صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4491

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«كويت الغد» التي نحلم بها أن تكون

لا يمكن فصل المجتمعات عن ماضيها، كما أن القوانين لا تُغير الثقافات، فإذا أخذنا بهذا المنطق فإن احتمال أن نغيّر في منظومة الإدارة، وطريقة صنع السياسات بعد الجائحة، ضئيل؛ فقد فاتنا أن نتعلم دروساً من الكارثة الأولى، وهي الغزو العراقي. الاستفادة من الكوارث تحتاج إلى إدارة سياسية لديها مشروع دولة حديثة، وخطة عمل، وبرنامج على الأرض، والاستعانة بكفاءات معززة برغبة التغير المجتمعي. صلب العوار في تعطيل الإصلاح هو العلاقة غير الصحية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خلال العقود الأخيرة، مما فتح باباً للتسيب إلى حد الفساد؛ فإذا أردنا «كويتاً أخرى» فعلينا على الأقل فتح ثمانية ملفات «عجلى» للدراسة الجادة.

أولاً: إنتاج سياسة عامة فعالة تحقق الأهداف المرجوة للمجتمع، تعتمد على جودة المعلومات التي يمتلكها صاحب القرار؛ فنحن حتى اليوم نفتقد مراكز البحث، ومؤسسات جمع وتحليل ومقارنة المعلومات بكل المجالات في مؤسساتنا التنفيذية والتشريعية؛ فبدون وجود معلومات منظمة ودقيقة، سيضعف الهيكل التنفيذي للدولة، مما يقود إلى القرار الخطأ.

ثانياً: تقول لنا الدراسات الدولية إن الاقتصاد العالمي سيفقد بين 9 و12 تريليون دولار حتى أواخر أبريل، وتتوقف المجتمعات الصناعية عن الإنتاج، ولأننا دولة تعيش على الريع النفطي، فإن التأثير الاقتصادي سيكون عميقاً وطويلاً، بسبب تدني أسعار النفط، ومن الواضح أنه لا سياسات اقتصادية مستقبلية قد أدخلت في غرف التفكير، لوضع خطط لمواجهة التحديات الاقتصادية على مستوى الدولة أو القطاع الخاص، بل طُرح بعضها على العامة في وسائل التواصل، في مظهر خلافي جانبي بين «النفط» و«المالية»، وفي صورة توجع قلب المتابع، ذلك يفضح طرق الإدارة السلبية لملفات حيوية لاسيما أن أسعار النفط ستبقى متدنية فترة طويلة.

ثالثاً: منظومة الفساد تَبين أنها مستشرية وتعريفها «استخدام سلطة لتحقيق مصلحة شخصية»، وقد كشفت الجائحة المستور، وإذا لم تتم المعالجة هذا الفساد على المستوى الإداري والقانوني والأخلاقي فلا إصلاح يرتجى.


رابعاً: من الأرقام المتوفرة لي حتى الأول من شهر مايو أن نسبة الإصابة بـ «كورونا» للكويتيين هي 18 في المئة، و82 في المئة للمقيمين الضيوف، وإن صحت هذه النسبة (نعود من جديد إلى دقة وجودة المعلومات)، فإن الحديث عن تعديل التركيبة السكانية، التي يوجد فائض من الدراسات حولها، يصبح ملزماً، فطريقة سكن بعضهم وثقافتهم الاتكالية شكلتا عبئاً على الدولة والمجتمع، والقضية هنا مركبة، ليست فقط تجارة إقامات، بل تعديل سياسات شاملة تقوم بها الدولة.

خامساً: التقنية هي المستقبل، فقد كشفت الجائحة فقراً شديداً في جودة التعليم بالكويت، فمن حيث الكم هناك ميزانيات ومؤسسات وبشر، أما من حيث الكيف فقد اتضح الفقر العلمي وضحالة التراكم المعرفي، وظهر ذلك الفقر بما يمكن أن يسمى انتشار «أصحاب نصف الاختصاص»، كالذي يفتي في علوم الصحة، وشؤون الدين، والسياسة، والاقتصاد، ومن جهة أخرى هناك ضبابية في استخدام الوسائل الحديثة (التقنية) في التعليم عن بُعد، الذي أصبح منذ عقود عالمياً! فالتقدم العلمي سيولد لا مساواة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية، ويشكل الفارق بين الدول التي تسيطر على المعرفة الحديثة، وتلك المحرومة منها!

سادساً: كشفت الجائحة قصوراً في المهنية الإعلامية، وزادت فترة الحظر المنزلي من إشاعة المعلومات المضللة، كما كشفت عجزاً في الجهاز الرسمي لتعقب تلك المعلومات المضللة والخاطئة وتصحيحها، إلى جانب القصور في تدفق المعلومات الصحيحة، وقد ساعد عاملان على ذلك، الأول: تدني التدريب المهني للفاعلين الإعلاميين، والثاني نقص المناعة المعرفية لدى أغلبية الجمهور.

سابعاً: دون تقليل النجاح النسبي للقطاع الصحي، فإن زيارته مجدداً بعد الجائحة ستكون أمراً ضرورياً، فمؤسسة التقدم العلمي منذ سنوات طلب منها دراسة لتطوير الخدمات الطبية في الكويت، صرف عليها جهد ومال، ثم جاء وزير جديد وعلّق الدراسة (العوار الذي يتكرر في أكثر من مكان)، لأن السياسة الصحية أو التعليمية أو الاقتصادية، تقليدياً، سياسة وزير، بدلاً من أن تكون سياسة دولة! وقد اتضح أن التدريب والتعليم الصحي المتخصص والفني أولوية لا يجادل أحد فيها! ولذلك فإن دراسة سياسة المنظومة الصحية إدارياً وفنياً من أولى الأولويات.

ثامناً: بعكس التيار العام، فإن بعض العالم سيزداد حاجة إلى بعضه الآخر، وتصبح التكتلات الإقليمية محاور لصناعة العلاقات الدولية المستقبلية، لذلك على صعيد الخليج، فإن تفكير الخليج في مقولة أن «الكل أكبر من مجموع أجزائه» واجب، كما أن الانتقال إلى عالم الغد يحتاج إلى التكاتف، بعيداً عن الأنانية والمصالح الضيقة.