صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4500

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لماذا يجب ألا تنتظر الحكومات «غودو»؟

  • 09-01-2020

تتغلب الحكومة الإصلاحية على المعارضة الشديدة من قبل المشرعين والمجتمع المدني الذين عادة ما يتهمونها بوضع مصلحة المستثمرين فوق مصلحة شعوبها، ولكن مع المثابرة والعزيمة تنجح في تبني إصلاحات تساعد في تحسين تصنيفات البلد، وتحصل على تغطية إيجابية في الصحافة العالمية.

إن السيناريو مألوف جداً، فالحكومة الإصلاحية تريد تعزيز النمو الاقتصادي والتوظيف من خلال تطبيق إصلاحات صديقة للأسواق ومصممة لجعل البلدان أكثر جذبا للمستثمرين الذين عادة ما يكونون من الأجانب. إن صناع السياسات يدركون أن المستثمرين يمتلكون الخبرة التقنية والقدرات التنظيمية والقدرة على الوصول للأسواق، وهي أمور تحتاجها تلك البلدان بشدة، إذ يتم إنشاء اللجان لتحسين الأداء الاقتصادي لبلد ما في مؤشر البنك الدولي لممارسة الأعمال أو تقرير التنافسية الدولية للمنتدى الاقتصادي العالمي أو غيرها من مسابقات الجمال التي يتم الترويج لها من قبل أعداد متزايدة من التصنيفات العالمية.

تتغلب الحكومة الإصلاحية على المعارضة الشديدة من قبل المشرعين والمجتمع المدني الذين عادة ما يتهمونها بوضع مصلحة المستثمرين فوق مصلحة شعوبها، ولكن مع المثابرة والعزيمة تنجح في تبني إصلاحات تساعد في تحسين تصنيفات البلد، وتحصل على تغطية إيجابية في الصحافة العالمية، كما يتغير انطباع العالم المستنير عن ذلك البلد (وحتى انطباع مديري الأموال) بشكل كبير للأفضل، وبعد ذلك تنتظر الحكومة أن يصل الاستثمار الأجنبي، وتستمر في الانتظار، ولكن كما هي الحال في مسرحية "صامويل بيكيت" الشهيرة فإن التدفقات المتوقعة كما هي الحال مع (غودو) في المسرحية لا تأتي أبدا.

فمن أسباب تلك المشكلة افتراض أن الذي يحتاج الإصلاح تمت تغطيته بالفعل في التصنيفات الدولية، ولكن في معظم الأحيان هذا الكلام غير صحيح، فعلى مستوى العالم لا يوجد أي علاقة بالمرة بين التحسن في مؤشرات ممارسة الأعمال والتنافسية والنمو أو الأداء الاستثماري.

عادة ما تركّز التصنيفات على الحد من البيروقراطية التي تفترض أن المستثمرين لا يأتون بسبب خطيئة القيام بعمل غير صحيح، والذي لو توقف فإنه سيفتح الأبواب، ولكن العالم أكثر تعقيداً من ذلك، فمعظم الناس الذين من الممكن أن ينجحوا بسبب الاستثمار في بلدك يعلمون الكثير عن أعمالهم، لكنهم يعلمون القليل جداً عن بلدك، وخصوصاً تلك الأمور المهمة عن بلدك لأعمالهم، بما في ذلك تلك الأمور التي قمت بإصلاحها للتو، والأهم من ذلك أن أعمالهم عادة ما تعتمد على الأشياء التي من المفترض أن تقوم بها، لكنك لا تفعل ذلك بسبب خطاياك المتعلقة بعدم التحرك والإهمال.

على سبيل المثال يتطلب التصنيع مناطق صناعية مع الطاقة والمياه والأمن واللوجستيات والقدرة على الوصول للقوى العاملة التي يمكنها الانتقال إلى مكان العمل، فالمنتجات الطازجة تحتاج سلسة لوجستيات وتصديقات وخطا أخضر في الجمارك وأذونات السلامة النباتية التي تتفاوض بشأنها الحكومة، وإن التخلص من الأنظمة والضوابط الصعبة أسهل بكثير من إنشاء هذه الأنظمة، ونظرًا لمواردك المحدودة لا يمكنك أن تفعل كل شيء، مما يعني الحكم عليك باختيار المجالات التي ستوليها اهتماما خاصا، وذلك لإنشاء النظام البيئي المطلوب.

بالإضافة إلى ذلك يجب أن تمتلك معرفة جيدة بتلك المجالات، حيث يجب أن تفهم ما الذي تتطلبه النشاطات المحتملة، وما الذي في بلدك قد يجعل تلك النشاطات أكثر أو أقل احتمالية للنجاح، ولكن لو افترضنا أنك عملت ذلك لمجال محدد، فكيف يمكن أن تتجنب انتظار (غودو) مجدداً، وخصوصاً بعد كل تلك الجهود المكلفة؟ وهل يمكن أن تستعيد تلك النفقات في يوم من الأيام؟

من أجل تجنب هذه المعضلة تحتاج الحكومات إلى قدرات تنظيمية تتجاوز حكمة آدم سميث التي تقول إن عليها أن تتحقق من وجود "السلم والضرائب السهلة ونظام عدالة مقبول" فقط، وإن على الحكومات أن تقوم بثلاثة أشياء إضافية:

أولا: يجب على الحكومة التعامل مع النشاطات الاقتصادية الحالية من أجل تحديد ما الذي يمكن أن تفعله لتحسين إنتاجيتها، سواء من خلال تغيير القواعد والأحكام، أو البنية التحتية أو غيرها من البضائع والخدمات المقدمة للجمهور.

