صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4469

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مجابهة الصين

  • 24-05-2020

إذا كانت الصين راغبة في قيادة العالَم، فسيكون لزاما عليها أن تقدم ما هو أكثر من المال والترهيب، إذ لا تزال الحرية تشكل أهمية كبرى، وإلا فلماذا أقام الطلاب الصينيون المحتجون تمثالا بارتفاع عشرة أمتار لإلهة الديمقراطية في ساحة بوابة السلام السماوي في عام 1989؟

بدلا من استخدام كل صلاحيات الحكومة الفدرالية في الولايات المتحدة للحد من ويلات جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19)، تهدر إدارة الرئيس دونالد ترامب الوقت الثمين والطاقة في إلقاء اللوم على الصين عن انتشار الفيروس، يتحدث الخبراء عن حرب باردة جديدة، ولكن إذا كانت الولايات المتحدة عازمة حقا على مجابهة الصين في صراع على القيادة العالمية، فمن الواضح أن ترامب يدير هذا الصراع على نحو سقيم أخرق.

فحتى في وقت حيث تُـمـطِر الصين البلدان في مختلف أنحاء العالم بالإمدادات اللازمة لمكافحة الجائحة، وترسل إليها الفرق الطبية، يقرر ترامب قطع السفر جوا من أوروبا دون حتى أن يكلف نفسه عناء إبلاغ حلفاء أميركا الأوروبيين، ومنذ شهر مارس، ساهمت الحكومة الصينية بمبلغ 50 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية، في حين ذهب ترامب إلى تجميد التمويل الأميركي زاعما أن منظمة الصحة العالمية "تكرس جهودها لخدمة مصالح الصين".

عندما عَـقَـد وزراء خارجية مجموعة السبع مؤتمرا بالفيديو لمناقشة استراتيجية مشتركة لمحاربة جائحة "كوفيد-19"، تمثلت مساهمة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الإصرار على تسمية العامِل المسبب للمرض "فيروس ووهان" على اسم المدينة الصينية التي يفترض أنه نشأ فيها، وبعدما أصابهم الضجر والسأم من الأعاجيب الغريبة على طريقة ترامب، أنهى الوزراء الآخرون المؤتمر دون التوصل إلى نتيجة.

لا شك أن السخاء الصيني لا يأتي بلا قيد أو شرط، فقد رفضت منظمة الصحة العالمية في هَـلَـع الاعتراف بنجاح تايوان في الحد من انتشار الفيروس، أو حتى قبول تايوان كعضو في المنظمة، خشية الإساءة لمشاعر البر الرئيس للصين، وبينما كانت حكومة الولايات المتحدة تروج لنظريات المؤامرة حول الصين، خفف الاتحاد الأوروبي من انتقاده لتضليل الصين المتعمد بعد أن هددت الصين بالرد.

الواقع أن فعالية التخويف الصيني علامة تدل على قوتها الاقتصادية المتنامية، والمفترض أن تكون مثل هذه التكتيكات أقل فعالية إذا التزم الحلفاء الغربيون، وكذلك الأطراف المهتمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا، بالوقوف صفا واحدا. في الماضي، كانت أي جبهة مشتركة من هذا القبيل تعتمد على القيادة الأميركية، لكن عجز الإدارة الأميركية الحالية المنشغلة بذاتها يجعل هذا الاحتمال بعيدا، وربما يسمح هذا للصين في الأمد البعيد بتولي زمام القيادة، لغياب بديل أفضل.

في واقع الأمر، نادرا ما تبنت الدول الغربية سياسة مشتركة في التعامل مع الصين، ولم تتغير الأسباب وراء هذه الحقيقة كثيرا منذ أواخر القرن الثامن عشر، عندما أرسَل الملك جورج الثالث اللورد مكارتني لإقامة علاقات دبلوماسية مع الإمبراطورية الصينية، ومن عجيب المفارقات في تلك المهمة الفاشلة أن البريطانيين كانوا يتطلعون إلى التجارة في سلع أخرى غير الأفيون مع الصين، لكن الإمبراطور تشيان لونغ قال إن الصينيين لا يحتاجون أي شيء من البريطانيين.

كان مكارتني أثار بالفعل استياء مضيفيه عندما رفض السجود للإمبراطور، وهي لفتة خضوع لم تكن مطلوبة من قِـبَـل مَـلِـكه، أما أعضاء بعثة هولندية مماثلة، والذين وافقوا على اتباع العادات والتقاليد الصينية، فسجدوا لعرش التنين، فقد وجدوا من البلاط الإمبراطوري قدرا أعظم من العطف والمحاباة، وقد أثار هذا غضب البريطانيين الذين لاموا الجشع الهولندي المعهود، أي شيء من أجل جيلدر سريع، ولكن في ذلك الحين ذهب الهولنديون إلى هناك ممثلين لشركة الهند الشرقية الهولندية، وليس مَـلِكهم.

