صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4539

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هاوية ترامب الإيرانية

  • 20-01-2020

على الرغم من أن إيران أعلنت أنها ستتوقف الآن عن الالتزام بالقيود التي تفرضها خطة العمل الشاملة المشتركة على برنامجها النووي، فإنها لم تغلق الباب أمام إمكانية إنقاذ الاتفاق، وعلاوة على ذلك يبدو أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران تضاءلت بعض الشيء في الأيام الأخيرة.

بدأ العام الجديد بقرار آخر أخرق في عالَم السياسة الخارجية اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان اغتيال الجنرال قاسم سليماني، الذي تولى قيادة عمليات الحرس الثوري الإيراني الخارجية، تحركا متهورا، واستفزازيا، وقصير النظر، لا شك أن تأثير سليماني على الشرق الأوسط كان خبيثا للغاية، لكنه كان أيضا قائدا لفرع مسلح من الدولة الإيرانية وكان يتمتع بشعبية شخصية واضحة في بلده، مهما تظاهر ترامب بخلاف ذلك.

مرة أخرى، تتصرف الولايات المتحدة بتجاوز مفرط وتضع سابقة خطيرة يستطيع خصومها استخدامها كذريعة لتنفيذ عمليات مماثلة، فبعد الهجوم على سليماني وقتله، ذهب ترامب إلى حد تهديد إيران مرارا وتكرارا بتدمير بعض المواقع الثقافية الثمينة في البلاد، وهو التصرف الذي كان سيشكل جريمة حرب، ورغم أن ترامب أعاد النظر في هذا الأمر كما يبدو، فإن اندفاعه المتهور يسلط الضوء على الافتقار إلى التخطيط المناسب. كان اغتيال سليماني تحركا لا يخلو من إثارة إعلامية، وربما كان المقصود منه في الأساس الاستهلاك المحلي، ومع ذلك، هل يكون فعّالا في الأمد البعيد؟

من الواضح أن الإجابة تتوقف على أهداف ترامب فيما يتصل بإيران، فقد زعمت إدارته أن تدخل الرئيس المتطرف العنيف سيكون له تأثير رادع على النظام الإيراني، الذي كان سليماني يمثل له أصلا لا غنى عنه على الإطلاق.

الواقع أن هذا الافتراض مشكوك في صحته، فرغم أن انتقام إيران كان مخففا نسبيا حتى الآن، فإن النظام لن يتخلى عن أسلحته، كما لا يمكن افتراض أن خسارة سليماني، على الرغم من أهميتها، قد تشكل عقبة لا يمكن تجاوزها بالنسبة للنظام، الذي عين بالفعل نائب سليماني المؤتمن خليفة له.

يتلخص أساس المشكلة في ما يتصل بالولايات المتحدة في غياب أي أهداف واضحة في التعامل مع إيران، وبالتالي لا توجد استراتيجية محددة بوضوح. في الشرق الأوسط، كان من الواجب أن تكون الولايات المتحدة تعلمت الآن أن هذه وصفة للكارثة، إن التوترات اليوم لا تعني أن ترامب أو قادة إيران يسعون إلى الحرب، ومع ذلك، في العديد من المناسبات، انزلقت دول إلى صراعات غير مرغوب فيها، وخاصة عندما تتسبب الثقة المفرطة في جعلها متهورة، ومع تقلباته الجامحة، لم يتمكن ترامب من إجبار إيران على التراجع إلى الزاوية فقط، بل وضع نفسه في الزاوية هو أيضا.

في غياب خطة، ليس من المستغرب أن تتناقض إدارته مع ذاتها على نحو مستمر، فعندما بدأت إيران تستشعر تأثيرات موجة من الاحتجاجات الداخلية التي جرى قمعها بوحشية، خففت الولايات المتحدة بفعلتها من الضغوط المفروضة على القيادة الإيرانية، والحشود الضخمة التي خرجت للحداد على سليماني لا تكذب. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية في إيران بعد بضعة أسابيع، قدمت الولايات المتحدة للعناصر الأكثر تحفظا ومعاداة لأميركا في البلاد فرصة ذهبية.

ولكن الآن، عادت الأضواء مرة أخرى إلى النظام الإيراني، نظرا لأخطائه، فبعد اعتراف قادة إيران- في أعقاب ثلاثة أيام من الإنكار الرسمي- بأن صواريخ إيرانية أسقطت بطريق الخطأ طائرة الركاب المدنية الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل كل من كان على متنها (176 شخصا)، أصبح النظام مرة أخرى هدفا للغضب الشعبي. وتخدم الطريقة التي انتهى إليها هذا الموقف كتذكرة للمواطنين الإيرانيين بمتاعبهم اليومية، والتي تعكس تأثير الإهمال على المستويين المحلي والخارجي.

