريات المالية للتعامل معه، والاكتفاء بالدور الذي تقوم به عدة جهات حكومية، وهو دور الوحدة في بسط أذرعها على منافذ دخول وحركة الأموال النقدية والجارية في الدولة، وهو الأمر الذي ساهم في توفير المناخ المناسب لجرائم غسل الأموال، بسبب عدم ضبط تلك المنافذ.


حركة الحسابات

فتتبع وحدة التحريات للأموال، من خلال حركة الحسابات في البنوك، ما هو إلا تتبع لحركة الأموال في أحد المنافذ الواردة التي تجري فيها الأموال، ممثلة بقطاع البنوك، فيما تعتمد الوحدة على رقابة الجهات التنفيذية الموجودة في عدد من الأجهزة الحكومية لتتبع الأموال في العديد من القطاعات اعتمادا عليها، في حين أن القانون أوكل حصرا لوحدة التحريات القيام بذلك الدور، وهو ما كان يتعيَّن عليها القيام به، لا أن تعتمد على الجهات التنفيذية في عدد من الوزارات، وهو ما جعل منها وحدة تمارس عملا ارتباطيا في البنوك، في حين أنها تتلقى التقارير من باقي الجهات الحكومية، وهو الدور الذي لم يقصده المشرِّع في أحكام القانون رقم 106/ 2013 على الوحدة للقيام به.

وذلك الأمر يستلزم معه عمليا نهوض عمل الوحدة نحو تطبيق جميع أحكام القانون، بما يستتبع منها القيام بتتبع حركة الأموال النقدية والعينية، وإنفاذ رقابتها عليها، عبر إيجاد آليات لتتبع منافذ الأموال، ومنها إيجاد مكاتب لتلقي الإخطارات في الجهات الرسمية بالدولة، وإيجاد آليات عملية وفنية لإتمام عملية الرقابة على الأموال النقدية والعينية في القطاعات التجارية والمهنية، وتشكيل فرق لرصد حركة الأموال، تمهيدا لإبلاغ النيابة العامة بشبهات غسل الأموال، بعد التأكد من وجود مظاهرها، وتحليل حركتها المالية.

دور الأجهزة

ويكشف الواقع العملي غياب دور وحدة التحريات المالية لتتبع حركة الأموال في العديد من القطاعات، منها قطاع بيع وشراء السيارات، وقطاع بيع وشراء الذهب والمعادن والخردة والحديد والسكراب، وقطاع بيع وشراء الإبل والماشية، وقطاع أعمال المقاولات بشكل عام، وقطاع الصيرفة، وقطاع الإعلانات والدعايات على المنصات الإلكترونية عبر مشاهير التواصل الاجتماعي، فضلا عن غياب دور الأجهزة الفنية في الدولة للكشف عن حركة الأموال وتدقيق دخولها وخروجها عبر المنافذ البرية أو الجوية أو البحرية، وغياب عمليات الإفصاح، وغياب تحديد الحد الأدنى لصرف الأموال النقدية وتداولها في السوق ولدى المواطنين، وعدم وجود قيود لطلب صرف تلك الأموال النقدية من البنوك، ما يسهل عملية تداول النقد بكميات كبيرة ويسهل اختلاطها مع الأموال المغسولة أو المشتبه بها، ويدخلها دائرة الأموال المشروعة.

ومثل هذا الغياب لدور الوحدة في ضبط حركة الأموال ومنافذها يستلزم معه النظر في عملها كمنظومة متكاملة لملاحقة وتتبع الأموال بإشرافها مباشرة وعبر أجهزتها دون الاعتماد في إتمام ذلك على الأجهزة التنفيذية الأخرى في الدولة، والتي تعاني ضعفا في أدائها عند القيام بأعمالها الاعتيادية، فكيف لها أن تولي فاعلية كبيرة في هذا الدور الرقابي الكبير المنوط صراحة ووفق أحكام القانون رقم 106/ 2013 بوحدة التحريات المالية؟ الأمر الذي يوجب على الوحدة أن توجه عملها نحو كل منافذ حركة الأموال في الدولة، ودون الاعتماد - كما هو حاليا - على تلقي الإخطارات من البنوك، بل يتوجب عليها أن تنتقل إلى إيجاد الآليات لمراقبة وتتبع الأموال في كل منافذها، والتي يعتمد عليها تجار غسل الأموال بشكل مباشر، والحرص على اختلاطها بالأموال المشروعة، الأمر الذي يرهق البنوك في الكشف عن حقيقة تلك الأموال ومشروعية مصادرها.

