صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4494

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

اللحظة التي تخلفت فيها أميركا عن الركب

  • 15-06-2020

تُعتبر الصفقة الخضراء الأوروبية النموذج المثالي لتصميم حزمة التحفيز والانتعاش التي تهدف إلى تحقيق فوائد اقتصادية فورية وطويلة الأجل، وعلى المدى القريب، ستساهم استثماراتها المُقترحة في خلق العديد من الوظائف ذات الأجور المرتفعة في البنية التحتية للطاقة النظيفة، وتمويل تركيب المزيد من مرافقها.

بينما تقوم الحكومات حول العالم بتبني سياسات للتعامل مع التداعيات الاقتصادية المباشرة لجائحة «كوفيد- 19»، فإنها تتخذ قرارات ستحدد أيضا القدرة التنافسية لبلدانها في العقود القادمة، فإذا تم تصميم حزمة التحفيز والانتعاش بشكل صحيح، فستعمل على توجيه البلدان والمناطق لجني فوائد صناعات المستقبل.

الاتحاد الأوروبي مستعد بالفعل للإسراع بتنفيذ الصفقة الخضراء الأوروبية، وستعمل الصين حتما على تطوير مزاياها التنافسية قبل تفشي الوباء في الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية والبطاريات، ومن ناحية أخرى، أصبحت الولايات المتحدة عُرضة على نحو متزايد لخطر التخلف عن الركب.

تُعتبر الصفقة الخضراء الأوروبية النموذج المثالي لتصميم حزمة التحفيز والانتعاش التي تهدف إلى تحقيق فوائد اقتصادية فورية وطويلة الأجل، وعلى المدى القريب، ستساهم استثماراتها المُقترحة في خلق العديد من الوظائف ذات الأجور المرتفعة في البنية التحتية للطاقة النظيفة، وتمويل تركيب المزيد من مرافق توليد طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ومحطات شحن المركبات الكهربائية، ومحطات إنتاج الهيدروجين، وبرامج لإعادة تأهيل المباني من أجل كفاءة الطاقة.

والأهم من ذلك، على المدى الطويل، ستؤدي كل هذه الاستثمارات إلى انخفاض تكاليف الطاقة، وأنظمة طاقية أكثر مرونة، وسكان أكثر صحة من بين العديد من الفوائد الأخرى، وقد عرفت تكاليف تقنيات الطاقة النظيفة انخفاضا سريعا بعد منحنيات التعلم التي يمكن التنبؤ بها، ومع مرور الوقت، ستصبح أرخص وأسرع انتشارا على نطاق أوسع.

إدراكا لهذه المزايا، خصصت جهود الانتعاش في أوروبا بالفعل مليارات اليورو لبناء مزارع تعمل بالطاقة الشمسية في أيبيريا وتوربينات الرياح البحرية في بحر الشمال، وستقوم الشركات الأوروبية مثل فيستاس وسيمنس جاميسا وغيرها بهذه المهمة، وسيتم استخدام هذه المصادر المُوسعة للكهرباء المتجددة الرخيصة لإنتاج جزيئات الهيدروجين التي ستدعم الصناعة الثقيلة في المستقبل، ومن خلال تخصيص 40 مليار يورو (45 مليار دولار) للاستثمار في البنية التحتية للهيدروجين، تهدف الصفقة الخضراء الأوروبية إلى ضمان تشغيل النقل، وصناعة الصلب، والصناعات الأخرى بالوقود النظيف.

خصص الاتحاد الأوروبي أيضا أموال الانتعاش لتركيب مليوني محطة شحن للسيارات الكهربائية والهيدروجينية، وبالتالي تحفيز الطلب على السيارات الكهربائية التي يمكن بناؤها محليا بواسطة شركات مثل فولكس فاغن ومرسيدس ورينو، وبهذه الطريقة وبطرق أخرى، تتخذ أوروبا خطوات فعلية للحاق بالصين في مجال التكنولوجيات الخضراء.

