صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4360

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

البرازيل تحتاج إلى بداية جديدة

  • 13-02-2020

اليوم يشعر أغلب البرازيليين بالإحباط واليأس، وفي عام 2013 شهدت البرازيل واحدة من أكبر المظاهرات في تاريخها، وقد كشفت الانتخابات الرئاسية لعام 2018 التي جلبت إلى السلطة جايير بولسونارو وحكومته اليمنية المتطرفة عن مدى الاستقطاب والاستياء بين الناخبين.

"أدعو الله أن يتمكن أفراد أسرتي ذات يوم من حضور عدد أقل من الجنازات وعدد أكبر من حفلات التخرج". دَوَّت هذه الكلمات في أذني وكأنها طلقة نارية، فقد أتت على لسان طفل برازيلي من ساو جونزالو يسمى دوغلاس، توفي والد دوغلاس تحت وابل من الرصاص قبل أن يولد دوغلاس؛ ثم أرديت والدته قتيلة بالرصاص في عيد مولده الحادي عشر، ومثله كمثل العديد من الأطفال البرازيليين في سِنه، اضطر دوغلاس إلى ترك مدرسته لكي يتمكن من الإنفاق على إخوته. بعد قضاء بعض الوقت مع دوغلاس في ساو جونزالو، وهي واحدة من أفقر المدن وأكثرها عنفا في ولاية ريو دي جانيرو، بات من الواضح في تصوري أنه كان ضحية عشوائية. يعيش دوغلاس في واحدة من أكثر المدن تفاوتا في واحدة من أكثر دول العالم ظلما، فإحصائيا، سيستغرق الأمر تسعة أجيال أخرى قبل أن يصعد شخص من حيه إلى الطبقة المتوسطة.

ودوغلاس ليس وحده في هذا، وباعتباري مضيفا في أكبر شبكة تلفزيونية في البرازيل، أمضيت عشرين عاما من عمري أعرض قصص أشخاص يعيشون في أكبر الأحياء الفقيرة والمجتمعات النائية في منطقة الأمازون، وبصفتي أحد رواد العمل الاجتماعي، فأنا أبحث بلا انقطاع عن طرق جديدة لإطلاق إمكانات عشرات الملايين من البرازيليين الذين يعيشون في فقر.

بقدر ما أستطيع أن أعود بذاكرتي إلى الوراء، كانت البرازيل موضع سخرية بوصفها دولة تنتظر إلى الأبد وصول المستقبل. تُـعَد أشكال التفاوت المختلفة بين الناس العقبة الأكبر التي تحول دون التقدم، فهي ترتبط بإرث البرازيل من الاستعمار والاستعباد والمؤسسات الإقصائية، ويديمها تجاهل النخب البرازيلية الهازئة للفقراء، وعلى الرغم من نجاح الإدارات الرئاسية المتعاقبة منذ استعادة الديمقراطية في عام 1985 في ترويض التضخم، وتوسيع نطاق المساعدات الاجتماعية، بل حتى الحد من الفقر، فقد ظلت فجوة التفاوت بين الناس متسعة بعناد.

الأسوأ من ذلك أن أدلة حديثة تشير إلى أن فجوة التفاوت في البرازيل بدأت تتسع مرة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى إهدار قدر كبير من التقدم الذي أحرز في العقود الثلاثة الماضية. السبب الرئيس وراء هذا هو النظام الضريبي الرجعي وإعانات الدعم التي يستفيد منها على نحو غير متناسب المنتمون إلى الشريحة الأكثر ثراء من أمثالي. الواقع أن الضرائب على الدخل والممتلكات منخفضة في البرازيل مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى، لكنها تفرض مجموعة من الضرائب غير المباشرة على الفقراء. إذا كان للبرازيل أن تحظى بأي فرصة للحد من اتساع فجوات التفاوت، فإنها تحتاج إلى إدخال تحسينات جذرية على نطاق تغطية التعليم العام الأساسي وجودته. في حين يتلقى المواطنون الأثرياء تعليما عالي الجودة، فإن المواطنين الأكثر فقرا مثل دوغلاس يضطرون بشكل روتيني إلى ترك المدرسة قبل الأوان، بسبب العنف والضغوط المالية المعوقة. يساعد هذا في توضيح السبب وراء وجود أكثر من 11 مليون برازيلي في سن 15 عاما فما فوق لا يعرفون القراءة ولا الكتابة حتى الآن.

الواقع أن البرازيل تحتاج بشدة إلى تحسين فعالية المدارس الحكومية البالغ عددها نحو 200 ألف مدرسة، وبدلا من بناء منشآت جديدة، ينبغي لنا أن نعمل على إيجاد طرق للإنفاق بشكل أكثر كفاءة، مع التركيز على تدريب المعلمين والتطوير الوظيفي، والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، والمناهج الدراسية اللائقة بالقرن الحادي والعشرين. ويثبت تحسن النتائج التعليمية في الآونة الأخيرة في سيارا، وبياوي، وإسبيريتو سانتو، أن تحقيق التقدم السريع أمر ممكن.

