صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4499

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الحكومة تدرس رد قانون مخاصمة القضاة لشبهة مخالفته الدستور

300 قاض ومستشار في المحاكم يرفعون عريضة اعتراض لرئيس مجلس القضاء على القانون

شكل قانون مخاصمة القضاة الذي أصدره مجلس الأمة الأسبوع الماضي، مادة تجاذب بين السلطات، حيث سارعت السلطة القضائية إلى إعلان رفضها القانون، واتجاهها إلى الطعن عليه، في حين كشفت المعلومات عن توجه لدى الحكومة بدرس خيار رد القانون، وهو ما يحسم خلال فترة وجيزة.

كشفت مصادر مطلعة عن تلقي الحكومة رأيا قانونيا بشأن قانون مخاصمة القضاة، الذي أصدره مجلس الأمة الأربعاء الماضي، بعدما أعلن عدد من القضاة والمستشارين في المحاكم رفضهم القانون، الذي اعتبروه انتكاسة للعمل القضائي وخطرا على مستقبل رجاله.

وقالت المصادر، لـ"الجريدة"، إن الحكومة تدرس خيار رد القانون لتضمنه شبهات دستورية بالمخالفة لنص المادة 163 من الدستور، التي تؤكد انه لا سلطان على القاضي في قضائه، في حين ان مواد القانون تسمح برجوع الدولة على ذمة القاضي الخاصة لاسترداد المبالغ التي دفعتها لمصلحة كاسب حكم المخاصمة.

وأضافت ان القانون تضمن ضعفا من حيث صياغته الركيكة التي اخرجت عباراته عن فكرة المسؤولية القانونية للاعمال التي يقوم بها القاضي وعضو النيابة، ويسمح بتعطيل القضايا والتحقيقات التي تجريها النيابة العامة مؤقتا الى حين الفصل بدعوى المخاصمة، لاسيما أن المسؤولية تكون على الاحكام القضائية الباتة او النهائية وليس الابتدائية التي تكون بطبيعتها خاضعة لرقابة المحاكم العليا.

عريضة قضائية

من جانب آخر، تواصلت أمس ردود الأفعال القضائية الرافضة لقانون مخاصمة القضاة، ووقع ما يزيد على 300 قاض ومستشار في المحكمة الكلية و"الاستئناف" و"التمييز" على عريضة موجهة الى رئيس مجلس القضاء المستشار يوسف المطاوعة، مطالبين بحث الحكومة على رد القانون، لما يتضمنه من مخالفات دستورية وقانونية، مؤكدين في العريضة، التي حصلت "الجريدة" على نسخة منها انهم ليسوا ضد مبدأ المخاصمة، وانما ضد الآلية والمواد التي وردت بأحكام القانون والتي قد تستهدف القاضي.

وأكد القضاة والمستشارون، في مذكرتهم، "لسنا ضد مساءلة القاضي أو عضو النيابة، فهي مقررة أصلا من خلال الدعوى التأديبية المنصوص عليها في قانون تنظيم القضاء، والتي لا تستثني احدا منهم، ولا تقف عند درجة او مسمى معين، وهي مساءلة مشددة يتجاوز حدها السلوكيات العامة لأعضاء السلطة القضائية، فكم من قاض أو مستشار او عضو نيابة تم عزله أو اجبر على الاستقالة لمجرد قيامه بسلوكيات لو قام بها غيره لاعتبرت تصرفات شخصية لا اثر لها على وظيفته".

