صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4499

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مخيم الهول واحتمال إعادة إحياء تنظيم الدولة الإسلامية

بعد سقوط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مارس الماضي، وانتهاء سيطرته على الأرض، ظل مخيم الهول في شمال سورية القلب النابض للتنظيم، فخلال السنوات الخمس الأخيرة، صارت منطقة الهول السورية من المناطق التي انتشرت فيها الأفكار المتطرفة بشكل واسع سواء أكان على يد تنظيم "داعش" أو بعض الجماعات الأخرى المتطرفة، وعلى الرغم من أن المخيم يعاني فقر في البنية التحتية والاكتظاظ الشديد وهذا ليس بجديد، إلا أن أزمة الصحة العامة العالمية قد خلقت حاجة ماسة لمعالجة المشاكل المتوطنة داخله.

ويذكر أن مخيم الهول الذي يأوي حاليا الآلاف من أسر تنظيم "داعش"، قد تم بناؤه منذ ما يقرب من 30 عاماً لإيواء اللاجئين العراقيين الذين فرّوا إلى الحدود السورية خلال حرب الخليج، وقد تمّ استغلال المخيم مرة أخرى كمأوى للعراقيين بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 باعتباره أحد المخيمات الرئيسة الثلاثة على الحدود السورية العراقية، واستهدف تنظيم "داعش" منطقة الهول كونها من المناطق الحدودية التي كان يسهل اختراقها خلال سنوات توسعه.

وعلى هذا النحو، منح الموقع الاستراتيجي المنعزل للمخيم، والذي يطل من المناطق الحدودية النائية، تنظيم "داعش" مساحة جيدة لنشر الأفكار المتطرفة بين العشائر العربية القاطنة في تلك المنطقة.

بالنظر إلى موقعه، أصبح مخيم الهول نقطة تجمّع للمتشددين من مقاتلي داعش الذين تم أسرهم خلال المعارك مع التنظيم، لذلك تنظر قيادة "داعش" الحالية إلى المخيم على أنّه معقل رئيس للتنظيم بسبب العدد الهائل لأنصار التنظيم القاطنين داخل المخيم من مختلف الجنسيات حول العالم، وخلال السنوات القليلة الماضية، وصل عدد المحتجزين داخل مخيم الهول إلى أكثر من 12 ألفا من المتشددين أغلبهم عوائل تنظيم "داعش" من أطفال ونساء، ومن ثم، حذر الخبراء مرارا وتكرارا من أن الوضع داخل المخيم يمثل تهديدا كبيرا على الأمن الدولي والإقليمي.

في السنوات الأخيرة، كانت هناك عدة عوامل هيأت الظروف لسكان المخيم ومكنتهم من المساعدة في قيادة إحياء تنظيم "داعش"، ففي حين أن اغلب المناطق في شمال شرق سورية معزولة، إلا أن هناك أجزاء من مخيم الهول تتمتع بانفتاح أكبر على العالم الخارجي، وفى هذا الصدد، ينقسم المخيم إلى قسمين، القسم الخاص بالسوريين والعراقيين، والذي يمثل القسم الأكبر في المخيم حيث يتمتع المحتجون بدرجة عالية نسبيا من حرية الحركة والتنقل، وهناك أيضا القسم الأصغر المعروف باسم "الملحق"، والذي يتألف في الغالب من الأجانب.

يبقى السوريون بشكل خاص متصلين نسبيا بالحياة خارج المخيم، إما من خلال الاستخدام القانوني للأجهزة المحمولة وآليات الاتصال الأخرى أو مالياً، أو من خلال تحويل الأموال عن طريق نظام الحوالة، ومع ذلك قد يتيح انفتاح مخيم الهول على العالم الخارجي إمكانية التواصل بين مؤيدي التنظيم وخلاياه داخل المخيم وبين المنتمين إلى التنظيم في شتى أنحاء العالم.

وفي حين يصعب تقييم عدد النساء اللاتي لا يزلن مواليات لتنظيم داعش داخل المخيم، فإن أولئك الذين يدعمون التنظيم لم يتم فصلهم عن بقية المخيم، ونتيجة لذلك، صار السكان داخل المخيم يتشربون الأفكار المتطرفة لعدة سنوات، وعلى هذا النحو، لا يزال سكان المخيم بأكمله يعيشون نمط الحياة نفسه الذي كانوا يعيشونه خلال حكم "داعش"، وذلك على الرغم من المراقبة الخارجية من قبل قوات سورية الديمقراطية، وفما زالت مصطلحات مثل (القتل وقطع الرؤوس، والكافرين، والغزوات، والثائر، والخلافة) دارجة بشدة في الحياة والنقاشات اليومية بين عوائل التنظيم، وفي هذا الصدد، شكلت نساء "داعش" لجانا سرية داخل المخيم لمتابعة الحياة الشخصية لسكان المخيم لمعرفة مدى ما إذا كانوا متمسكين بأفكار التنظيم أم لا، كما شكلت خلايا تنظيم "داعش" ما يسمى جهاز الحسبة أو (الشرطة الإسلامية) داخل المخيم، والذي يتكون اغلب عناصره من النساء الأجنبيات.

