صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4492

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

نجاة الصغيرة... صوت الحب (12-15)

لغز تراجع القيثارة والسندريلا عن فيلم سينمائي مشترك

دخلت نجاة إلى مغامرة إذاعية، وشاركت للمرة الأولى مع الشاعر نزار قباني في بطولة مسلسل القيثارة الحزينة عام 1967، واشتعلت أزمة ملصقات حفلاتها الغنائية مع منتج فيلم صوت الحب، وارتحلت في فضاء الأغاني الطويلة، وفاقت نجاحاتها الفنية كل التوقعات، وتفوقت على مطربات جيلها برصيدها من ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، وتتابعت رحلتها نحو القمة.

اعتزلت نجاة التمثيل مبكراً في عام 1975، بعدما قدّمت للسينما 11 فيلماً خلال 28 عاماً منذ ظهورها في فيلم “هدية” عام 1947، وأمتعت محبيها خلالها بالعديد من الأغنيات، وإطلالتها الساحرة على الشاشة، ونالت ثناء الجمهور والنقاد على فيلمها الأخير “جفت الدموع”، وظلت أسباب اختفائها عن الشاشة البيضاء لغزاً لفنانة لا تقبل بأنصاف الحلول، وتحرص دائماً على انتقاد أعمالها قبل الآخرين، وتعترف ببساطة أنها ليست ممثلة بارعة، وأن الغناء عشقها الوحيد.

وفي مقابلة تلفزيونية جمعت المطربة نجاة والأديب يوسف السباعي، أثنى الأخير على أداء بطلة فيلمه “جفت الدموع”، لكنه انتقل سريعاً إلى تقييم تجربتها الغنائية، وقال إن نجاة من المطربات القليلات اللواتي يجدن الخروج عن اللحن الأصلي والرجوع مجدداً، وتلك المهارة الصوتية تقارب أسلوب كوكب الشرق أم كلثوم، ثم باغتها بسؤال عن تراجع حفلاتها الغنائية، فقالت إنها تحضر لأغنيات جديدة من ألحان بليغ حمدي، ومحمد الموجي.

تضاربت مشاعر نجاة بين نجاحها كمطربة وإخفاقها كممثلة، وبعد عام من عرض “جفت الدموع” أمام النجم محمود ياسين، ظهر الأخير في الفيلم الغنائي “مولد يا دنيا” للمخرج حسين كمال، ولعبت بطولته المطربة عفاف راضي في أول ظهور سينمائي لها، ومشاركة كوكبة من النجوم، منهم عبدالمنعم مدبولي، وسعيد صالح، ولبلبة، ومحيي إسماعيل ومشيرة، وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً يقارب فيلم “خلي بالك من زوز” 1972 للمخرج حسن الإمام، ولعب دور البطولة سعاد حسني، وحسن فهمي، وتحية كاريوكا، وسمير غانم، وغنت خلاله السندريلا بعض الأغنيات من تأليف صلاح جاهين، وألحان سيد مكاوي، وكمال الطويل، وحقق رقماً قياسياً في مدة عرضه بدور السينما.

كانت مواجهات نجاة السينمائية بالغة الصعوبة، وحققت نجاحاً هائلاً في فيلميها “الشموع السوداء”، و”7 أيام في الجنة”، بينما نجاحاتها الأخرى ظلت محدودة الأثر، ولا تخرج عن استثمار المنتجين لشهرتها كمطربة، وعزاؤها أنها حققت تراكماً من الأغنيات لكبار الشعراء مثل حسين السيد، ونزار قباني، ومأمون الشناوي، والملحنين محمد عبدالوهاب، ورياض السنباطي، وبليغ حمدي، وكمال الطويل، لكن طموحها كممثلة أصابها برهاب الشاشة الكبيرة، وبدأ هذا الخوف مبكراً منذ فيلم “بنت البلد” 1955، وبعد عشرين عاماً توقفت نهائياً عن الظهور السينمائي من دون أن تفصح المطربة الرقيقة عن أسباب اعتزالها التمثيل.