وأضافوا: "هي مساءلة رغم شدتها فإنها واجبة القبول بسبب أهميتها لضبط مهنة القضاء فنيا وسلوكيا، وهي أيضا لا تشكل محلا لاعتراض رجال القضاء والنيابة العامة، لكن ما يشكل الاعتراض هو جعل تلك المساءلة قيدا على عمل القاضي وسيفا مصلتا على رقبته كما سنبينه لاحقا، إضافة الى انه لم يقل احد من القضاة انهم معصومون من الخطأ، وانه لا يجوز تخطئتهم، فالواقع يشهد على عكس ذلك، فهذه احكامهم القضائية يجري يوميا الطعن عليها امام المحاكم العليا، والتي قد تؤيدها او تلغيها دون أي اعتراض من القضاة او ضغينة، بل على العكس يتم قبولها بصدر رحب وتستمر العلاقة الطيبة والمتميزة بين بعضهم البعض على اختلاف دراجتهم".

واشاروا الى ان القضاة والمستشارين لا يعترضون على تقرير حق التعويض للمتضرر من القضاء، "بل اننا بالعكس نرى انه تقرير مستحق متى توافر ركن الخطأ، ولكننا نرى بالمقابل انه لا يجوز ان يحمل القاضي دون غيره تبعات هذا الخطأ بحيث ترهق كاهله، لاسيما أنه خطأ غير عمدي ومحله - ان ثبت - مجازاة القاضي وظيفيا وليس تحميله قيمة التعويض الذي قد يصل إلى الملايين".

ملاحظات قانونية ودستورية

واكدوا أن القانون الصادر يتضمن العديد من الملاحظات الفنية والقانونية والدستورية وهي على النحو التالي:

أولا: إخلاله بمبدأ حجية الأحكام اذ لم يقتصر القانون على الحكم بالتعويض بل نصت المادة 305 منه على الحكم ببطلان التصرف أي (الحكم). والنص المذكور لم يجعل بطلان الحكم لأسباب اجرائية كعدم انعقاد الخصومة أو إغفال اجراء جوهري كما هي حالات البطلان. وإنما جعل منها حالة الخطأ الجسيم التي تتطلب ان تقوم المحكمة المرفوع لها دعوى المخاصمة من جديد بإثبات خطأ الحكم الذي اصدره القاضي المخاصم، بالرغم من انه اصبح نهائيا وله حجيته ولا يجوز الطعن عليه.

ثانيا: إخلاله بمبدأ تدرج الأحكام، وقاعدة "ان الحكم الصادر من محكمة ادنى يطعن عليه أمام محكمة اعلى"

حيث إنه وبعد أن نصت المادة 306 من القانون على ان رفع هذه الدعوى يكون أمام محكمة الاستئناف، نصت المادة 311 على حقها بالحكم ببطلان التصرف (أي الحكم)، رغم انه ربما يكون صادرا من محكمة اعلى كمحكمة التمييز، فكيف يمكن لمحكمة ادنى ان تراقب محكمة اعلى وان تبطل حكمها لأسباب موضوعية؟

ثالثا: إخلاله بحصانة القاضي فقد نصت المادة 308 على سماع أقوال القاضي المخاصم أو عضو النيابة العامة عن وقائع جنائية، مثل جريمة التدليس المنصوص عليها بالمادة 237 من قانون الجزاء، وذلك دون اشتراط أخذ موافقة مجلس القضاء على رفع حصانته حسبما نصت عليه المادة 37 من قانون تنظيم القضاء.

رابعا: إدانة القاضي أو عضو النيابة بتهم جنائية بغير الطريق الذي رسمه القانون حيث نصت المادة 311 على الحكم على القاضي بالتعويض وذلك دون الإخلال بالمسؤولية الجزائية والتأديبية - أي انها تسمح بإدانة القاضي بتهم جنائية قبل صدور حكم جزائي، مما يطرح سؤالا منطقيا ماذا لو حكم القاضي الجزائي للقاضي المخاصم بعد ذلك بالبراءة؟

خامسا: لم يعالج القانون حالة تعدد القضاة الذين اصدروا الحكم، ولا مخاطر الكشف عن سرية المداولة إذ من المعلوم أن بعض الأحكام تصدر من دوائر ثلاثية أو خماسية، وغالبا لا يعرف المخاصم من أوقع الخطأ فيخاصم الدائرة كلها فإن كتم القاضي سره لحقه التعويض دون ذنب، وان أفشى سر المداولة -فربما– يكون قد كشف ما يجب ان يستر. كما انه من جهة أخرى يكون قد خالف المادة 28 من قانون تنظيم القضاء رقم 23/1990 المعدل، والتي تنص على انه لا يجوز للقضاة إفشاء سر المداولات مما قد يعرضه للمساءلة.


