صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4360

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

دراسة حول حكومة تصريف الأعمال للمستشار شفيق إمام (1-3)

الشيخ صباح الخالد أصبح رئيساً لهذه الحكومة بعد حلفه اليمين الدستورية

بعد تكليف سمو الشيخ صباح الخالد تشكيل حكومة جديدة، عقب طلب رئيس الحكومة السابق سمو الشيخ جابر المبارك من صاحب السمو أمير البلاد إعفاءه من تشكيلها، تداولت بعض الصحف خلافاً دستورياً ثار أخيراً حول حكومة تصريف الأعمال، وتفاوتت آراء الفقهاء الدستوريين بشأنها. ويرى المستشار شفيق إمام، في دراسة خص بها «الجريدة»، أن أغلب تلك الآراء التي برزت في إطار هذا الخلاف عزلت النصوص، بعضها عن بعض، في استخلاص الدلالات، مبيناً أن حلف الخالد لليمين الدستورية أمام سمو الأمير، قبل تشكيل الحكومة الجديدة، مؤاده إسناد رئاسة «المستقيلة» إليه.

من المقرر في تفسير النصوص التشريعية بوجه عام، والنصوص الدستورية بوجه خاص، أن يكون تفسيرها كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا، متجانسة معانيها، متضافرة توجهاتها، فلا يعزل بعضها عن البعض في فهم دلالته، بل يكون دلالة أي منها في ضوء ما تفيده دلالة النصوص الأخرى من معان شاملة.

الأمر الذي رأينا معه أن نعقد هذه الدراسة بتقريب هذه النصوص من بعضها البعض لفهم الدلالة الصحيحة لنص المادة 103 من الدستور، في ضوء دلالة النصوص الدستورية الأخرى، وقد رأينا أن نبدأ هذه الدراسة بالخلاف الدستوري الأخير.

الخلاف الدستوري

ثار خلاف دستوري حول حكومة تصريف الأعمال نشر على الصفحة الأولى من جريدة القبس في عددها الصادر يوم الخميس الماضي، وآراء الفقهاء الدستوريين التي اختلفت حول هذه المسألة، والتي نشرت على الصفحة الخامسة، ومن هذه الآراء من يرى أن هناك رئيسين لمجلس الوزراء، ومنها من يرى رئيسا واحدا هو المكلف تشكيل الحكومة الجديدة، لكنّه يرى أن اجتماعه بوزراء الحكومة المستقيلة يعتبر باطلا، وأن وجوده في حكومة تصريف الأعمال يعتبر باطلا أيضا، وهو ما يترتب عليه فراغ وزاري، ومنها من يرى أنه لا وجود للحكومة المستقيلة بعد هذا التكليف، وأن الوزارات تُدار بوكلائها.

والواقع أن من يتأمل الخلاف الدستوري سالف الذكر يجد أن أغلب الآراء التي برزت في هذا الخلاف، عدا الرأي الأخير، الذي لم يبين رأيه على أي نص دستوري قد عزلت النصوص عن بعضها البعض، في استخلاص الدلالات منها.

حكومة تصريف الأعمال

والبيّن من نصوص الدستور أن الدستور واجه الفراغ الوزاري عندما يتخلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء عن مهام مناصبهم، كما تواجهه كافة دساتير العالم، فنصت المادة 103 من دستور الكويت على أنه "إذا تخلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن منصبه لأي سبب من الأسباب، يستمر في تصريف العاجل من شؤون منصبه لحين تعيين خلفه".

وترتيبا على ذلك، فإن ما ذهب إليه رأي في الخلاف الدستوري سالف الذكر، من أن تكليف الشيخ صباح الخالد تشكيل الحكومة، قد أنهى حكومة تصريف الأعمال، وأن الوزارات تدار عن طريق وكلائها، دون أن يبين النص الدستوري الذي استند إليه، يقع في حومة مخالفة صريحة لأحكام المادة 103 من الدستور، ولا اجتهاد مع صراحة النص.

