صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4334

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كيف نجعل «الإنترنت» رحيمة بالديمقراطية؟!

  • 16-12-2019

اندلعت في أكتوبر مواجهة بين المرشحة الديمقراطية البارزة للرئاسة الأميركية، السناتور إليزابيث وارِن، والرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرغ، دعت وارِن إلى تفكيك شركة فيسبوك، وفي خطاب داخلي قال زوكربيرغ إن هذه الدعوة تمثل خطراً «يهدد وجود» شركته، ثم انتُقِد موقع فيسبوك لأنه نشر إعلاناً لحملة إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب احتوى على ادعاء كاذب بوضوح اتهم نائب الرئيس السابق جو بايدن، وهو منافس ديمقراطي بارز آخر، بالفساد، وقد رمت وارِن طُعماً لشركة فيسبوك بوضع إعلان كاذب عمداً.

يعكس هذا الشِّجار المشاكل الحادة التي تفرضها وسائط التواصل الاجتماعي على الديمقراطية الأميركية، بل جميع الديمقراطيات في حقيقة الأمر، والواقع أن شبكة الإنترنت أزاحت في كثير من النواحي الوسائط الموروثة مثل الصحف والتلفزيون، باعتبارها المصدر الرئيس للمعلومات حول الأحداث العامة، والمكان الذي يشهد مناقشتها، لكن وسائط التواصل الاجتماعي تتمتع بقوة أشد عتياً في تضخيم أصوات معينة، فضلاً عن استخدامها كسلاح من جانب قوى معادية للديمقراطية، من المتصيدين الروس إلى منظري المؤامرة الأميركية، وقد أدى هذا بدوره إلى مطالبة الحكومة بتنظيم منصات الإنترنت من أجل الحفاظ على الخطاب الديمقراطي ذاته.

لكن أي أشكال التنظيم قد تكون دستورية وقابلة للتطبيق؟ يتضمن التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة تدابير بالغة القوة لحماية حرية التعبير، وفي حين اتهم العديد من المحافظين «فيسبوك» و«غوغل» بفرض «الرقابة» على الأصوات من اليمين، فإن التعديل الأول لا ينطبق إلا على القيود التي تفرضها الحكومة على الخطاب والتعبير بأشكاله المختلفة؛ ويحمي القانون والسوابق قدرة الأطراف الخاصة مثل منصات الإنترنت على ضبط محتواها. إضافة إلى هذا، تقضي المادة 230 من قانون آداب الاتصالات لعام 1996 بإعفاء هذه الأطراف من المسؤولية الخاصة التي كانت ستمنعهم، لولا ذلك، من جمع وتنسيق المحتوى.

في المقابل، تواجه حكومة الولايات المتحدة قيوداً قوية على قدرتها على مراقبة المحتوى على الإنترنت، على النحو المباشر الذي تمارسه الصين، على سبيل المثال، لكن الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات المتقدمة تعمل رغم ذلك على تنظيم الخطاب بطرق أقل تطفلاً، ويصدق هذا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بوسائل البث الموروثة، حيث كانت الحكومات تصوغ الخطاب العام من خلال قدرتها على منح التراخيص لقنوات البث، أو حظر أشكال بعينها من الخطاب (مثل التحريض الإرهابي أو المواد الإباحية الصريحة)، أو إنشاء هيئات بث عامة مفوضة بتقديم المعلومات الجديرة بالثقة والمتوازنة سياسياً.

