صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4499

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رواية جبل الزمرُّد شخصيات مستعارة من «ألف ليلة وليلة»

رواية للكاتبة المصرية منصورة عزالدين تؤكد أنَّ المكان له بعدٌ أسطوري

توضح الكاتبة منصورة عزالدين في روايتها «جبل الزمرد» أن ما يجمعُ بين الشخصيات ليس الحاضنة المكانية أو الحنين إلى زمنٍ عابر فحسب، إنمّا الذكرى المشوبة بالأسى.

كتابةُ التاريخ خارج السياقات الرسمية والنبشُ فيما أهمله الخطاب المهيمن، واقتناص هباء المعنى في المعطيات المتوافرة بشأنِ حيثيات الوقائع التاريخية دافعُ وراء نشوء الروايات التي تناقش الشخصيات والأحداث المؤثرة في التاريخ.

يقولُ ماركيز «إني أهتم بما لا يهتمُ به المؤرخُ»، هذا إضافة إلى أنَّ إسقاط ما وقع في الماضي على اللحظة الراهنة قد يكون غرضاً في توظيف التاريخ في إطار الرواية، وبهذا يفتحُ مجالاً للتأويل، فبالتالي يكتسبُ القارئ دوراً مهماً في فك شيفرة النص، هذا فيما يتعلقُ بموقع القارئ في الرواية التاريخية ماذا عن وظيفته في السرديات المستوحاة من الأساطير والرموز أو الأعمال التي تقومُ على بنية تناظرية مع المدونات والملاحم الأدبية المورّثة؟ طبعاً هنا يتضاعفُ دورُ المتلقي في ملء الفضاءات البيضاء، لأنَّ ما يقولهُ النصُ اللاحقُ لا يبدو إلا في شكل مربّعات غير مكتملة أو غابة متعددة الدروب، على حد قول إمبرتو إيكو.

بناء الرواية

وتسلك الكاتبة المصرية منصورة عزالدين هذا المنحى في روايتها «جبل الزمرد»، إذ تتحركُ في مساحتها شخصيات مستعارة من حكايات ألف ليلة وليلة والمدونات التراثية، كما أنَّ المكان أيضاً له بعدُ أسطوري، ويوحي ذلك العنوان الذي يتواصل مع محتويات النص والإرساليات التي تصاحبه، وتندسُ مفردة الزمرد إلى معظم أجزاء النص، حيثُ تكون بمنزلة لازمةٍ في بناء الرواية، وهي نواةُ تسحبُ إلى دائرتها مكونات القصة التي يتماهى راويها مع الشخصيات التي تشاركها في حزمات سردية متناسقة وما يجمعُ بين شخصيات هذا النص الروائي ليس الحاضنة المكانية أو الحنين إلى زمنٍ عابر فحسب، إنما الذكرى المشبوب بالأسى كما هي الحال بالنسبة لشيرويت التي كان اعترافها على مسؤولتها الحزبية يوخز ضميرها، كما أن نادية المقيمة في كندا يمتزجُ حنينها إلى الطفولة بالخوف من الموت.

سميون دو بوفوار

من جهتها، تقولُ سميون دو بوفوار إنَّ الكتابة الإبداعية تبدأُ في اللحظات التي لا يعودُ فيها الواقعُ أمراً مسلّماً به يفهمُ من منطوقُ هذه العبارة بأنَّ كل عملية إبداعية تعبّرُ عن رغبة لانطلاق نحو عوالم مغلّفة بغلال فانتازي، لذا يعتقدُ إمبرتو إيكو أنَّ مفهوم الحس السليم لا يفيد لقراءة النص التخييلي، إذاً تنشأُ علاقةُ جديدة بين الأشياء في الروايات التي تعتمدُ على بنية فانتازية، ومن المعلوم بأنَّ الميثولوجيا هي أساس المرويات العجائبية.

من هنا تقيمُ رواية «جبل الزمرد» علاقةً تناصية على مستوى الشكل والمضمون مع الموروث الأدبي، وذلك ما يضفي عليها الغموضَ.

إذ يفتتحُ النصُ بعباراتٍ مقتبسة تنبئ بما يسودُ من الغرائبية في فضاء الرواية، كما أنَّ ما تسردُه «بستان» في الحلقة الأولى بضمير المتكلم والإشارة إلى أسمائها المتعددة يكونُ موجهاً للتعامل مع المسرود الروائي باعتباره مادةً تعومُ فيها الألغازُ والرموز، الأمر الذي يتطلبُ البحثَ عن آلية يتمُ من خلالها إدراك شكل التواصل بين الوحدات التي تبدأُ بعناوين موحية بالحدث إذاً تكتنزُ العتبات الداخلية بمؤشرات دالة على مسار القصة الفرعية.

«الباحث عن الليل»

فمفردة «الباحث عن الليل» التي تعنون أحد أقسام الرواية لا يتضحُ مدلولها إلا بمتابعة شخصية إيليا الذي غادر مدينة الشمس باحثاً عن الليل وما إن يعودَ إلى موطنه حتى يفقد بصره، والحال هذه يعتكفُ في كوخه وتصبحُ المخيلةُ بديلاً عن رؤية العين.