المقصد هنا هو أن الصين كانت تعتبر نفسها مركزا للعالَم المتحضر، وكان من غير الممكن النظر إلى البعثات القادمة من الخارج إلا على أنها جاءت حاملة لجزية أو للتعبير عن الإجلال والثناء، وليس على أنها مرسلة من أنداد متساوين أبدا، ولكن يبدو أن مكارتني، في ثقته بأن بريطانيا كانت القوة الأولى في العالم، لم يكن بوسعه أن يتعامل مع الصين على ذلك الأساس. كان الهولنديون، مثلهم في ذلك كمثل الاتحاد الأوروبي اليوم، مهتمين في المقام الأول باختراق السوق الصينية وكانوا على استعداد للعب وفقا لقواعد الصين.

حتى على الرغم من تضاؤل نفوذ بريطانيا، فإن صَدى صِـدام القوى العظمى في زمن مكارتني ما زال يتردد حتى الآن، على مدار قرن من الزمن تقريبا، لم يكن الادّعاء الأميركي بأن الولايات المتحدة تمثل نموذجا لا نظير له للحضارة أقل إغراقا في المبالغة من النظرة الصينية لأباطرة تشينغ.

عندما كانت الصين فقيرة وواقعة تحت رحمة القوى العظمى العالمية، كان من السهل أن يتفضل الأميركيون على الصينيين باعتبارهم متحولين محتملين إلى الديمقراطية، والرأسمالية، والمسيحية. من ناحية أخرى، كان التعامل مع الإمبراطورية اليابانية الجامحة في أوائل القرن العشرين أصعب كثيراً، فعندما طالبت اليابان، بصفتها دولة موقعة على معاهدة فيرساي في عام 1919، بإضافة فقرة ضد التمييز العنصري بين أعضاء عصبة الأمم، رفضت الولايات المتحدة (وأستراليا) طلبها.

في عهد الرئيس ماو تسي تونغ، لم يكن هناك أي أموال يمكن جنيها في الصين، ومع ذلك فشلت الدول الغربية في الاتفاق على كيفية التعامل معه، عندما اعترفت بريطانيا بجمهورية الصين الشعبية في عام 1950، بعد عام واحد فقط من الثورة، كانت الولايات المتحدة، في تحضيرها لحملتها العنيفة ضد الشيوعية العالمية، تشعر بغضب شديد، وحتى سبعينيات القرن العشرين، كانت واشنطن تعترف بنظام تشيانغ كاي شيك القومي على جزيرة تايوان الضئيلة باعتباره الحكومة الشرعية الوحيدة للصين.

الآن وقد أصبح من الممكن جني قدر كبير من المال في الصين مرة أخرى، عدنا إلى زمن مكارتني، فلا تزال حدود المملكة الوسطى هي تقريبا حدود إمبراطورية تشينغ ذاتها، والحكومة هناك ليست أكثر ديمقراطية مما كانت عليه في عهد الإمبراطور تشيان لونغ، وبعد قرن من الحروب، والغزوات، والفقر الجماعي، وسفك الدماء، باتت الصين تُـعَـد مرة أخرى نموذجا للحضارة والذي يُـنـتَـظَـر من الهمج أن يقتدوا به.

صحيح أن مشهد الصين كقائد محتمل للعالم ليس جذابا، لكن الولايات المتحدة تتلاشى بسرعة كبديل، لقد اتسم "القرن الأميركي" بالعديد من الحروب الحمقاء، والجمود الإيديولوجي، والدعم المفرط لبعض الأنظمة الدكتاتورية الشديدة السوء، ورغم كل ذلك، كان التمسك العالمي بالقيادة الأميركية قائما على نطاق واسع على احترام شكل من أشكال الحكم الذي كان على الرغم من العيوب التي شابت تنفيذه يخاطب التطلع الإنساني إلى الحرية، بما في ذلك في أجزاء من العالَم الناطق باللغة الصينية.

لا يصدق القول نفسه على الصين اليوم، وإذا كانت الصين راغبة في قيادة العالَم، فسيكون لزاما عليها أن تقدم ما هو أكثر من المال والترهيب، إذ لا تزال الحرية تشكل أهمية كبرى، وإلا فلماذا أقام الطلاب الصينيون المحتجون تمثالا بارتفاع عشرة أمتار لإلهة الديمقراطية في ساحة بوابة السلام السماوي في عام 1989؟ لن تكون الصين قادرة على النهوض بهذه القضية على نطاق عالمي ما لم تبدأ بالداخل أولا.

* إيان بوروما مؤلف كتاب «قصة حب من طوكيو: مذكرات»، وهو أحدث مؤلفاته.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»