فضلا عن أنه لا يتصور أو يعقل أن عملا شرطيا هو الأمر الأميري، بإسناد تشكيل الحكومة الى سمو الشيخ صباح الخالد يترتب عليه تعطيل نص دستوري أو إسقاطه أو تجاوزه أو التحلل منه، تذرعا بإسناد تشكيل الحكومة الجديدة الى رئيس آخر غير رئيس الحكومة المستقيلة.

رئاسة الحكومة المستقيلة

وقد جاء حكم المادة 103 من الدستور في خطاب تصريف الأعمال، بحكم عام ومطلق، شاملا رئيس مجلس الوزراء والوزراء.

ومن المقرر في تفسير الأحكام أن الحكم العام يسري على عمومه، وأن الحكم المطلق يجري على إطلاقه، ما لم يرد ما يخصص من عمومه أو يقيّد من إطلاقه بذات الأداة التي صدر بها الحكم.

وترتيبا على ذلك، فإنه كان يمكن تصوّر استمرار سمو الشيخ جابر المبارك رئيسا لحكومة تصريف الأعمال، في الوقت الذي يقوم الشيخ صباح الخالد بمهمته في اختيار وزراء الحكومة القادمة، وهو ما ذهب اليه رأي في الخلاف الدستوري سالف الذكر.

ذلك أنه وارد في النظام البرلماني ألا يوفق من يكلّف تشكيل حكومة في تشكيلها، فيعاد تكليف غيره.

أما وقد رأى صاحب السمو الأمير دعوة الخالد إلى حلف اليمين أمام سموه، وقد حلف اليمين الدستورية فعلا، فقد قطع حلفه اليمين الشك باليقين في رئاسته للحكومة القادمة، الأمر الذى ترتب عليه أمران:

الأمر الأول


إعفاء رئيس الحكومة المستقيلة من رئاستها في تصريف العاجل من الأمور، وهذا الإعفاء الضمني يستمد أساسه من صلاحيات الأمير الدستورية في تعيين الوزراء وإعفائهم من مناصبهم، إعمالا للمادة 56 من الدستور.

وقد استخدم صاحب السمو الأمير هذه السلطة عندما أعفى وزيري الداخلية والدفاع من مهام منصبيهما في تصريف العاجل من الأمور، للملاءمات السياسية التي قدّرها سموه، فهذه المسألة ليست محل خلاف.

أما إعفاء الرئيس السابق سمو الشيخ جابر المبارك من رئاسته لحكومة تصريف الأعمال، فقد جاء ضمنيا، تقديرا من صاحب السمو أمير البلاد لمكانة سموه، وقد جدد صاحب السمو ثقته بسموه بتكليفه تشكيل الحكومة القادمة، فطلب إعفاءه من هذا التكليف، فأعفاه صاحب السمو، وأشاد به وبأدائه منذ تولى رئاسته الحكومة.

وأساس ذلك، أن التعبير عن الإرادة كما يكون صريحا يكون ضمنيا، وهو أمر وارد على مستوى القانون العام والخاص، بل إن المشرّع ذاته يعبّر عن إرادته ضمنا عندما يصدر تشريعا تتعارض بعض نصوصه مع نصوص تشريع سابق، إذ تلغى هذه النصوص المتعارضة مع التشريع الجديد ضمنا، دون حاجة الى نص صريح بإلغائها. (يراجع في ذلك المادة 2 من القانون المدني).

الأمر الثاني

إسناد رئاسة الحكومة المستقيلة الى الشيخ صباح الخالد، وذلك حتى لا يحدث فراغ وزاري، كما قررت المذكرة التفسيرية للدستور، فقد كان الدستور أكثر تشددا بالنسبة إلى رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المستقيلة، عنه بالنسبة الى الوزراء فيما قررته المذكرة من وجوب استمرار رئيس الحكومة لتصريف العاجل من الأمور، ولو كان مجلس الأمة قد قرر عدم إمكان التعاون معه مرتين، بالرغم من أن المادة 102 من الدستور تقرر أنه "في حالة الحل، إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، اعتُبر معتزلا منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن، وتشكّل وزارة جديدة".