لم تكن المهمة الأصلية للجنة الاتصالات الفدرالية تنظيم هيئات البث الخاصة ببساطة، بل دعم «المصلحة العامة» الأعرض، وقد تطور هذا إلى مبدأ الإنصاف الذي عملت بموجبه لجنة الاتصالات الفدرالية، والذي ألزم قنوات البث التلفزيونية والإذاعية بنقل تغطيات وآراء متوازنة سياسياً، ثم طُعِن في دستورية هذا التدخل في الخطاب الخاص بموجب دعوى قضائية أقامتها شركة Red Lion Broadcasting Co ضد لجنة الاتصالات الفدرالية، والتي انتهت إلى تأييد المحكمة العليا لسلطة اللجنة في إلزام أي محطة إذاعية بنقل الردود على أي معلق محافظ، واستند تبرير القرار إلى نُدرة طيف البث واحتكار القِلة للخطاب العام من جانب شبكات التلفزيون الرئيسة الثلاث في ذلك الوقت.

ولكن لم يتحول القرار الخاص بهذه الدعوى إلى قانون مستقر، لأن المحافظين استمروا في الطعن في مبدأ الإنصاف، وقد استخدم الرؤساء الجمهوريون على نحو متكرر حق النقض ضد المحاولات من جانب الديمقراطيين لتحويل القرار إلى تشريع، ثم ألغت اللجنة ذاتها ذلك المبدأ في عام 1987 بقرار إداري.

يُظهِر صعود وسقوط مبدأ الإنصاف مدى صعوبة إنشاء معادل له في عصر الإنترنت، فلا يخلو الأمر من العديد من أوجه التشابه بين ذلك الوقت والآن، والتي تتعلق بالحجم، فاليوم تستضيف «فيسبوك، وغوغل، وتويتر» الغالبية العظمى من الخطاب على الإنترنت، وهي تتمتع بالوضع الاحتكاري ذاته الذي كانت عليه شبكات التلفزيون الثلاث الكبرى في ستينيات القرن العشرين. ومع ذلك، من المستحيل أن نتخيل لجنة الاتصالات الفدرالية اليوم تتحدث عن معادل حديث لمبدأ الإنصاف، فسياستنا اليوم أشد استقطاباً؛ ومن المستحيل التوصل إلى اتفاق حول ما يشكل خطاباً غير مقبول (على سبيل المثال نظريات المؤامرة العديدة التي يقدمها أليكس جونز، بما في ذلك أن مذبحة مدرسة نيوتاون بولاية كونيتيكت في عام 2012 كانت صورية زائفة).

وعلى هذا، فإن الاستعانة بنهج تنظيمي في التعامل مع مسألة اعتدال المحتوى تقودنا إلى طريق مسدود، لا من حيث المبدأ بل في الممارسة العملية.

هذا هو السبب وراء احتياجنا إلى النظر في مكافحة الاحتكار كبديل للتنظيم. كان حق الأطراف الخاصة في تنظيم المحتوى ذاتياً، محمياً بحماسة في الولايات المتحدة؛ ونحن لا نشكو أن صحيفة نيويورك تايمز ترفض نشر أعمال أليكس جونز، لأن سوق الصحف غير مركزية وتنافسية، والقرار من جانب «فيسبوك» أو «يوتيوب» بعدم تغطية جونز خلّف تأثيراً أعظم كثيراً بسبب سيطرتهما الاحتكارية على الخطاب على الإنترنت، وبسبب القوة التي تتمتع بها شركة خاصة مثل «فيسبوك»، فلن يُنظَر إلى اتخاذها مثل هذه القرارات على أنه أمر مشروع إلا نادراً.

من ناحية أخرى، سنكون أقل اهتماماً إلى حد كبير بالقرارات المعنية بجعل محتوى «فيسبوك» أكثر اعتدالاً، إذا كنا ببساطة نمثل واحدة من منصات الإنترنت المتنافسة العديدة التي تحمل وجهات نظر متباينة حول ما يشكل خطاباً مقبولاً، ويشير هذا إلى الحاجة إلى إعادة النظر بشكل كبير في الأسس التي يقوم عليها قانون مكافحة الاحتكار.