القيثارة والسندريلا

علاقة غامضة جمعت بين نجاة وشقيقتها سعاد حسني، وفتحت الباب لشائعات عن الغيرة والخصام والفتور المتبادل، رغم وجود صور عديدة تجمع الشقيقتين في مناسبات مختلفة، وسطوع نجمهما في مجال الغناء والتمثيل، ورغم خروجهما من بيت واحد لم يجمعهما فيلم واحد طوال مشوارهما الفني، ولم يظهرا معاً في أي لقاء تلفزيوني، ولم تجمعهما أغنية واحدة!

سبقت نجاة شقيقتها الصغرى سعاد إلى احتراف الفن، ولقبت بالطفلة المعجزة وخليفة أم كلثوم، وبعد ظهورها في فيلم “هدية” 1947، لحقت بها السندريلا عام 1959 بفيلم “حسن ونعيمة”، وحينئذ كانت نجاة مطربة لامعة، وتشدو بألحان كبار الموسيقيين، وصارت الاثنتان حديث الوسط الفني، وظاهرة استثنائية في مجال الغناء والتمثيل، وكلتاهما تغرد في فضاء مختلف عن الأخرى.

وتشابهت بدايات الشقيقتين، فقد بدأت نجاة الغناء في التجمعات العائلية في سن 5 سنوات تقريباً، ولفتت الأنظار بعد ظهورها في الحفلات الغنائية، وكتب عنها الصحافي الكبير فكري أباظة “إنها الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية حتى يشتد عودها، وفي حاجة إلى عناية حتى تكبر وهي محافظة لموهبتها، مبقية على نضارتها”، بينما السندريلا ظهرت موهبتها في تقليد نجمات السينما، واكتشفها الشاعر والمخرج عبدالرحمن الخميسي، وكان صديقاً لوالدها، وأشركها في مسرحيته “هاملت” لشكسبير في دور “أوفيليا”، ثم ضمها المخرج هنري بركات لطاقم فيلمه “حسن ونعيمة” مع المطرب الصاعد، آنذاك، محرم فؤاد، وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً.

واقتفت السندريلا خطى شقيقتها التي تكبرها بخمس سنوات، واستقلت عن الأسرة، ولاحقهما والدهما محمد حسني البابا بدعوى قضائية لإلزامهما بنفقة شهرية، وقضت المحكمة عام 1961 لمصلحة الخطاط بنفقة شهرية قدرها خمسة جنيهات شهرياً، على ثلاث من بناته هن: نجاة، وسعاد حسني، وشقيقة ثالثة، كما حكمت له بنفقة قدرها ثلاثة جنيهات على ابنه الملحن عزالدين حسني، ووقتها قالت النجمتان في مقابلة صحافية، إنهما تدفعان له مبلغاً أكبر مما قررته المحكمة، وأنهما لا يمكن أن يتنكرا لوالدهما مهما كانت الأسباب.

وفي العام ذاته، أراد متعهدو الحفلات الغنائية جذب الجمهور إلى حفل يجمع بين النجمتين الشقيقتين، وظهر ملصق يعلن حفلا يقام في مدينة “رأس البر” بمحافظة دمياط (شمال غربي القاهرة) يوم الأربعاء 9 أغسطس 1961، تحييه “الفنانة الموهوبة نجاة الصغيرة”، والمطرب العاطفي محرم فؤاد والفرقة، الموسيقية بقيادة أحمد فؤاد حسن، والراقصة رجاء يوسف، و”الفكاهي المحبوب عمر الجيزاوي”، وتقدم برنامج الحفل الفنانة سعاد حسني.

كروان والمتوحشة

وراودت المنتجين فكرة عمل سينمائي يجمع الشقيقتين، وهما في ذروة تألقهما الفني، ولم تظهر النجمتان اعتراضهما على الفكرة، وفي عام 1968 قالت نجاة في حوار لها مع مجلة “الموعد” اللبنانية إنها تستعد لعمل سينمائي مع شقيقتها، تدور أحداثه حول مطربة شهيرة (نجاة) تعمل وتجتهد من أجل إسعاد شقيقتها الصغرى (سعاد)، وأعلنت أنها ستسافر إلى بيروت من أجل شراء ملابس العمل، لكن الفيلم لم يظهر للنور، وبمرور السنوات تلاشت الفكرة، وانشغلت الشقيقتان بأعمالهما الفنية.

