صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4393

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

تحديد نسبة الرد على هجمات إيران ووكلائها

عندما استهدفت الغارات الجوية الأميركية عناصر من ميليشيات «كتائب حزب الله» وشخصيات عسكرية إيرانية رفيعة المستوى في 29 ديسمبر و3 يناير الماضيين، كانت الولايات المتحدة تطلق بذلك العنان لانتقام مكبوت منذ وقت طويل، رداً على مجموعة من الاستفزازات من جانب الميليشيات العراقية.

ومع أن هذه الضربات القوية ربما تكون قد أضفت بعض الحذر على حسابات العدو، لكن من المرجح أن يكون هذا الردع مصدرا في طريقه إلى النضوب.

ولعلّ الدافع الأخير للضربات، مقتل متعاقد مدني أميركي خلال الهجوم الصاروخي الذي شنته «كتائب حزب الله» في 27 ديسمبر على قاعدة «كي ون (K-1)» في كركوك، لم يكن سوى حادثة واحدة من أصل سلسلة من عمليات الميليشيات التي تزداد خطورة ضد المنشآت الأميركية.

وقد منع حُسن الحظ فقط موت المزيد من الأميركيين في الهجمات التي شُنت منذ ذلك الحين، وشملت ضرب الجزء الأميركي من «قاعدة عين الأسد الجوية» بصواريخ باليستية إيرانية، مما تسبب في أكثر من مئة إصابة دماغية غير مميتة، وقصف قاعة الطعام بالسفارة الأميركية في بغداد بقذائف الهاون وإطلاق صواريخ على الموقع الأميركي في غرب «القيارة»، وإلقاء عبوة ناسفة على قافلة لوجستية أميركية جنوب بغداد، وهجوم صاروخي على موقع أميركي في كركوك.

ويبدو أن الولايات المتحدة أبلغت طهران بأنها ستضرب الميليشيات العراقية وأهدافاً إيرانية إذا قُتل أي أميركي، لكن هذا الخط الأحمر فتح الباب أمام منطقة رمادية خطيرة تشجعت فيها إيران ووكلاؤها على مواصلة هجماتهم غير الفتاكة.

ففضلا عن أنّ مثل هذه الهجمات الشديدة الخطورة تؤدي إلى مزيد من الوفيات الأميركية، فإنها ستسفر أيضا عن الكثير من الإصابات الإضافية إذا ما سُمِح لها بالاستمرار، كما ظهر بالضربة في 8 يناير.

وعلى نطاق أوسع، سوف تحدّ من حريّة الأميركيين في التحرك بالعراق وسورية، مما سيقوّض هدف وجودها هناك في المقام الأول.

في التسعينيات، اختبرت قوات الرئيس العراقي السابق صدام حسين تدريجيا الخطوط الحمر الأميركية في مناطق حظر الطيران، مستخدمة وحدات الدفاع الجوي لاستهداف الدوريات الأميركية اليومية بدرجات متفاوتة من الخطورة.

فأدرك المسؤولون الأميركيون أنهم بحاجة إلى آلية للاستمرار في تحديث الردود الرادعة العقابية ومعايرتها، ليس للحفاظ على سلامة قواتهم وعملها فحسب، بل لتفويض الردود إلى قادة محليين أيضا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المساءلة والتناسب. فجاء الحل في شكلين، هما: نسبة الرد وخيارات الرد.

وكانت نسبة الرد عبارةً عن نظام حساب صنّف أنواعاً مختلفةً من استفزازات العدو، ثم ربطها على نحو تقريبي بردود أميركية مسلحة مختلفة. وقد أخذ النظام العوامل التالية في الاعتبار:

• كمية الهجمات... عدد الهجمات ضمن فترة التغطية المعنية (مثلاً، الأيام الخمسة عشر الماضية).

• التصنيف النوعي... على سبيل المثال، تم تصنيف إطلاق نيران مدفعية عشوائية مضادة للطائرات في مرتبة أدنى من إطلاق صاروخ أرض جو فتاك من طراز «إس إيه 6 (SA-6)»؛ كما صُنّفت الهجمات على المنصات الهشّة مثل طائرات الإنذار المبكر المحمولة جواً في مرتبة عالية أيضا.