أُنشئ الإطار الذي بموجبه ينظر القائمون على التنظيم والقضاة اليوم إلى مكافحة الاحتكار، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كنتاج ثانوي لظهور مدرسة شيكاغو لاقتصاد السوق الحرة، وكما يؤرخ بنيامين أبيلبوم في كتابه الأخير بعنوان «ساعة الاقتصاديين»، فإن شخصيات مثل جورج ستيغلر، وآرون ديركتور، وروبرت بورك، أطلقت انتقادات متواصلة لفرض مكافحة الاحتكار بشكل مفرط الحماس. وكان القسم الأكبر في حجتهم اقتصادياً؛ إذ كان قانون مكافحة الاحتكار يُـستَخدَم ضد الشركات التي تضخم حجمها لأنها مبدعة وتعمل بكفاءة وفعالية، وقد زعموا أن المقياس الشرعي الوحيد للضرر الاقتصادي الذي تحدثه الشركات الكبرى هو تراجع رفاهية المستهلك، قياساً بالأسعار أو الجودة، كما اعتقدوا أن المنافسة من شأنها أن تعمل في نهاية المطاف على تهذيب سلوك حتى أكبر الشركات حجماً. على سبيل المثال، تلاشى مجد شركة «آي بي إم»، لا بسبب إجراءات حكومية لمكافحة الاحتكار، بل بسبب ظهور الكمبيوتر الشخصي.

لكن نقد مدرسة شيكاغو قَدَّم حجة أخرى؛ فلم يكن من صاغوا قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار في عام 1890 في الأصل مهتمين إلا بالتأثير الاقتصادي الناجم عن الحجم الكبير، وليس التأثيرات السياسية المترتبة على الاحتكار، ولأن رفاهية المستهلك هي المعيار الوحيد لاتخاذ أي إجراء حكومي، فكان من الصعب الدفع بأي حجة ضد الشركات، مثل «غوغل» و«فيسبوك»، التي قدمت منتجاتها الرئيسة بالمجان.

نحن في خضم عملية إعادة نظر كبرى في القوانين الموروثة، في ضوء التغيرات التي تجلبها التكنولوجيا الرقمية، وقد بدأ أهل الاقتصاد والباحثون القانونيون يدركون أن المستهلكين يتضررون من أمور مثل الخصوصية الضائعة والإبداع المهدر، حيث تبيع شركات مثل «فيسبوك» و«غوغل» بيانات المستخدمين وتشتري الشركات البادئة التي قد تتحداها في المستقبل.

لكن الأضرار السياسية الناجمة عن الحجم الضخم تشكل قضية حرجة أيضاً، ويجب أن توضع في الحسبان عند فرض تدابير مكافحة الاحتكار. لقد استُخدِمَت وسائط التوصل الاجتماعي كسلاح لتقويض الديمقراطية من خلال التعجيل عمداً بتدفق المعلومات الزائفة، ونظريات المؤامرة، والتشهير. ومنصات الإنترنت فقط هي التي تمتلك القدرة على غربلة هذه القمامة وطردها إلى خارج النظام، لكن الحكومة لا يمكنها تفويض شركة خاصة منفردة (يسيطر عليها إلى حد كبير فرد واحد) بمهمة تحديد ما قد يُـعَد خطاباً سياسياً مقبولاً، ولن نشعر بكل هذا القدر من القلق بشأن هذه المشكلة لو كانت شركة فيسبوك جزءاً من نظام أقل مركزية وأكثر تنافسية لإدارة المنصات.

سيكون من الصعب جداً تنفيذ العلاجات؛ فمن طبيعة الشبكات مكافأة الحجم الكبير، وليس من الواضح كيف يمكن تفكيك شركة مثل «فيسبوك»، ولكن يتعين علينا أن ندرك أنه في حين يجب أن تتولى تنسيق الخطاب الرقمي ذات الشركات التي تستضيفه، فإن مثل هذه القوة من غير الممكن ممارستها بأمان ما لم تكن موزعة على سوق تنافسية.

* كبير زملاء جامعة ستانفورد والمدير المشارك لبرنامجها حول الديمقراطية والإنترنت

«فرانسيس فوكوياما»