صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4536

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

قصة صورة تاريخية عمرها 119 عاماً

صورة عمرها أكثر من مئة سنة، وما زال الاختلاف حولها قائماً، والجدل بشأنها مدار اجتهاد، وروايات متعددة لم تستقر بعد على صيغة واحدة. عدت إلى ما أتيح لي من مصادر، وما يتطلبه البحث من مراجع ذات صلة للمساهمة في الإحاطة بموضوع الصورة، وهي المصادر التي تناولت الحدث، لكن من زوايا مختلفة. نحن أمام روايات، ليس بينها جامع مشترك، فمن هم بالصورة؟ ومتى التُقطت؟ ومن قام بالتقاطها؟ أسئلة تدور في فلك الرواة، ونأمل أن يشكل هذا «الاستطلاع التاريخي» مدخلاً مناسباً لجلاء الحقيقة وتبيان ماهيتها، متى ما توافرت أركانها.

الرواية الأولى: الزامل والإهداء للشيخ سعد

البداية من الدراسة التي صدرت مؤخراً للكاتب فيصل الزامل، ونشرت في جريدة "الجريدة" بعنوان "صقر الغانم 1845 – 1918"، إذ أورد رواية سبق أن أشار إليها الدكتور وليد السيف، جاء فيها ما يلي:

"هذه الصورة أهديت إلى الشيخ سعد العبدالله السالم، بعد تحرير الكويت، من قبل أحد الباحثين المستشرقين الإنكليز، فقام بإهداء نسخة عنها إلى السيد بدر يوسف بن حسين الرومي، الذي زوده بالأسماء الكاملة للأشخاص الذين في الصورة، وهم: الجالس صقر الغانم وإلى يساره ابنه غانم، ثم على بن أحمد شاهين بن محمد الغانم (عرف بين الناس بلبسه العقال الأبيض، ولم يعرف عن الشيخ سالم المبارك لبس العقال الأبيض، ومن نسب الصورة للشيخ سالم فقد أخطأ) وعبدالله الغانم والد سلطان الغانم، ويعقوب يوسف الغنيم، مع ملاحظة أن يعقوب الغنيم اختفى تماما من الوجود مع اعتقال صقر الغانم، وليس صحيحاً أن الجالس هو الشيخ مبارك الصباح، فالأشخاص الواقفون من حوله والمذكورة أسماؤهم معروفون، من أقارب صقر ومن رجاله الموثوقين، ومن قال بغير ذلك ولم يتعرف على بقية الظاهرين في الصورة، فقد جانبه الصواب".

الرواية الثانية: الفرحان والبارجة «فارياغ»

قبل ذلك روى الباحث فرحان عبدالله الفرحان «قصة الحصول على صورة الشيخ جابر المبارك بعد ثمانين سنة» ونشرها في «القبس» بتاريخ 23 أغسطس 2013 الصفحة الثامنة، وتفضل بشرح الخلفية التاريخية للتقارير الروسية عن الكويت والخليج العربي وربطها بزيارة الطراد الروسي «فارياغ»، وكيف التقطت صورة الشيخ جابر المبارك الصباح بعد رحلة البحث التي قام بها السيد بهاء الإبراهيم وحصوله على تلك الوثائق من الأرشيف المركزي للأسطول البحري السوفيتي في ليننغراد، ومن واقع زيارة الطراد «فارياغ» يوم 19/12/1901 إلى الكويت واستقبالهم من قبله أثناء غياب والده الشيخ مبارك.

وقد حصل على صورة ورسم الشيخ جابر المبارك، والتي قدمت للأمير الشيخ جابر الأحمد، بحسب رواية الأخ فرحان.

وفي ذاك التحقيق نشر ثلاث صور، واحدة منها للشيخ جابر المبارك التقطها في ديسمبر 1901 ضابط بحري روسي على ظهر «فارياغ»، وهي الصورة مثار الجدل؟ دون أن يشير إلى اسم الشيخ مبارك؟

الرواية الثالثة: الكويت في عيون أوائل المصورين

كتاب «الكويت في عيون أوائل المصورين» لـ وليام فيسي وجيليان غرانت، الصادر عن مركز لندن للدراسات العربية (1998) يستعرض في مقدمته علاقة المصورين الأوائل مع الكويت، والذين ينتمون إلى القوى الإمبراطورية الأربع وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا، حيث وصل الواحد تلو الآخر مع بداية القرن العشرين، ويضيف أن الفرنسيين كانوا السباقين، فالسفينة «دروم» زارت الكويت يوم 14 أكتوبر 1900 ونزل ربانها إلى البر، حيث استقبله الشيخ جابر، وتقول التقارير إن أحد الضباط التقط الصور الفوتوغرافية، لكنها لم تخرج إلى النور، وربما تكون قد فقدت!