مرة أخرى، إذا كانت الصين ستُقدم حزمة تحفيز وانتعاش قائمة على الميثاق الأخضر الأوروبي، فسيكون بإمكانها توسيع ميزتها التنافسية لتشمل أشكالا أخرى من الطاقة المتجددة، والتنقل باستخدام الطاقة الكهربائية، والصناعة التي تعمل بالهيدروجين، كما هي الحال في أوروبا، وسيؤدي الاستثمار في البنية التحتية الخضراء إلى خلق الملايين من الوظائف الجيدة على المدى القريب، مع تقليل أو احتواء تلوث الهواء وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري على المدى الطويل، حتى مع نمو الاقتصاد الصيني، ويمكن للهواء النظيف والشوارع الهادئة والمناظر الطبيعية التي أصبحت نتيجة ثانوية عرضية لتدابير الإغلاق الوبائية أن تصبح دائمة مع أشكال أنظف من الطاقة والنقل.

على النقيض من ذلك، على الرغم من أن الحكومة الفدرالية الأميركية قد اتخذت بعض الخطوات اللازمة لتخفيف الانهيار الاقتصادي القصير الأجل، لم يفكر صناع السياسة في المستقبل، لهذا السبب يتم إنقاذ العديد من الصناعات البالية القذرة.

قبل عقد من الزمان، كان يزعم الكثيرون أن الولايات المتحدة ستقود مستقبل الطاقة، لأنها كانت تقترب من «استقلالية الطاقة» نظرا للاحتياطيات الهائلة من النفط والغاز الصخريين اللذين يمكن استخراجهما اليوم من خلال التكسير الهيدروليكي، ومع ذلك تشهد هذه الصناعات اليوم تراجعا هيكليا ملحوظا، إذ إن منحنيات التكلفة واضحة للغاية: لا يمكن للوقود الأحفوري منافسة حلول الطاقة النظيفة الأرخص والأكثر كفاءة، وبالمثل ستصبح المركبات الكهربائية أرخص وأكثر موثوقية من محركات الاحتراق الداخلي، تماما مثلما سيصبح الهيدروجين الأخضر الطاقة المفضلة للصناعات الثقيلة التي لا تعتمد على الكربون بشكل متزايد.

عندما شهدت محاولة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنقاذ الوظائف في صناعة التعدين، تذكرت وظيفتي الأولى بعد التخرج من المدرسة الثانوية، عندما كنت أعمل في مصنع الآلات الكاتبة في جنوب هولندا، تخيل لو أن الحكومة الهولندية قررت لسبب ما إنقاذ هذا المصنع عندما ظهرت الحواسيب الشخصية لأول مرة في الأسواق في الثمانينيات والتسعينيات، كان الأمر سيكون أشبه بالاستثمار في متحف لا في صناعة حيوية.

مع فقدان الوظائف في صناعة الوقود الأحفوري، سيتم خلق المزيد من فرص العمل لتصنيع توربينات الرياح والبطاريات، وتركيب الألواح الشمسية، وصنع المركبات الكهربائية، وتعديل المباني، وغيرها، فالعالم يمر بمرحلة انتقال إلى الطاقة النظيفة، وتلك البلدان التي تراهن على تكنولوجيات الماضي تحفر مقابرها الاقتصادية الخاصة بها.

ستُحقق السياسات الصناعية المُنسقة الرامية إلى بناء البنية التحتية للطاقة النظيفة فوائد هائلة، ليس لمصلحة الناس والكوكب فقط، ولكن أيضا للقدرة التنافسية الاقتصادية والازدهار المستقبلي للبلدان، وتدرك أوروبا والصين هذا الأمر، وهما في طريقهما بالفعل نحو قيادة الاقتصاد العالمي في العقود القادمة، فهما تستفيدان بنشاط من حزمة الانتعاش الخاصة بهما لتسريع هذا التحول التاريخي، وفي أوروبا، على وجه الخصوص، ستُعجب الأجيال القادمة بقادة اليوم لعملهم على خلق فرص العمل، والحد من التلوث البيئي، وإنشاء مراكز اقتصادية تنافسية للعقود القادمة، أما في الولايات المتحدة، فلن يكون الوضع مُشابها.

* جولز كورتينهورست

* الرئيس التنفيذي لمعهد روكي ماونتن.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»