صار تألق نجاة في حفلاتها الغنائية، يفوق ظهورها في أفلامها السينمائية، وانطبعت في أذهان جمهورها بصورة الفتاة الرومانسية الخجولة، بينما تعددت أقنعة السندريلا بين الغناء الاستعراضي والكوميديا والأدوار الجادة، ونافست شقيقتها في الغناء للمرة الأولى عام 1966 في فيلم “صغيرة على الحب” للمخرج نيازي مصطفى، وشاركها البطولة رشدي أباظة، وسمير غانم، ونادية الجندي، ونور الدمرداش، وقدمت خلاله الاستعراض الغنائي الناجح “يا عم يا صياد قولي الحكاية إيه” كلمات الشاعر صلاح جاهين، وألحان كمال الطويل.

واعتبر البعض أن السندريلا دخلت إلى منطقة محظورة، وأثبتت قدرتها على الغناء مثل شقيقتها نجاة، ولكن الأخيرة تمردت على أدوار الفتاة الخجولة، وقدمت دوراً استثنائياً “كروان” في مشوارها السينمائي من خلال فيلم “7 أيام في الجنة” 1969 للمخرج فطين عبدالوهاب، وشدت بمجموعة من الأغنيات الرائعة، منها “يا مرسال الهوى” للشاعر حسين السيد، وألحان الموسيقار عبدالوهاب وأغنية “دوارين في الشوارع” للأخوين رحباني.

وظلت المنافسة دائرة بين الشقيقتين، وتفوقت القيثارة كمطربة على السندريلا، والأخيرة أثبتت موهبتها في التمثيل أكثر من الغناء، وقدمت خلال مشوارها السينمائي نحو 90 فيلماً ومسلسلاً تلفزيونياً واحداً “هو وهي” مع النجم أحمد زكي، ومن بين هذه الأعمال قدمت أفلاماً غنائية قليلة، منها “خلي بالك من زوزو” 1972 إخراج حسن الإمام و”شفيقة ومتولي” للمخرج علي بدرخان 1978 و”المتوحشة” 1979 للمخرج سمير سيف.

وانحصرت أغاني السندريلا على ألحان كمال الطويل، وسيد مكاوي، وعمار الشريعي، وظلت داخل الإطار السينمائي، باستثناء الأغنية الوطنية “دولا مين” للشاعر أحمد فؤاد نجم، وألحان كمال الطويل، وتردد أن نجاة أرادت غناءها، عندما سمعت كلماتها في جلسة جمعتها بسعاد والطويل ونجم، وأذيعت الأغنية بصوت السندريلا إبان فترة حرب أكتوبر 1973.

حقائق وشائعات

تناثرت الكثير من الشائعات حول علاقة نجاة بالسندريلا، وأن الأخيرة كان بمقدورها أن تصبح نجمة في عالم الغناء، وقيل إن الغيرة الشديدة تملكت شقيقتها الكبرى، وكانت تدرك أن سعاد تفوقها جمالاً وخفة ظل، وهو أمر يساعدها على تقديم كل أدوار التمثيل، بجانب نوعية أخرى من الأغنيات، وزعم البعض أن نجاة ظلت تتدخل لدى الشعراء والملحنين وتحاول إبعادهم عن العمل مع سعاد، فتوترت علاقة الشقيقتين.

وتبقى الحقائق أن نجاة قدمت 12 فيلماً، وعدداً كبيراً من الأغاني، وكونت هيئة مستشارين خلال مراحل مشوارها الفني، وتزوجت مرتين في حياتها الأولى من المهندس الزراعي كمال منسي، وأنجبت منه ابنها الوحيد “وليد” والزيجة الثانية من المخرج حسام الدين مصطفى، وفي المقابل قدمت السندريلا قائمة طويلة من الأفلام وأغنيات قليلة، وتزوجت خمس مرات ولم تنجب، الأولى غير المؤكدة حتى الآن من العندليب عبدالحليم حافظ، والثانية من المخرج صلاح كريم مدة عام، ثم المخرج علي بدرخان مدة 11 عاماً، ثم الفنان زكي فطين عبدالوهاب عدة أشهر فقط، وتزوجت للمرة الأخيرة من الكاتب ماهر عوّاد، وظلت على ذمته حتى وفاتها في 21 يونيو 2001.