الآن، بدأ صدى الاحتجاجات المناهضة للنظام التي تجتاح إيران يتردد في دول أخرى في الشرق الأوسط حيث تتمتع إيران بنفوذ ملحوظ. ففي الأشهر الأخيرة، تغلب كل من اللبنانيين والعراقيين على الخلافات الدينية في كلا البلدين، وثاروا ضد التدخل الإيراني، الذي كان قدرا كبيرا منه بتدبير من سليماني ذاته، لكن ترامب تجاهل مقولة نابليون الشهيرة: "لا تقاطع عدوك أبدا وهو يرتبك خطأ"، والآن يطالب البرلمان العراقي بسحب القوات الأميركية المتمركزة في البلاد، وهو ما سيصب في مصلحة إيران، كانت استجابة إدارة ترامب فوضوية، عندما أعلنت على نحو غير صحيح سحب قواتها ثم أنكرت أن الانسحاب قد يكون وشيكا.

مع ذلك، لا ينبغي لنا أن نستبعد احتمال قيام ترامب بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، حتى على الرغم من أن الانسحاب من المرجح أن يكون مهينا. في الوقت الحالي، قررت قوات حلف شمال الأطلسي التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية تعليق عملياتها، كما بدأ بعض حلفاء الولايات المتحدة يجلون قواتهم من العراق.

لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تغادر الشرق الأوسط: بل على العكس من ذلك، ازداد عدد القوات الأميركية في المنطقة بنحو 15 ألف جندي على مدار الأشهر الستة الأخيرة. ورغم أن اعتماد الولايات المتحدة على موارد الطاقة القادمة من الشرق الأوسط ربما تضاءل، فإن التمحور تجاه آسيا، الذي أعلنته إدارة أوباما لم يحدث بعد. ومن الواضح أن اندلاع صراع أكبر مع إيران من شأنه أن يعوق الجهود الأميركية الرامية إلى احتواء الصين، المنافس العالمي الرئيس لأميركا.

الآن يتعين علينا أن نضيف إلى القائمة الطويلة التي تضم الحماقات التي ارتكبتها الولايات المتحدة الحوافز الضارة التي أبرزها ترامب بأحدث ضربة وجهها إلى إيران، والتي أثارت سؤالا غير مريح: فهل كانت الولايات المتحدة ستتصرف بالطريقة نفسها تجاه كوريا الشمالية المسلحة نوويا؟ لقد التزمت إيران حرفيا بالاتفاق النووي لعام 2015 الذي وقعت عليه القوى العالمية الرئيسة- والمعروف رسميا بخطة العمل الشاملة المشتركة- واستمرت في الوفاء بشروطه طوال عام كامل بعد انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاق. ومع ذلك، ففي حين عقد ترامب اجتماعات ودية مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، فإن إدارته أخضعت إيران لعقوبات اقتصادية ساحقة، وهي المعاملة التي من غير المرجح أن تشجع نظام كيم على تعليق مستقبله على نزع السلاح النووي.

على الرغم من أن إيران أعلنت أنها ستتوقف الآن عن الالتزام بالقيود التي تفرضها خطة العمل الشاملة المشتركة على برنامجها النووي، فإنها لم تغلق الباب أمام إمكانية إنقاذ الاتفاق، وعلاوة على ذلك، يبدو أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران تضاءلت بعض الشيء في الأيام الأخيرة، لكن هذا قد يكون مجرد سراب: فقد أضاف إسقاط الطائرة الأوكرانية عنصرا جديدا إلى المعادلة، والذي يبدو أن إدارة ترامب حريصة للغاية على استغلاله، علاوة على ذلك، لم يتخل ترامب عن مطالباته التي لا تطاق في حين يواصل الضغط على الأطراف الأخرى الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة لحملها على التخلي عن الاتفاق.

في نهاية المطاف ستضطر الولايات المتحدة إلى الاعتراف بحقيقة لا جدال فيها: في المواقف الحرجة مثل موقفنا الحالي، الذي لم تدع إليه أي ضرورة، لا تشكل الدبلوماسية خيارا، بل تصبح التزاما، ولتجنب الكارثة، وهو ما يجب أن يكون الأولوية القصوى لجميع الأطراف المعنية، فإن هذا بلا أدنى الشك هو الطريق الواجب اتباعه.

* خافيير سولانا

* كان ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ووزير خارجية إسبانيا سابقا، وحاليا رئيس مركز إيساد للاقتصاد العالمي والدراسات الجيوسياسية، وهو زميل متميز لدى مؤسسة بروكنجز.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»