صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4491

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

في رثاء جاسم المرزوق

  • 29-04-2020

تركت بصمات مضيئة ومشرقة في المؤسسات التي توليت قيادتها، وظللت يا أبا محمد محافظا على صفاتك الكريمة متواضعا طيبا وقورا لم تغيرك المناصب كما يحدث لكثير من البشر، ربما كنت أعلى من المنصب.

منذ أيام رحل عن دنيانا الزميل الفاضل جاسم خالد المرزوق، عميد عائلة المرزوق الكريمة، وهذه طبيعة الحياة "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ". (الرحمن، 26، 27)، فسبحان من كتب لنفسه الدوام ولمخلوقاته الفناء، "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". (القصص، 88)، فهو الحي القيوم.

كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ

هذا ما قاله كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة "بانت سعاد" التي مدح فيها رسول الله والتي سميت "البردة"، لأن الرسول أعجب بتلك القصيدة وأهدى الشاعر كما يقال بردته، ومع اعترافنا بهذه الحقيقة، فإننا زائلون وإن وجودنا في هذه الحياة مؤقت، إلا أننا كبشر نشعر بالحزن والأسى لفراق كل عزيز وحبيب.

تألمت كثيراً لما رأيت اسمك في صفحة الوفيات، وازددت حزنا وألما لما ذهبت إلى المقبرة لأشارك في توديعك والصلاة عليك فمنعت وأخبروني أن التشييع مقصور على الأقارب بسبب الظروف الصحية التي يمر بها العالم، فقلت لنفسي أبو محمد هذا الإنسان الطيب والكريم والذي خدم الدولة بإخلاص واجتهاد وتبوأ الكثير من المناصب القيادية فيها، كان من المفروض أن يحضر لتوديعه الآلاف من كبار المسؤولين وأصحابه وأحبابه ومن شملهم برعايته ومساعدته، فهو فقيد الوطن قبل أن يكون فقيدا لأسرته.

تعرفت على أبي محمد أثناء دراستنا في مصر، ذهبت إليها 1957، وكان أبو محمد قد سبقني إليها كما أعتقد بعام أو عامين، كان يدرس الحقوق وكان بفتخر بتخصصه، ويقول إنه اختار هذا التخصص ليتمكن من الدفاع عن القانون والحقوق والمظلوم، وإنها الكلية التي تخرج منها القادة وكبار الزعماء، أما أنا فكنت أدرس اللغة العربية وآدابها، فالناس كما يقول بشار "فيما يعشقون مذاهب"، هكذا خلق الله البشر مختلفين في توجهاتهم، كنا في مطلع الشباب والسعادة تغمر قلوبنا، تعرفت عليك في ذلك الزمن الجميل، زمن القوة والشباب والمرح لم تداهمنا أمراض الشيخوخة وضعفها، كنت يا أبا محمد في ذلك الزمن مرحا اجتماعيا متواضعا هاديا كريم الأخلاق والطباع، تعرف معنى الصداقة والحفاظ عليها.

مر الزمن الجميل سريعا كسرعة البرق أو أشد سرعة، وانتقلنا إلى الحياة العملية، وأثبت أبو محمد جدارته وكفاءته وإخلاصه للعمل، نال ثقة المسؤولين والقيادة السياسية، تقلد مناصب قيادية في البلدية والعدل والتربية والتجارة.. تركت بصمات مضيئة ومشرقة في المؤسسات التي توليت قيادتها، وظللت يا أبا محمد محافظا على صفاتك الكريمة متواضعا طيبا وقورا لم تغيرك المناصب كما يحدث لكثير من البشر، ربما كنت أعلى من المنصب.

رحمك الله يا أبا محمد وأسكنك فسيح جناته، وجعل منزلتك عنده أفضل من منزلتك في هذه الحياة، اللهم يا غفور يا رحيم اغفر لزميلنا جاسم المرزوق، اللهم تجاوز عن سيئاته وضاعف حسناته فإنك أنت السميع العليم والكريم.

وصيتي لأولاد الزميل العزيز جاسم أن يكثروا من الدعاء لوالدهم وخصوصا في هذا الشهر الفضيل، فخير ما يترك الإنسان في هذه الحياة أولاد صالحون يدعون له، وأن يحافظوا على ديوان الأسرة، فهو ديوان قديم وعريق، فقد كان والدهم حريصا على التواصل مع أصدقاء الأسرة يشاركهم في الأفراح والأحزان، ولم يمنعه المرض من التواصل مع الأصدقاء فكان يراه واجبا يجب أن يؤديه.