نسبة الرد... تم اختيار شدة كل ردّ فعل حركي للولايات المتحدة استناداً إلى الحساب الرقمي للعاملين الكمي والنوعي أو إلى عملية احتساب أقل رسمية (على سبيل المثال، يمكن اعتبار خمس هجمات مدفعية مضادة للطائرات كمعادِلة لهجوم صاروخي واحد).

وكانت خيارات الرد عبارة عن مجموعات من الأهداف المفروزة سابقا، والتي يمكن الحصول بسرعة على تخويل لاتخاذ إجراءات انتقامية بحقها. وتضمّن النظام متغيرين اثنين هما:

• اختيار الأهداف: تم تقييم خيارات الرد، إذ قد ينطوي الخيار الأدنى على ضربة مباشرة على وحدة الدفاع الجوي المخالِفة، بينما قد يكون مستوى الرد التالي ضربة مباشرة على مجموعة بعيدة وأكثر قيمة من أهداف الدفاع الجوي. أما خيارات المستوى الأعلى فقد تتضمن ضرب أهداف خارج منطقة حظر الطيران أو أهداف أخرى غير الدفاعات الجوية.

وقد مَنَح هذا النظام للقادة الأميركيين من حين لآخر خيار تعقّب أهداف استراتيجية قيّمة مثل القيادة على المستوى الوطني والمواقع العسكرية.

• سلطات القيادة: كان كل خيار رد مقترناً بمستوى تخويل معيّن. فقد تتم الموافقة على الخيار الأدنى على المستوى التكتيكي (أي، الطيار الذي تم ضرب طائرته)، في حين تتطلب الخيارات الأكثر قوة موافقة من القائد العام في «القيادة المركزية الأميركية» أو حتى كبار القادة المدنيين في واشنطن.

تطبيق نسبة الرد حالياً


هناك على الأقل بعض الآليات التي تدعم نسب الرد وخياراته على مأزق حماية القوات الذي تواجهه الولايات المتحدة حاليا في العراق وسورية، حيث تعمل القوات الأميركية من جديد في مرمى العدو يومياً.

وفي الواقع، يشير الردّ الأميركي السريع على الهجوم الصاروخي الفتاك الذي وقع في 27 ديسمبر إلى استخدام خيارات الردّ المفروزة سابقاً. غير أنّ الموقف الأميركي الحالي هشّ ويمكن التنبؤ به عموماً، وأن الإجراءات الدفاعية الكلية لن تكون كافية لحماية القوات الأميركية والدبلوماسيين والمقاولين. ولن تتمكن الحكومة الأميركية من تلبية واجب ضمان أعلى درجات الحماية سوى من خلال إقران الإجراءات الدفاعية مع الردع بالعقاب.

وقد تؤدي نسبة الردّ الجديدة إلى أخذ العوامل التالية في الاعتبار:

• كمية الهجمات... عدد الهجمات المدعومة من إيران على القوات الأميركية في العراق وسورية ضمن فترة التغطية المعنيّة - على سبيل المثال، الثلاثين يوماً الماضية.

• التصنيف النوعي... يجدر تصنيف هجمات الصواريخ وقذائف الهاون التي تنطوي على إطلاق نار على أهداف دقيقة أو بشكل كثيف بِنيّةٍ واضحة للقتل عند مرتبة أعلى من ضربات المضايقة وتجنّب الهدف عمدا. كما يمكن تصنيف الضربات على الأهداف الهشة (المنشآت غير المصلّدة، والطائرات، وقوافل السيارات) في مرتبة أعلى أيضاً.

وقد يتم تصنيف استخدام الأسلحة المتقدمة مثل القنابل التي تزرع على شكل متفجرات على جانب الطريق أو الصواريخ الدقيقة أو الصواريخ الباليستية في مستوى أعلى بعد.

وعند احتساب الجيش الأميركي نسبة الردّ من أجل تنظيم ردود فعله الحركية على مثل هذه الهجمات، يمكنه مراعاة المنهجية التالية:

• خيارات الردّ. يمكن للخيارات الأدنى أن تنطويَ على إطلاق نيران مضادة على فرق الصواريخ، كما حدث على ما يبدو في 31 يناير عندما استهدفت المدفعية فريق الصواريخ الذي يطلق النار على الموقع الأميركي في «مطار قيارة الغربي».

