صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4360

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

احتراف عالم الكتب

  • 26-11-2019

(1)

عندما تتأمل المشهد العربي وحال الكِتاب والكُتاب فيه، لا تستطيع أن تنكر الازدهار في هذا المشهد، مع كثرة المعارض العربية المتخصصة في الكتب، وتطوير فكرة الجوائز الأدبية، من مجرَّد جائزة أدبية إلى تظاهرة أدبية، ما حرَّك الراكد في الساحات الثقافية العربية، إضافة إلى دور نوادي القراءة، التي أعطت زخماً كبيراً في تطور الكتاب وعالمه، حتى بات الكتاب في أحسن أحواله خلال العقدين الماضيين. فاليوم نحن أمام تجدد قائم على مستويات عدة، من بينها ما توصلت إليه وسائل التواصل الاجتماعي من قفزات في عملية الاحتكاك المباشر بين القارئ والكاتب، فما الذي بقي لكي ننتقل في الوطن العربي إلى الاحتراف في عالم الكتب؟

(2)

أغلب الكُتاب العرب الذين نتابعهم، ولهم صيتهم، وحتى الكُتاب الجدد، تقوم كتاباتهم على مفهوم المشروع، بما يعني أن الكتابة عندهم قائمة على جهد مستمر وخطة لها بُعدها الاحترافي، فأغلب هؤلاء الكُتاب لهم مواقيت ثابتة للكتابة، وملتزمون بينهم وبين أنفسهم، أو مع دور نشرهم بما يشبه الاتفاق الرسمي على نشر أعمالهم بشكل منتظم، فلماذا إلى الآن لا تكون الكتابة حرفة صريحة للكاتب العربي؟

(3)

اعتقاد أن الوطن العربي لم يجهز لمرحلة الاحتراف الكتابي بشكل كامل، يعود إلى أسباب عدة، منها: عدم وجود المؤسسات الاحترافية التي تدعم هذا التوجه، مثل مؤسسات للنشر، وليس مجرَّد دور للنشر، والفرق شاسع بين الاثنتين، فمؤسسة النشر تقوم على مفهوم أن الكتاب صناعة كاملة، وتتعامل معه على هذا الأساس، فعلى المؤسسة أن تواكبه من كونه فكرة حتى يتكوَّن بشكله النهائي، وبعد هذا يتم وضع خطة كاملة للترويج لهذا الكتاب، وخطوط توزيعه في العالم، وفق نقاط القوة التي تحويها فكرة الكتاب وأسلوبه.

مع الأسف، أغلب دور النشر في الوطن العربي لا تقوم على هذا الشكل المؤسسي الاحترافي، فأقصى درجات الاحتراف المتوافرة في دور النشر العربية هي الترويج للكتب عن طريق وسائل الإعلام التقليدية، من صحف وبعض وسائل التواصل الاجتماعي، وأنا لا أحمِّلهم اللوم، لعلمي بمحدودية عائداتهم، كما يقولون، لكني أحمِّل رؤوس الأموال العربية التي لا تدخل في الاستثمار بدور النشر.

لكن ما سبب عزوف المستثمر العربي؟

(4)

الكل يعلم أن الاستثمار في الكتب هو استثمار بطيء، وعائداته ليست كما يطمح لها كأي استثمار آخر، خصوصا لو تم التغافل عن الأبعاد الاجتماعية والقيمية في الاستثمار بالكتب. ولو تم حصر هذه العائدات بالعائدات المادية، فسنجد أن هناك مخاطر كثيرة تواجه رؤوس الأموال الراغبة في الاستثمار بالكتب وعالمها، منها المخاوف من انقراض الكتاب الورقي، وهذا أمر مردود عليه، بالقول إن الكتاب كتاب، أياً كان شكله؛ ورقيا أو إلكترونيا أو غيره. ولو أغفلنا هذا الأمر، فسنجد أن المشكلة الأخرى هي أزمة التزوير، وهذه أيضا يمكن مقاومتها عن طريق تعدد الطبعات، أي أن تكون هناك طبعات شعبية في متناول الجميع، فلا يمكن أن تستمر أسعار الكتب المتصاعدة، والتي يعللها الناشرون، في ارتفاع أسعار التكلفة عليهم، وعدم قدرتهم على تخفيض أسعارهم، وفي الوقت نفسه محاربة التزوير، من دون أن يطرحوا حلولا أخرى، أقلها هو حل الطبعات الشعبية، التي تمكِّن رجل الشارع العادي من القراءة.

إغفال الحلول المتاحة يجعل عالم الكتاب محتكرا وضيقا، والاستثمار فيه مغلقا، فضلا عن ترويج أغلب دور النشر بأنها «لا تربح»، وأن «الكتب لا تباع»، و»لم يعد أحد يقرأ»، وهذه الرسالة التي في الأغلب يوجهها الناشر للكاتب لكي لا يطالبه بحقوقه المالية، نجدها ترجع عليه بشكل سلبي، بنفور رأس المال العربي من الاستثمار في عالم الكتاب.

(5)

أخيراً: لا أجد وقتاً أنسب من الآن للانتقال إلى الاحتراف الكامل في عالم الكتاب العربي، فكل العناصر متاحة، ولم يبقَ أمامنا إلا الانتقال.