بالإضافة إلى ذلك، صارت حوادث العنف داخل المخيم شائعة، حيث سجل المخيم العديد من أحداث العنف المرتبطة بالتطرف، ففي أغسطس عام 2019 قامت بعض النساء الأجنبيات بقتل امرأة من الجنسية الإندونيسية داخل خيمتها بسبب عدم التزامها بالقواعد التي فرضتها نساء تنظيم داعش في المخيم، كما أن حوادث الطعن مستمرة بشكل يومي من قبل الأطفال المراهقين أو ما يعرفون بـ"أشبال الخلافة" لكل من يخالف قواعد تنظيم داعش داخل المخيم.

وعلى الرغم من خطورة الوضع داخل المخيم والحاجة الماسة لاحتوائه وإعادة تأهيل العناصر المتطرفة فيه، فإن هناك عدة عوامل حالت دون السيطرة على حوادث العنف والتطرف داخله، منها ضعف وفقر البنية التحتية من خدمات معيشية وتعليمية، ونقص الدعم المحلى والدولي، وغياب أي برامج شاملة لإعادة تأهيل المقيمين في المخيم وخصوصا للأطفال.


خلال الأشهر القلية الماضية، ساهم التوغل العسكري التركي الأخير في سورية في خلق ظروف مواتية لإعادة إحياء التنظيم، حيث بدأت تركيا توغلها في سورية في أواخر العام الماضي بهدف إنشاء "منطقة آمنة" على الحدود داخل أراضي قوات سورية الديمقراطية، وذلك بعد تلقيها الضوء الأخضر من قبل الرئيس الأميركي ترامب.

ومنذ شن الهجوم التركي على سورية في أكتوبر 2019، ساءت الأوضاع داخل المخيم، وعلى الرغم من أن قوات سورية الديمقراطية ما زالت محتفظة بسيطرتها على المخيم، إلا أن التوغل التركي قد دفع الكثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت قوات سورية الديمقراطية ما زالت تسيطر على الأوضاع داخل المخيم، وذلك في ظل المشكلات التي تعانيها تلك القوات والتي تمر بضغوط متعددة.

فمنذ التوغل التركي، شرعت قوات سورية الديمقراطية في تخفيض عدد القوات في منطقة الهول وذلك تحسبا لأي غزو تركي محتمل، ومع ذلك، قد يؤدي هذا التخفيض إلى إضعاف قدرة هذه القوات على تأمين المخيم ويوفر فرصة أكبر للجماعات المتطرفة للمناورة داخل المخيم، والخروج منه، وتهريب البضائع، وربما إعادة تجنيد المتطوعين.

علاوة على ذلك، أصبح الوضع صعبا بشكل خاص حيث يواجه المخيم احتمال تفشى جائحة فيروس كورونا، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية، وفي حين فرضت السلطات المحلية حظر التجوال التام والجزئي وأجرت الفحوصات الطبية اللازمة للحالات المشتبه فيها، ونجحت في السيطرة على تفشي الوباء داخل المخيم، فإن عدم تهيئة المراكز الطبية قد يؤدي إلى تفشي الوباء بشكل سريع داخل المخيم.

تتشابك مسائل الصحة العامة ومكافحة التطرف في مخيم الهول، حيث سيستحيل معالجة ظروف الاكتظاظ في المخيم بشكل فعال حتى يتم وضع برامج لمكافحة التطرف ويتم تفعيلها، وإن احتواء الفكر الداعشى المتنامي داخل مخيم الهول يتطلب أن يقوم المجتمع الدولي والحكومات المشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب بالبدء في حوار جاد لإيجاد حل جذري للوضع الراهن في المخيم.

وللأسف، لن تتمكن السلطات المحلية من معالجة هذه القضية الشائكة دون الحصول على دعم أوسع، ومن ثم يتعين على الدول التي تسعى إلى منع عودة "داعش" أن تساعد في تطوير برنامج إعادة التأهيل مع التركيز على البرامج التعليمية والنفسية التي تستهدف النساء والأطفال القاطنين في المخيم، كما يجب استمرار تقديم الدعم العسكري لجهود قوات سورية الديمقراطية في مكافحة إرهاب "داعش" وتقديم الدعم المالي اللازم لها لإحكام سيطرتها على المخيم وتوفير الخدمات الأساسية للقاطنين فيه.

وفي حين أدّى تفشي وباء كورونا إلى تعطيل العديد من المشروعات الدولية التي تستهدف المخيم، فإن الوضع في المخيم لا يمكن تجاهله، وإذا لم يتم معالجة هذا الوضع المتردي للمخيم وإحكام السيطرة عليه من خلال بذل جهود مشتركة بين الإدارة الذاتية والمجتمع الدولي، فمن المؤكد أن "داعش" سيصعد مرة أخرى من داخل المخيم، وسيصبح أقوى وأكثر انتشاراً من ذي قبل.

* باحث في المركز الكردي للدراسات

● شورش خاني