القصور

وعن المشاكل العملية التي كشفها التطبيق العملي لأحكام قانون غسل الأموال، فإن الواقع العملي يحتم إنشاء هيئة للرقابة على أعمال الجهاز التنفيذي، كإنشاء مجلس للرقابة أو للمفوضين، أسوة بالمجلس المشكَّل في هيئة مكافحة الفساد أو أسواق المال أو جهاز التنافسية، لأن الواقع العملي الحالي، إثر غياب الرقابة على الجهاز التنفيذي، يسمح بانفراده باتخاذ القرارات، مستغلا القصور بأحكام القانون في إيجاد جهاز للرقابة على عمل الجهاز التنفيذي للوحدة، وكذلك لأحكام المادة 16 من القانون، التي منحت الوحدة الاستقلالية، والتي بالإمكان الحفاظ عليها مع وجود جهاز رقابي تُمنح له صلاحيات ضبط قرار إحالة البلاغات وحفظها والدور المنوط للوحدة في تتبع حركة الأموال والرقابة على منافذ الأموال، حتى لا تكون الاستقلالية هي الأخرى ذريعة لعدم الرقابة أو محاسبة الجهاز التنفيذي للوصول إلى الكفاءة المطلوبة لعمل وأداء الوحدة، وعليه يتعيَّن النظر إلى إيجاد آليات للرقابة على الجهاز التنفيذي الذي يمارس عمله في إدارة الوحدة.

اللجنة الوطنية والقوانين

من بين الانتقادات التي تواجه عمل وحدة التحريات المالية، قصور أحكام اللائحة التنفيذية لها. ففي الوقت الذي نصَّت اللائحة على إنشاء اللجنة الوطنية لغسل الأموال، ممثلة من جميع الجهات المعنيَّة في الرقابة، كالخارجية والتجارة والبنك المركزي والداخلية والنيابة وهيئة مكافحة الفساد، سمحت اللائحة لمدير الوحدة أن يكون رئيسا للجنة غسل الأموال، وهو الأمر الذي يثير تساؤلا مهما: مَن يساعد مَن؟

فهل من المنطق أن يتولى مدير الوحدة، وهو مَن يتولى إدارة جهاز تنفيذي، لجنة مكوَّنة من كل الوزارات، أم كان يتعيَّن تغطيتها من جهاز معاونة، وتكون الوحدة عضوا فيها، خصوصا أن دور عمل اللجنة الوطنية إرشادي، وليس تنفيذيا أو رقابيا حقيقيا؟

ومن بين الملاحظات الواردة على أحكام قانون غسل الأموال، هو إشارته في ديباجة القانون إلى أحكام تم إلغاؤها، كقانون التجارة وقانون هيئة مكافحة الفساد، وهو الأمر الذي يثير شبهة سريان أحكام قانون الوحدة على تلك القوانين، لكونها لم تعد موجودة اليوم، وتم إلغاؤها نهائيا، وصدرت بعدها قوانين أخرى، وهو الأمر الذي يتطلب معه النظر إلى تعديل ديباجة القانون عند تعديل قانون غسل الأموال.

ضرورة إيجاد آليات لضبط كل منافذ الأموال وتوافر الحد الأدنى للتعامل النقدي

كيف تسمح اللائحة لمدير الوحدة بترؤس اللجنة الوطنية لغسل الأموال؟

القانون لا يسمح لموظفي الوحدة بالانتقال إلى البنوك للتأكد من صحة الإخطارات المرسلة