صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4360

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الاقتصادية»: اللجوء إلى الدين العام بشكل يزيد تقاعس الإدارة العامة

«تصريحات وزيرة المالية حملت وعوداً لا تتطابق مع برنامج العمل الحكومي»
«عجز الميزانية المتكرر يكشف عجز الحكومة عن التصدي للهدر والفساد»

  • 28-01-2020

عرضت وزارة المالية مؤخراً الملامح الرئيسية لمشروع قانون الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2020/2021، والذي تضمن عجزا تقديريا بنحو 7.7 مليارات دينار قبل استقطاع مخصصات الأجيال القادمة، ونحو 9.2 مليارات دينار بعد الاستقطاع.

وقال بيان للجمعية الاقتصادية الكويتية إنه في سياق الحلول المقترحة لهذا العجز أشارت وزيرة المالية إلى ضرورة إعادة النظر في رواتب موظفي القطاع الحكومي. وقد أثار تصريحها هذا ردود فعل ساخطة من جانب عدد من النواب وكتاب الأعمدة الصحافية ووسائل التواصل الاجتماعي، وشرائح مجتمعية كثيرة، وأعقب ذلك تراجع وزيرة المالية عن مضمون هذا التصريح، بل وتأكيدها عدم وجود نية لدى الحكومة للمساس بالدعوم، وأن ما قصدته بالنظر في الرواتب إنما يتعلق بالبديل الاستراتيجي، الذي سيترتب على تطبيقه زيادة رواتب موظفين في القطاع الحكومي بنحو 30%. وقد رافق تراجع الوزيرة عن تصريحاتها، قيامها بإطلاق وعود لا تتطابق مع برنامج العمل الحكومي الذي نص على «ضبط الإنفاق الجاري؛ وذلك بالحد من التوسع في المصروفات، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه». لافتاً إلى أن هذه التصريحات المتعارضة تدل على أن الحكومة لا تملك برنامجا حقيقيا وشفافا للإصلاح المالي، وأن المسؤولين الحكوميين، على أعلى المستويات، ما زالوا يطرحون حلولا ارتجالية غير واقعية وغير مدروسة.

وأوضح البيان أن العجز التقديري المعلن في برنامج العمل الحكومي ما هو إلا محصلة طبيعية لتجاوز حجم الإنفاق العام التقديري، وهو 22.5 مليار دينار لحجم الإيرادات العامة التقديرية وهي 14.8 مليار دينار. وقد ساد لغط كبير كما هي العادة بعد كل إعلان عن عجز تقديري في مشروع جديد للميزانية العامة، حيث جادل البعض بعدم وجود عجز فعلي في الميزانية العامة، في حالة إضافة عوائد الصندوقين السياديين (الاحتياطي العام وصندوق الأجيال القادمة) إلى الإيرادات، علما بأن صندوق النقد الدولي كان قد قدر فائض الحساب الختامي للسنة المالية السابقة بعد إضافة تلك العوائد بنحو 5.3 مليارات دينار.

وتابع: ولابد من التأكيد في هذا الصدد أن هذا الفائض سيتحول إلى عجز فعلي خلال سنوات قليلة قادمة في حالة استمرار الإدارة المالية للدولة على نفس نهجها الحالي في الإنفاق العام.

وقال: في الحقيقة، فإن الدولة تلجأ إلى تغطية العجز الفعلي للميزانية من السحب من صندوق الاحتياطي العام، كما هو الحال في السنوات الخمس الأخيرة، بينما يحظر القانون على الدولة إضافة عوائد صندوق الأجيال القادمة وهو الصندوق السيادي الأكبر إلى الإيرادات العامة أو استخدام هذه العوائد في تمويل العجز، حيث نص المرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 بشأن إنشاء احتياطي الأجيال القادمة على إضافة عوائد استثماراته إلى رصيده، إذ إن الهدف من إنشاء الصندوق هو تأمين مستقبل الأجيال القادمة.

وأكد البيان أن الأسباب الرئيسية وراء هذا العجز المتكرر في الميزانية العامة للكويت لا تكمن في تضخم فاتورة الرواتب، ولا في الإنفاق المتزايد على الدعوم، بل هي نتيجة حتمية لضعف الادارة الاقتصادية الحكومية التي عجزت على مدى سنوات طويلة من عمر النفط عن معالجة الخلل الهيكلي المتمثل في اعتماد الاقتصاد الكويتي على مورد وحيد للدخل، والتي عجزت عن تفعيل خطط جادة للتنويع الاقتصادي، وعن تنمية مصادر إيرادات إضافية، وعن سن تشريعات محفزة ومشجعة للاستثمار، وعن تبني سياسات دعم المنتجين الأكفاء ومحاسبة المقصرين.