أما الطراد الروسي «فارياغ»، وهو في طريقه إلى الصين، فقد توقف في الكويت في إطار جولة على الموانئ الواقعة على جانبي الخليج، وكان على متن السفينة جهازا كاميرا استخدما في التقاط الصور، وانتهى الأمر بها لأن تحفظ في مقر قيادة القوت البحرية بمدينة سانت بطرسبرغ.

وفي موازاة ذلك، كان للمصورين هنري ويغام H.J.Whighan واللورد كيرزون جولات وصور عن الكويت في تلك الحقبة، وسافر ويغام بصحبة المقيم السياسي في الخليج كمبل إلى الكويت، في إطار جولته الشتوية المعتادة للخليج في موسم 1902-1903، وظهرت صورة ممتازة للشيخ مبارك وابنه الشيخ جابر في كتاب ويغام المنشور بعنوان «المشكلة الفارسية»، الصادر عام 1903.

بقي القول إن هيرمان بورخاردت، وهو يمثل الجانب الألماني قد وصل إلى الكويت عام 1903 في أعقاب زيارة كيرزون مباشرة، بحجة متابعة بعض الدراسات في علم الأثنوغرافيا.

وبحسب ما أورده كتاب «الكويت في عيون أوائل المصورين»، فقد جاء شرح الصورة على الشكل التالي: الشيخ مبارك (جالسا) مع أبناء أسرته وحاشيته، ومن ضمنهم ابنه الشيخ جابر (يسار)، الذي لعب دوراً بارزاً في استقبال الزوار الأجانب بالكويت، ثم خلف أباه في الحكم عام 1915. إتش جاي ويغام 1902-1903.

الرواية الرابعة: رواية وليد السيف


كتاب د. وليد حمد السيف بعنوان "الشاعر الملا على الموسى السيف – سيرته وشعره 1875-1946" والصادر عام 2011، وفي الصفحة 113 يورد تحت فصل "الملحق" سيرة الحاج سليمان الموسى السيف، وهو الشقيق الأكبر للشاعر الملا علي، ويفرد بصفحة واحدة "للصورة" – ذات الشأن- قائلاً إنها تعود إلى "أبو غانم" صقر غانم سعد الغانم، حيث كان قائداً لجيش الشيخ مبارك الصباح، وعلى يساره ابنه الطفل غانم الذي عينه المجلس التشريعي عام 1938 مديراً للشركة، وفي الخلف من اليمين: علي بن أحمد شاهين بن محمد الغانم، وعبدالله الغانم والد سلطان الغانم، ويعقوب يوسف الغنيم، والذي ينحدر من آل زايد، وينسب الصورة إلى السيد بدر يوسف بن حسين الرومي والرواية نشرها في "القبس" يوم 9/12/1999. وهذه قصة مختلفة تماماً عن كل ما ذكر من قبل ومن بعد.

الرواية الخامسة: الغنيم والمغني في «أخبار لندن» وأول صورة

في كتاب "الكويت في مجلة أخبار لندن المصورة" من إعداد وتقديم أ.د. عبدالله الغنيم والصادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية عام 2012، إضافة إلى ما نشره في مجلة "رسالة الكويت" الصادرة بتاريخ يناير 2012، يقدم د. الغنيم تعريفاً عن المجلة بأنها من أوائل المجلات الأسبوعية في أوروبا، صدر العدد الأول منها عام 1842، واستمرت بالصدور أسبوعياً حتى عام 1971 إلى أن توقفت نهائياً عام 2003، وكانت من أفضل المجلات التي اهتمت بتصوير الأحداث العالمية، وعملت على توثيق مراحل مهمة من تاريخ الكويت ومجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة، وبداية الاهتمام بها حصوله على ورقتين غير متتابعتين أهداهما السيد/ خالد عبدالرحمن العبدالمغني، وهما المنشورتان في العدد الصادر في 16 أكتوبر 1901 وتشتملان على ثلاث صور فوتوغرافية للكويت؛ الأولى صفحة 562 للشيخ مبارك الصباح مع أبنائه جابر وسالم وحمد وأحد أتباعه، والثانية للواجهة الجنوبية لقصر السيف والثالثة للجمرك البحري.