ويمكن للأهداف الأعلى مستوى أن تشمل قواعد الميليشيات والعناصر التكتيكية (مثل تلك التي قُصفت في 29 ديسمبر) أو قادة الميليشيات (مثل أولئك الذين قتلوا في 3 يناير).

كما تشكّل الإصابات الوشيكة غير الفتاكة أو الضربات الفتاكة على شخصيات مقربة من قادة الميليشيات خيارات محتملة أخرى، وهو الأمر بالنسبة إلى الهجمات الإلكترونية. وتجري في الواقع عملية متواصلة لتوليد الأهداف وفرزها والموافقة عليها، لذلك كل ما يلزم فعله هو تقسيم خيارات الرد إلى مستويات مختلفة.

• سلطات القيادة. يجب أن يكون مستوى التخويل اللازم لتنفيذ معظم خيارات الرد هذه أو جميعها مرتفعا جدا، مثل القائد العام لـ «القيادة المركزية الأميركية»، أو على الأرجح القادة المدنيين الكبار في واشنطن. ونظرا إلى قلّة الضربات المفترضة الضرورية، فلن يكون إشراك قادة رفيعي المستوى في صنع القرار في كل حالة أمرا غير منطقي أو عبئا لا مبرر له. ولن تكون هناك عجلة للضرب في معظم الحالات، ومن شأن نظام خيارات الرد المفروزة سابقا أن يسهّل بشكل عام الانتقام في الوقت المناسب - وبالتأكيد بسرعة كافية تسمح لأعداء الولايات المتحدة بالربط بين استفزازاتهم المحددة وردود واشنطن المتناسبة على نطاق واسع.

سياسة الانتقام في العراق

لا بدّ من مراجعة أعمال الرد وتحديثها بانتظام، لذا من الضروري استخدام أي نظام رد وتفقّده باستمرار للتأكد من أنه لا يزال يتناسب مع الهدف المقصود منه. ويمكن لواشنطن حينئذ تغيير طريقة احتساب نسبة ردّها سرّاً وكما تريد.

ومن خلال تقليل ضغط الاضطرار إلى الردّ فوراً خوفاً من الاعتبار «بأنّ الولايات المتحدة تدير خدها الأيسر»، بإمكان مثل هذا النظام أن يُخفض خطر استدراجها إلى شنّ ضربات انتقامية في ظل ظروف خطيرة - لاسيما عندما تهدف قوات العدو إلى جذب القوات الأميركية إلى التسبب في أضرار جانبية.

وتوجد بالفعل العديد من مكونات مثل هذا النظام «مثل فحص الأهداف واعتبارات التناسب»، ولكنها غير مدمجة في إطار منطقي للدفاع عن النفس.

وللخروج من الحلقة المفرغة الحالية، تحتاج الحكومة الأميركية إلى نظام انتقامي أكثر رسمية تتوازن فيه المزايا الميكانيكية والسياسية. وإلا ستستمر إيران وميليشياتها العميلة في تجاوز حدود الردع إلى أن تقتل المزيد من الأميركيين أو تصيبهم بجراح بشكل مؤلم.

وكان اغتيال قائد «كتائب حزب الله» أبومهدي المهندس والقائد الإيراني قاسم سليماني في 3 يناير قد شكّل فائضاً من الانتقام في وقت واحد، يتسبب في خطر كبير بحدوث تصعيد غير مقصود واحتمال تقويض الموقف الأميركي الشامل في العراق وسورية.

يجب على أولئك الذين يرغبون في السلام أن يسعوا إلى إيجاد نظام ردع أكثر تدريجيا يمكن أن يخفض حرارة الصراع الأميركي- الإيراني.

*مايكل نايتس

الحكومة الأميركية تحتاج إلى نظام انتقامي أكثر رسمية تتوازن فيه المزايا الميكانيكية والسياسية

اغتيال سليماني والمهندس شكّل فائضاً من الانتقام في وقت واحد يتسبب في حدوث تصعيد غير مقصود واحتمال تقويض الموقف الأميركي الشامل في العراق وسورية

واشنطن أبلغت طهران بأنها ستضرب أهدافاً إيرانية إذا قتل أي أميركي لكن هذا الخط الأحمر شجّع إيران ووكلاءها على مواصلة هجماتهم غير الفتاكة