إذ جاء في المذكرة التفسيرية للدستور، بالنسبة إلى رئيس مجلس الوزراء ما يلي، بالحرف الواحد:

"أما رئيس مجلس الوزراء الذي يتكرر قرار عدم التعاون معه وفقا للمادة 102، فلا مندوحة من تطبيق المادة 103 في شأنه، حتى لا يكون هناك فراغ وزاري".

في الوقت الذي قررت المذكرة التفسيرية عكس ذلك بالنسبة إلى الوزير الذي سحب البرلمان الثقة منه، في تقريرها.

"أن أي تصرف يصدر من الوزير، بعد صدور قرار عدم الثقة به، يعتبر بقوة الدستور باطلا، دون أن يطبق في هذه الحالة الحكم الوارد بالمادة 103 من الدستور القاضي باستمرار الوزير في تصريف العاجل من شؤون منصبه لحين تعيين خلفه، وبذلك يعيّن فورا وزيرٌ بدلا منه، أو يُعهد بوزارته مؤقتا إلى وزير آخر، لحين تعيين الوزير الجديد".

الخالد وزيراً للخارجية أيضاً

وبذلك يصبح سمو الشيخ صباح الخالد رئيسا للحكومة المستقيلة في تصريف العاجل من الأمور، الى جانب مهمته في تشكيل الحكومة الجديدة، دون أن يكون ملزما بالتخلي عن حقيبة وزارة الخارجية.

ولعل ما أثار الخلاف الدستوري سالف الذكر حول هذه المسألة هو هاجس شبهة مخالفة الفقرة الأولى من المادة 102 من الدستور فيما تنص عليه من أنه "لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به".

فقد ورد هذا النهي عن الجمع بين رئاسة مجلس الوزراء وتولي أي حقيبة وزارية في سياق الحكم الوارد بهذه الفقرة بأن رئيس مجلس الوزراء لا يطرح موضوع الثقة به، على عكس سائر الوزراء، وجاءت الفقرات التالية من هذه المادة لترتب على هذا الحكم الآثار المترتبة على استجواب رئيس مجلس الوزراء، حيث يجوز أن يقرر مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، إثر استجواب يقدم إليه، وما يترتب على هذا القرار من الاحتكام لرئيس الدولة لإعفاء رئيس مجلس الوزراء من مهام منصبه، أو حل مجلس الأمة وإجراء انتخابات جديدة، فيقرر المجلس الجديد الذي أسفرت عنه هذه الانتخابات عدم إمكان التعاون معه مرة أخرى معه.

فأصبحت علة هذا النص هي وجود المساءلة السياسية لرئيس مجلس الوزراء، ولا وجه للقول بأن هذه المساءلة هي حكمة النص، لأن ورودها في النص ذاته يرقى بها الى أن تكون علة النص، والنصوص تدور وجودا وعدما مع علّتها، فاجتمعت بذلك علّة النص وحكمته في سياق هذا النهي.

فهذا النهي لا محل له إلا في حكومة قائمة، تمارس كافة صلاحياتها وتوجه الى رئيس مجلس وزرائها وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم، لا حكومة ناقصة الصلاحيات يقتصر اختصاصها الدستوري على تصريف العاجل من الأمور، ولا يوجّه الى وزرائها استجوابات أو تطرح الثقة بهم.

الأمر الذي يغدو معه الرأي القائل بأن اجتماع الشيخ صباح الخالد مع وزراء الحكومة المستقيلة يعتبر باطلا، فاقد الأساس الدستوري الذي يقوم عليه الحظر سالف الذكر، لأنه أحل النهي سالف الذكر في غير محلّه، وأورده في غير مورده بالنسبة إلى حكومة مستقيلة كان سمو الشيخ صباح الخالد، يحمل إحدى حقائبها الوزارية، ليستمر في تصريف العاجل من أمور هذه الحقيبة، الى جانب رئاسة حكومة تصريف الأعمال التي أسندت اليه أيضا.

بحلف الخالد اليمين الدستورية رئيساً للحكومة أُعفي المبارك ضمنياً من رئاستها

استمرار الخالد في تصريف أمور «الخارجية» مع رئاسة الحكومة

النهي عن الجمع بين رئاسة الحكومة والحقيبة الوزارية لا يسري على حكومة تصريف الأعمال