ومن ثُمَّ يسردُ له بحار عجوز أسرار حجر الجنون، وهو ما إن يقعَ عليه نظر المبصر، حتى يصاب بنوبة الضحك قبل أن يموت أما إذا حملق عليه العميان، فيستردُ بصره يرحلُ إيليا إلى جبل المغناطيس وما يسمعه هناك ليس إلا أصواتاً غير مألوفة، ويحلُ زائرُ جديد على الجبل وهو ينجو من بين الركاب الذين تتحطم سفينتهم.

قصة إيليا

وهنا يلجأُ الراوي إلى تلخيص قصة إيليا عندما يشرعُ الأخير بسرد وقائع حياته للناجي، في حين يقتضي الموقف أنَّ يقصَ الزائر الجديد جانبا من حياته لصديقه في الجبل، وهو لم يعرف أبويه وتكفلت الجدة برعايته، والأهم فيما يذكره الناجي هو الحلم الذي يراوده بالوصول إلى جبل الزمرد، ولا يسمع عن هذا المكان إلا على لسان نورز الصائغ، وتتوالي الأحداثُ متسلسلة إلى أنَّ ينقله طائر الرخ إلى جبل القاف، وهناك يكسبُ ثقة الملك ياقوت بعدما تنطقُ ابنته زمرد من جديد، وينسب فضل هذا الحدث إلى وجود الغريب.

جبل المغناطيس

وهذا الوضع يؤسس لرحلة أخرى إلى جبل المغناطيس قبل ذلك يستأنسُ الراعي ببلوقيا، ويسمع الأخير منهُ قصة أحد ملوك من بني إسرائيل ورحلة ابنه للقاء نبي الإسلام، إلى أن يبلغ بأن زمن نبي الإسلام هو آخر الزمان، وهكذا يتبدلُ موقع الشخصيات من الراوي إلى المروي له، وهذا النسق تجده في ألف ليلة وليلة وديكاميرون.

صناعة المصير

والرحلة هي ما تنهضُ عليه مفاصل الرواية، وذلك بدافع البحث عن المفقود أوصناعة المصير خارج بيئة المنشأ مثلما تخطط هدير لذلك كما أنَّ رحلة زمردة برفقة بلوقيا كانت من أجلّ اكتساب ما يمكنها من معرفة مصير أمها «نورسين» والانتصار على ملكة الحيات، ورحل إيليا إلى جبل المغناطيس لمعانقة النور من جديد، وبدورها تقوم بستان البحر برحلة للقاء تاجر المخطومات الذي يمتلك ما يعينها على متابعة تفاصيل نزوح أسلافها وتيههم، زد إلى ما سلف ذكره، فإنَّ المدونةَ ضلع آخر في منظومة النص، إذ تسجلُ بستان البحر قصة أسرة هدير ونشأة الأخيرة، إلى أن تستقر عند جدتها بعد انفصال الوالدين، كما أنَّ مروج زوجة الراعي تدوّن ما تشاهده في جبل القاف، وتحتفظُ بأوراق جدها السريّة التي تحتوي على نبوءات حول ما يقع في الجبل، وهذا استباق لما يتابعه المتلقي لاحقاً.

بنية الحلم

كما تقرأُ زمردة ما سطره إيليا في وحدته، وبذلك تتشعبُ الأنفاق السردية في الرواية، زيادة على هذا فإنَّ النص لا ينفصل أيضاً عن بنية الحلم، كما يقعُ في بعض مقاطعه على مدار الأجواء الكافكاوية، إذ بعدما ينسفُ الجبل وينزحُ سكانه إلى العالم ينتحر عدد من هؤلاء شنقاً على أشجار مانغو، كما ينتحر المتشرد الذي يقضي سحابة نهاره في الميدان، وتنتحر بروج، وبهذا تتشابه المصائر على الرغم من اختلاف الأزمنة، وتعاني كل من هدير وزمردة فقدان الأم، وتبحثُ نادية عن جوهرة تضاهي ما ضاعت في الفرادة إذا كانت المؤلفة أرادت بكتابة هذا العمل إكمال ما تنقصه ألف ليلة وليلة، فهي بدورها تركتْ ثغراتٍ في نصها المروي، إذ يظلُ ما يرغب أن يقوله المتشرد لهدير مجهولاً، كما أنَّ زمردة تمنعُ بروج من كشف أسرارها، فضلا عن أنَّ مصير نورسين يلفه الغموض دون أن يتم فك ألغاز غيابها، وبهذا ترسمُ منصورة عزالدين برنامجها السردي على لعبة الفراغات، حيثُ يكون المجال متاحاً لمزيد من التخييل أو بناء قصة جديدة بناءً على الثغرات الموجودة في لُحمة النص.

يشار إلى أنَّ التذكر ثيمة أخرى تضاف إلى الفقدان والرحلة في تركيبة النص، وتقول زمردة قبل احتراقها: «التذكر هو الطريق الوحيد لانبعاثي من رمادي، عليكم تدوين حكايتي وترديدها بلا كلل»، وهذا ما يحيل إلى كلام إكتور آباد فاسيوليني الذي وضع الحقيقة في الكلمات حتى تعيش أكثر من أكاذيب خصوم أبيه.

تتشعبُ الأنفاق السردية والنص لا ينفصل عن بنية الحلم