تعارضه مع قانون المرافعات

سادسا: تعارضه مع نصوص الرد الواردة بقانون المرافعات حيث نصت المادة 310 من القانون على ان يكون القاضي او عضو النيابة غير صالح لنظر الدعوى أو المشاركة في التحقيق، وذلك من تاريخ الحكم بقبول دعوى المخاصمة شكلا، في حين انه إذا كان الحكم قد صدر فعلا فلا محل لإعمال هذا النص، وان كان لم يصدر فمحله دعوى الرد والتي لها اجراءاتها الخاصة في هذا الشأن.

سابعا: قصور المادة 309 من القانون حيث إنها نصت على تشكيل دائرة لنظر دعوى المخاصمة من اقدم خمسة مستشارين من محكمة الاستئناف، وذلك دون ان تربط تخصصاتهم بنوع الدعوى المخاصم عليها القاضي، مما يتصور معه ان تشكل كلها من قضاة الجنائي، وهي قضية مدنية أو العكس، مما يترتب عليهم ترجيح عدم وصولهم للنتيجة الصحيحة بسبب ذلك وبالتالي الوقوع بالخطأ من جديد.

ثامنا: إخلاله بمبدأ لا سلطان على القاضي في قضائه المنصوص عليه بالمادة 163 من الدستور ذلك انه بإعطاء المتخاصمين أمام القاضي الحق في مخاصمته مستقبلا بعد إصداره الحكم، وجره الى المحاكم هذه المرة ليس كقاض بل كخصم من الخصوم ومطالبته بالحكم عليه بالتعويض، ما يفتح المجال واسعا للخصوم بالتأثير على حكمه، وذلك من خلال التلويح برفع هذه الدعوى في حال الحكم ضدهم أو في غير صالحهم، وهو الأمر الذي قد يترتب عليه ادخال الخوف والروع الى قلبه مما قد يؤدي الى تردده في إصدار الحكم او الميل فيه تحاشيا واتقاء لما قد يتوعده به الخصوم.

تاسعا: تعارضه مع طبيعة عمل القاضي القائم صلبها على الاجتهاد سواء في فهم القانون أو الواقع طبيعة عمل القاضي تتطلب منه البحث والاجتهاد قبل إصداره الحكم، مما يوجب الا يحاسب على النتيجة ولو أخطأ بها حتى لا يتخوف من الاجتهاد، لذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشير الى حصول القاضي على الثواب من الله حتى لو اخطأ طالما انه اجتهد دون ظلم او جهل، ولذا فإن تسليط سيف المخاصمة على القاضي في حال الخطأ يؤدي الى جمود الأحكام وبعد القضاة عن الاجتهاد خشية الوقوع بالخطأ.

الإخلال بالمساواة

عاشرا: إخلاله بمبدأ المساواة المنصوص عليه بالمادة 29 من الدستور حيث اشارت الفقرة الأولى من المذكرة الإيضاحية للقانون الى انه تم تشريعه اعمالا لمبدأ المساواة المنصوص عليه بالمادة 29 من الدستور.

في حين انه بالاطلاع على قوانين الدولة نجد انها خلت من نص مماثل ينص على تحمل تابعي الدولة أو أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية مثل هذا الأمر.

حادي عشر: استخدمت المادة 305 من القانون في مخاصمة القاضي أو عضو النيابة العامة عبارة "في عمله" ولم تقل "في حكمه".