لن يتسنى للبرازيل أن تكسب معركتها ضد التفاوت ما لم تمتد خدمات شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد إلى جميع المواطنين، فهناك ما يقدر بنحو 43 مليون برازيلي يعيشون في فقر حاليا، وأكثر من 13 مليونا منهم يعيشون في فقر مدقع، وهو أعلى مستوى في سبع سنوات، ولكن ما يدعو إلى التفاؤل أن الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات البيانات الضخمة من الممكن أن تساعد في تحسين جودة الخدمات ونطاق تغطيتها، وبتكلفة أقل من أي وقت مضى.

ولكن لتحسين التعليم والشمول الاجتماعي، تحتاج البرازيل إلى قيادة جديدة، فاليوم يشعر أغلب البرازيليين بالإحباط واليأس، وفي عام 2013 وقبل فترة طويلة من الاحتجاجات الحاشدة التي اندلعت في تشيلي والإكوادور، شهدت البرازيل واحدة من أكبر المظاهرات في تاريخها، وقد كشفت الانتخابات الرئاسية لعام 2018 التي جلبت إلى السلطة جايير بولسونارو وحكومته اليمنية المتطرفة عن مدى الاستقطاب والاستياء بين الناخبين، وتحت وطأة الإنهاك الشديد بفِعل الفساد المستشري والركود الاقتصادي، صوت البرازيليون للتغيير. غني عن القول إن الآراء منقسمة حول ما إذا كانت رئاسة بولسونارو قد تعمل على توحيد البرازيليين وتحويل البلاد إلى الأفضل.

يرى كثيرون من أبناء جيلي أن السياسة عمل قذر ومن الأفضل تجنبه، ولكن عندما أسترجع الماضي، يتبين لي الآن أنني أشارك في تحمل المسؤولية عن هذه النتيجة، فلأن السياسة لا تتفق مع طبيعتي، لم أشارك بشكل كاف في هذا المجال الحيوي.

لكن جيلي لم يعد بوسعه أن يقبل الأمور على حالها الآن، لقد حان الوقت لكي تعمل البرازيل على تجديد عقدها الاجتماعي، فالبلاد في احتياج إلى تحالف سياسي واسع النطاق لكبح جماح التفاوت بين الناس، واستعارة أفضل الأفكار من كل من اليسار واليمين، ولن يحل النقاء الإيديولوجي والسياسات غير المستنيرة المشاكل الأكثر إلحاحا التي تواجه البرازيل، فنحن في احتياج فضلا عن ذلك إلى ساسة وموظفين مدنيين مؤهلين فنيا وأخلاقيا للوظيفة، ولكن لا يجوز لنا أن نتوقع نجاح صناع السياسات دون مساعدة خارجية.

في عام 2017، دفعتني هذه التحديات إلى الانضمام إلى Agora (أجورا)، وهي حركة مدنية تكرس جهودها لتعبئة جيل جديد من القادة الشباب الذين تعهدوا بتكريس ما لا يقل عن عامين من حياتهم المهنية للخدمة العامة، وبعد ذلك بفترة وجيزة، ساعدت في إطلاق مدرسة RenovaBR، وهي مدرسة تدريب غير حزبية للقادة السياسيين المحتملين. في دعوتنا الأولى لتقديم الطلبات، نجحنا في اجتذاب أكثر من 4600 طلب من أشخاص لم يشاركوا في السياسة من قَبل قَط، اجتذبتهم دعوتنا: "لكي تكون المرشح الذي تود لو تعطيه صوتك". وبين أكثر من 120 متقدما ناجحا، انتُـخِب سبعة عشر لمناصب فدرالية في عام 2018، وفي دعوة حديثة لتقديم الطلبات قبيل الانتخابات البلدية القادمة في البرازيل، تلقينا أكثر من 31 ألف طلب.

الواقع أن المرشحين الذين تدعمهم مجموعات مثل أجورا وRenovaBR، يقدمون رؤية ملهمة وإيجابية لبرازيل أكثر انفتاحا وتعددية، وهم يركزون على ما يهم حقا: سد الفجوة الهائلة بين الأثرياء والفقراء. وبسببهم، ما زلت متفائلا بشأن البرازيل، فإذا استهدفنا فجوات التفاوت بالاستعانة بالأدوات المتاحة لنا، فسيعيش دوغلاس والملايين من الأطفال من أمثاله إلى أن يحضروا عددا أكبر من حفلات التخرج وعددا أقل من الجنازات.

* لوتشيانو هاك مقدم برامج تلفزيونية، ومحب لأعمال الخير، ورجل أعمال برازيلي.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»