ثم يتوقف بالنشرة عند قصة "الصورة"، وهي بتقديره أول صورة تنشر للشيخ مبارك مع أبنائه، وبخاصة صورة الشيخ جابر المبارك، إذ كان يظن أن أول صورة له كانت على يد البعثة الروسية، التي جاءت على ظهر الطراد البحري الحربي فارياغ (Varyag)، فقد كانت زيارة السفينة المذكورة في الفترة من 8-11 من ديسمبر 1901م، في حين أن تاريخ نشر الصورة التي بين أيدينا يعود إلى أكتوبر 1901م، أي قبل نحو شهرين من زيارة الروس للكويت، وعليه فإن مجلة "أخبار لندن المصورة" هي أسبق المجلات في نشر صورة ثلاثة من حكام الكويت.

ولم تبين مجلة "أخبار لندن المصورة" من هو مراسلها، الذي بعث إليها بالصور الخاصة بالكويت أو بالخبر المتعلق بها، ولكن الظن يتجه نحو الصحافي البريطاني هنري ويغهام "H.J.Whigham"، الذي زار الكويت في ذلك الوقت مراسلا لصحيفة (morning Post)، وقد نشر على إثر تلك الزيارة كتابا بعنوان "المشكلة الفارسية" (The Persian Problem)، في نيويورك عام 1903م، وخصص الفصل السابع منه للحديث عن الكويت بعنوان لافت للنظر هو "أهمية الكويت" (The Importance Of Kuwait)، وتضمنت الصفحة "96" صورة الشيخ مبارك مع أبنائه، المنشورة في مجلة "أخبار لندن المصورة" نفسها، مما يدل على أنه هو صاحب الصور الفوتوغرافية الواردة في المجلة المذكورة.

والصورة كما وردت في المجلة صفحة 15 والكلام المرفق جاء كالتالي: الشيخ مبارك وبجانبه ابنه الشيخ حمد، والوقوف – كما نظن – الشيخ سالم المبارك (يمين) ثم أحد الأتباع، ثم الشيخ جابر المبارك

The Sheikh Mubarak of Kuwait, His son, and three attendants. (iln – oct. 19, 1901).

الرواية السادسة: المستودع والمستحضر

اعتمد الباحث "خلف بن صغير الشمري" في كتابه "المستودع والمستحضر في أسباب النزاع بين مبارك آل صباح ويوسف آل إبراهيم 1896-1906" الصادر عام 2006، من ضمن المراجع على كتاب "ويغام" – المشكلة الفارسية- وهو من المؤرخين الأجانب الذين زاروا الكويت خلال تلك الفترة أو بعيدها، وهو كتاب مهم لصحافي بريطاني له نشاط استخباري احتوى فصلاً عن الكويت، التي زارها عام 1901 وكتب عنها عن كثب. وكان العثور عليه سابقة من حيث نوعية المراجع التي يتم الاعتماد عليها في الكتابة عن تلك المرحلة تحديداً.

أصل الصورة في كتاب «ويغام»
بالعودة إلى الكتاب الأم، وهو "المشكلة الفارسية"، الصادر عام 1903؛ فقد جرى الحصول على الطبعة الأولى إلكترونياً (أون لاين) من موقع HathiTrust Digital Library، والمنقول من مكتبة جامعة كاليفورنيا، وتبين أن زيارة مؤلف الكتاب للكويت كانت بحدود 1901 أثناء قيامه بجولة زار خلالها البصرة والمحمرة وبلاد فارس، تعرض فيها للحجر الصحي على يد جنود أتراك لمدة يومين عندما وصل إلى البصرة.

احتوى الكتاب على 12 صورة و5 خرائط جغرافية وضعها في صفحة الفهرس، واحدة من الصور، والتي تم الاستناد إليها في المراجع اللاحقة، وهي موضوع إستطلاعنا هذا، احتلت صفحة كاملة بالفصل السابع والمعنون بـ "أهمية الكويت"، واكتفى المؤلف بشرحها بثلاث كلمات: "مبارك، شيخ الكويت".

وفي الكتاب حديث عن وضع الشيخ مبارك، والمشاكل التي تواجهه، وإشارة إلى وصول زوارق حربية بريطانية إلى "ميناء الكويت" قبل وصوله إلى هنا بثلاثة أسابيع، والضباط الذين نزلوا الكويت عملوا على التعريف بكرة القدم، وراحوا يبحثون عن أرض مناسبة للعبة الكريكيت، وكانت هذه اللعبة مدار اهتمام الشيخ مبارك نفسه.

الصورة موضوع التحقيق في هذا الكتاب الأم لم تنسب إلى أحد، وكانت المرة الأولى التي ينفرد بنشرها المؤلف "ويغام".

تلك هي المصادر الست، التي قمنا بجمعها، بغية الاستدلال على الحقيقة، آملين أن نكون قد استوفينا متطلبات البحث.