وهي كلمة فضفاضة تسع في معناها إمكانية مساءلته حتى عن أعماله غير القضائية مثل ادارته للتنفيذ أو إشرافه على الانتخابات وغيرها من الجهات التي ينتدب اليها - رغم انها لم تقرر ذلك لمن يشاركه من تابعي الدولة.

ثاني عشر: ان الكثير من الدول المتطورة قضائيا كالولايات المتحدة وبريطانيا ابتعدت عن تشريع مثل هذا القانون لمجافاته لطبيعة الوظيفة القضائية، كما ان دولا ممن شرعته عدلت عنه الى قانون مسؤولية الدولة عن عمل القضاء - حيث يضمن المتضرر حقه ولا يضام القاضي.

ثالث عشر: ان تشريع مثل هذا القانون سيؤدي الى ارباك العمل القضائي، اذ انه سيدفع القضاة الى هجر العمل في الدوائر ذات المطالبات المالية الكبيرة (الدوائر التجارية والمدنية)، والتي ترجح معها ان تأتي من ورائها دعوى المخاصمة، كما سيؤدي الى تباطؤ إصدار الأحكام نتيجة تردد القضاة في إصدارها خشية الوقوع بالخطأ.

رابع عشر: إرهاق النيابة العامة وشل قدرتها على العمل ذلك ان قانون المخاصمة ادخل ضمن الخاضعين لأحكامه أعضاء النيابة العامة، واجاز في المادة 311 الحكم ببطلان تصرفاتهم بما يعني شمول قراراتهم سواء في حجزهم للمتهمين او حبسهم او قرارات الحفظ والاحالة وغيرها من القرارات، إضافة الى القرارات التي ينفرد بإصدارها النائب العام او غيرها من القرارات التي يجوز فيها التفويض، كما أجاز في المادة 310 منه وقف عضو النيابة عن استمراره بالتحقيق، هذا بخلاف ما قرره من جواز الحكم عليه بالتعويض، ولما كانت قرارات النيابة العامة -بحسب طبيعة عملها- كثيرة ويومية فإن فتح الباب بجواز رفع دعوى المخاصمة سواء على أعضاء النيابة العامة او النائب العام بشخصه باعتباره رئيسا على هذا الجهاز سيتسبب في ارباك في عمل النيابة العامة وتعطيل العمل فيها، وهو ما سيؤثر مباشرة بتعطيل عمل جميع الجهات العدلية والضبطية المرتبطة بعمل النيابة العامة.

فلسفة المخاصمة... وهيبة القضاء

ختم القضاة والمستشارون عريضتهم الموجهة الى رئيس مجلس القضاء بالإشارة الى ما اعتبروه "مساوئ" نجمت عن تطبيق القانون في عدد من الدول.

وقالوا في ختام عريضتهم: "نرجو ان نكون قد وفقنا الى بيان ان الفلسفة التي تقوم عليها فكرة المخاصمة أصبحت من الماضي غير النافع - لما جره على الدول التي جربته من مساوئ لا حصر لها، واستبدلتها بنظام متحضر يحفظ للقضاء هيبته واجتهاده من جهة، ويحفظ حقوق المتقاضين من جهة أخرى، ونرجو من حضراتكم نقل ملاحظاتنا سالفة الذكر للسلطة المختصة التي نهيب بها رد هذا القانون للأسباب التي ذكرناها ولأسباب أخرى قد تكون أفضل، واستبداله بقانون آخر يضمن من جهة للمتضرر من القضاء حصوله على التعويض، ولا يضير من جهة أخرى بالقضاة أو أعضاء النيابة العامة أو يؤثر على عملهم".

القانون يسمح بتعطيل القضايا المنظورة في المحاكم والنيابة العامة إذا أقيمت دعوى المخاصمة

يتجاوز فكرة المساءلة ويهدر رقابة المحاكم العليا وعباراته تتضمن ضعفاً في الصياغة