وشدد على أن عجز الميزانية ناتج عن استمرار النهج الخاطئ في إعداد تقديراتها، إذ تترك الإدارة المالية للجهات الحكومية تقدير احتياجاتها من النفقات وفق نص المادة 5 من القانون رقم 31 لسنة 1978 بشأن قواعد إعداد الميزانيات العامة، بينما تتجاهل نص المادة 2 من نفس القانون التي تشترط مراعاة الميزانية لمتطلبات خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف أنه ناتج أيضاً عن استمرار الهدر في الإنفاق العام، خصوصا في المشاريع الكبرى وعقود الصيانة والأوامر التغييرية ومخصصات اللجان الصورية وحسابات العهد، وكانت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية قدرت هذا الهدر في دراسة سابقة عرضتها على ملتقى الكويت للاستثمار الذي عقد في 20/3/2018 بنسبة 40% من الإنفاق الحكومي، ورغم مرور ما يقارب السنتين على هذه الدراسة لم نلمس أي مبادرات أو إجراءات فعلية من جانب الحكومة تهدف إلى وقف هذا الهدر، أو الحد منه.

وتابع: وبدلاً من أن تعلن الوزيرة في مواجهة هذا العجز بذل كافة الجهود الممكنة من أجل معالجة أسبابه الحقيقية، وبدلا من أن تعلن التزامها ببرنامج إصلاح مالي حقيقي، نجدها تؤكد أن «الحكومة ستُحارب» من أجل انتزاع موافقة مجلس الأمة على قانون الدين العام، الذي يهدف إلى تمويل العجز عن طريق الاستدانة من الخارج.

وأعربت الجمعية الاقتصادية، في بيانها، عن قلقها البالغ من اللجوء مجددا إلى الدين العام الخارجي بوصفه ملاذا سهلا في ظل الملاءة المالية العالية التي تتمتع بها الكويت، إذ إن من شأن مثل هذا التوجه أن يزيد تقاعس الإدارة العامة عن السير باتجاه إصلاح اقتصادي حقيقي ينقذ الكويت من مأزق اعتماد مستقبلها على أسواق النفط الدولية المتقلبة وغير المضمونة في الأمد البعيد.

وأكد البيان أن عجز الميزانية المتكرر يكشف عجز الحكومة عن التصدي لملفات الهدر والفساد، كما يكشف عجز الإدارة الاقتصادية وعدم قدرتها على تنفيذ إصلاح مالي واقتصادي حقيقي. وقد سبق للجمعية الاقتصادية الكويتية أن قدمت إلى متخذي القرار في الحكومة العشرات من التوصيات الهادفة إلى معالجة ضعف الإدارة الاقتصادية والتصدي لمسببات العجز في الميزانية، إلا أنها لم تلمس صدى يذكر لمثل هذه التوصيات، علما أن صندوق النقد الدولي قدّر الفائض في الحساب الختامي عن السنة المالية لعام ٢٠١٨ - ٢٠١٩ بنحو ٥.٣ مليارات دينار، بعد إضافة هذه العوائد.

وأضاف: ولابد من التأكيد في هذا الصدد أنه في حالة استمرار الإدارة المالية للدولة على نفس نهج الانفاق العام المتبع حاليا، فإن هذا الفائض المقدر من قبل الصندوق سيتحول إلى عجز خلال السنوات القليلة القادمة.

وجددت الجمعية دعوتها إلى الحكومة، قبل فوات الأوان، للالتزام ببرنامج إصلاح مالي واقتصادي حقيقي يرتكز بشكل رئيسي على الإصلاح الإداري والمؤسسي، وزيادة حجم الإنفاق الاستثماري، وإطلاق الحوافز الكفيلة بتفعيل دور القطاع الخاص، من خلال تبني سياسة استثمار وطنية للمساهمة في خلق اقتصاد متنوع ومستدام والحرص على عدم المساس بمكتسبات ورفاهية الأسر الكويتية.