وإن مثل هذه التعاملات يجب أن تكون مركزة بشكل دقيق، وعادة ما تكون مبنية على أساس سلاسل القيمة، وذلك من أجل تسهيل تحديد مشاكل مفصلة بشكل كاف، ولهذا السبب يجب على وزارات الاقتصاد تنظيم عدد غير قليل منها كما هي الحال مع المجالس التشاورية التي بدأت قبل أكثر من قرن في اليابان، وتم تقليدها في أماكن أخرى، فهناك أكثر من 200 من تلك المجالس في اليابان بما في ذلك لمصارعة السومو.

ثانيا، يجب على الحكومة أن تحشد المجتمع والشركات المحلية والأجنبية لاستكشاف "النشاطات المتاخمة"، وهي نشاطات غير موجودة، لكن النظام البيئي الضروري لها موجود تقريبا، وهذا سيتطلب من الناس داخل الحكومة وخارجها أن يتصوروا الأشياء غير الموجودة بعد، وما قد نحتاجه لتحقيق تلك الأشياء، وتحديد ما إذا كانت تلك الأشياء مجدية وقيمة للمجتمع.

إن العملية الاستكشافية مكلفة، وتنطوي على المخاطرة، على الرغم من أن التطورات الأخيرة، مثل أطلس التعقيدات الاقتصادية، تجعل العملية أقل مخاطرة، وذلك من خلال الكشف عن المعلومات ذات العلاقة لتقييم جدوى صناعات جديدة ممكنة وتبين مدى جاذبيتها، علما أنه من أجل تنفيذ تلك الاستراتيجيات تحتاج الحكومات إصلاح مكاتبها الاستثمارية الحالية التي يقتصر عملها حاليا على تفويض المستثمرين أو دعمهم، وعوضا عن ذلك يجب على تلك الكيانات المساعدة في الترويج لاستراتيجية التنويع الحكومية، وذلك من خلال تحديد الشركات الأجنبية التي تعمل في صناعة مرغوبة، ولكنها ليست في البلد بعد، وشرح الأسباب التجارية التي تدعم الاستثمار وقيادة المفاوضات.

ثالثاً والأكثر جدلاً هو أنه عادة ما تحتاج الحكومات إلى مؤسسة لتسهيل الاستثمار في مجالات استراتيجية جديدة وإدارة الأنشطة الناتجة عن استثمارات استراتيجية سابقة، وإن من الممكن تأسيس تلك المؤسسات كشركات قابضة لمؤسسات حالية تملكها الدولة، والتي تعمل حاليا تحت إدارة الوزارات التي تخضع لها مباشرة.

يجب أن تركّز تلك الوزارات على وظائفها التنظيمية، وتترك الشركة القابضة لتوفير المراقبة المالية والعملياتية الوثيقة وممارسة حقوق المساهمين نيابة عن المجتمع كما يمكن كذلك رسملة الشركة القابضة وذلك من خلال أصول تملكها الحكومة بالفعل.

ويجب أن تستخدم تلك المؤسسات جزءا من عوائدها في نشاطات ما قبل الاستثمار في مجالات محتملة جديدة واستخدام معرفتها بالبلد لإنشاء مشاريع مشتركة مع شركات لديها معرفة بصناعات مستهدفة، وفي واقع الأمر عندما تكون المؤسسة شريكة مساهمة فإنه سيكون بإمكانها الاستفادة من الجهود الحكومية لمعالجة النظام البيئي، كما يجب على تلك المؤسسات استشكاف فرص تصفية الاستثمار في أصول حالية للحصول على رؤوس الأموال الضرورية لدعم استراتيجية التنويع الاقتصادي.

وإن الحكمة التقليدية لا تشجع الحكومات على إنشاء مثل تلك المؤسسات على أساس أن مخاطر الإدارة المتواضعة والأداء السيئ كبيرة للغاية، وإن المقاربة الأكثر فائدة هي تطوير الأدوات والآليات للتحقق من تحسين الإدارة، وإن وجود بيانات مالية مدققة منشورة وقدرات تقنية عالية (يتم تسهيل ذلك من خلال رواتب ومسار مهني يمكن أن تنافس القطاع الخاص)، ومجالس استشارية قوية مع مشاركة أجنبية وشراكات مع مؤسسات مثل مؤسسة التمويل الدولية (ذراع البنك الدولي لإقراض القطاع الخاص) يمكن أن تخلق البيئة المناسبة للامتياز.

عندما تتخذ الحكومات تلك الخطوات فلن تضطر لانتظار (غودو) بل سيكون بكل بساطة بإمكانها أن تذهب لإحضاره.

* ريكاردو هاوسمان

* وزير تخطيط سابق في فنزويلا واقتصادي مسؤول سابق في بنك التنمية للقارة الأميركية، وحاليا أستاذ في كلية كينيدي التابعة لجامعة هارفارد، ومدير مختبر النمو في هارفارد.

«بروجيكت سنديكيت، 2019»

بالاتفاق مع «الجريدة»