وبعد سنوات فجرت شقيقتهما “جانجاه” مفاجأة، عندما تحدثت عن توتر العلاقة بين سعاد ونجاة، قائلة: “لم يكن لنجاة أي دور في ظهور سعاد حسني كممثلة أو مطربة، والعلاقة بينهما لم تكن جيدة على الإطلاق، وقليلاً ما كانتا تجتمعان في مكان واحد، وأنا لا أعتبر نجاة أختي، حيث إنها لم تقف بجانب سعاد في آخر أيامها، كانت خايفة أن يؤثر ذلك عليها فنياً، ولم ولن أعاتبها على ما فعلت”.

مقطع من أغنية «فاكرة»

فاكرة؟

أنا ناسية وفاكرة... حبه بقى ماضي وذكرى

يعني

عندي يا دوب فكرة... لكن خلينا في بكرة

آه على اللي بتمناه... ياه على اللي بتمناه

آه على اللي بستناه... ياه على اللي بتمناه

ده كدة أهو... أنا عمري هيبتدي وياه

أنا عاوزة أطير مع حب كبير

أكبر بكتير من كل غرام عرفوه الناس

وأعيش وأنا غيره ماليش

وفي قلبي مافيش أكتر م الحب وم الإحساس

أنسى روحي معاه... وألقاه لحياتي حياة

رسالة مجهولة تطالب بمنع إذاعة أغنية «مهما الأيام»

استعاد الموسيقار حلمي بكر ذكرياته مع المطربة نجاة، وتحدث في برنامج “صاحبة السعادة”، الذي تقدمه الفنانة إسعاد يونس عن لقائه الأول بقيثارة الغناء، عندما التقى صديقه الشاعر مأمون الشناوي، والأخير قال له: “السّت نجاة تريد مقابلتك”، وطار الملحن الشاب، آنذاك، من السعادة، واصطحب معه آلة العود ليُسمِعها أحد ألحانه، واتفقا على أن يلحِّن لها أغنية كأول تعاون فني بينهما.

وتابع بكر: “اتفقت مع الشاعر عبدالوهاب محمد أن يكتب لنجاة أغنية شعبية، وفي البداية اعترضت على الفكرة، وقالت (بعد أن غنيت لكامل الشناوي ونزار قباني سأغني شعبي؟!)، لكنها أعجبت بكلمات ولحن (مهما الأيام تعمل فينا) وغنتها عام 1968 وحققت نجاحاً كبيراً، وانهالت الرسائل على برنامج (ما يطلبه المستمعون) تطالب بإذاعتها، حتى وصلت رسالة من نجاة إلى أمين حماد رئيس الإذاعة وقتذاك تطلب منع إذاعة الأغنية، وأطلعني على الرسالة فقلت له إن هذا التوقيع مزوّر، وكانت مقدمة البرنامج الإعلامية سامية صادق قد حولت للتحقيق لإذاعة الأغنية، فحملت صندوقاً مليئاً برسائل تطلب إذاعة الأغنية، وانتهى الأمر بإذاعتها مجدداً، ولا تزال تحظى بنسبة استماع عالية حتى اليوم”.

وبعد نجاح “مهما الأيام” قدّم حلمي بكر إلى نجاة العديد من الألحان، منها “ما أظنش يا حبيبي”، و”فاكرة” للشاعر عبدالوهاب محمد، و”وحياة الهوى” للشاعر مرسي جميل عزيز، و”حبيبي جاي حدانا” للشاعر عبدالسلام أمين.

البقية في الحلقة المقبلة

«صغيرة على الحب» تنافس «القيثارة» في ساحة الغناء

لقاء تلفزيوني بين يوسف السباعي وبطلة «جفت الدموع»

ملصق حفل غنائي يبدد شائعات الخصومة بين الشقيقتين

مواهب السندريلا تعددت بين الغناء والكوميديا والادوار الجادة