صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4296

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

د. الشطي يمتدح الغرب والديمقراطية و«الإخوان» يمجدون عبودية الرق! (1-2)

  • 20-11-2019

يعتبر د.الشطي الشريعة الدينية مماثلة للدساتير والقوانين التي نراها في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، وأن شخص «العالم» الديني في الدولة المسلمة والمجتمع المسلم بمثابة «مستشار قانوني» يُرجع إليه لتوضيح أو تفسير المواد الدستورية في كثير من الجوانب، وأن الشريعة هي النظام القانوني.

لا بد من العلمانية ولا مهرب منها لنجاح أي نظام سياسي بما في ذلك الدولة الإسلامية المستقبلية أو النظام الإسلامي، فالعلمانية كما يبين المفكر الإسلامي الكويتي د.إسماعيل الشطي هي، "عقيدة الدولة الحديثة وإطار عصري لتحديد المواطنة".

د.الشطي أضاف في المقابلة التي تحدثنا عنها في المقال السابق، والتي أجريت معه عام 2003، أن العلمانية بشرط ألا تكون إلحادية أو معادية للدين، مصير كل جماعة إسلامية تصل إلى الحكم في أية دولة معاصرة.

(مجلة المعرفة، السعودية، العدد 100 رجب 1424هـ).

وتكمن إحدى مشاكل د.الشطي في اعتقادي بطرحه الجريء هذا في رفض الإقرار بمستلزمات هذه الحقيقة السياسية وإلزام نفسه بنتائجها، فإذا كانت العلمانية بهذه الدرجة من الضرورة والقوة، وتمتلك كمبدأ وإطار أو كجامع سياسي، هذه الشهادة السياسية بالنجاح والأهمية لاستمرارية دول اليهود والمسيحيين والبوذيين والدولة الإسلامية على حد سواء، فإن ما يترتب على هذه الحقيقة نتائج واسعة الأبعاد، قد تثير الجدل في صفوف الإسلاميين قبل غيرهم.

ولابد للعلمانية في اعتقادي أن ترتكز كذلك، كي تكون إنسانية وعادلة، على الليبرالية ومبادئ حقوق الإنسان، وهناك حقيقة أخرى لدى المقارنة بين مناهج الحكم الحديثة كالعلمانية والليبرالية، وبين ما يعتبره الكثير من الإسلاميين "النظام الإسلامي الصحيح". والذي هو موضع اختلاف بين المسلمين منذ قرون، وبين الإسلاميين المعاصرين منذ أواسط القرن العشرين على أقل تقدير مقارنة بالنظام الديمقراطي.

كما أن الأنظمة العلمانية الديمقراطية الليبرالية مجربة منذ عقود في أوروبا وأميركا وآسيا، في دول خاضت مخاطر وحروبا وانقلابات وثورات وإصلاحات كثيرة من قبل أن تتضح وتترسخ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وقانونيا... إلخ.

بعكس ما تطلق عليه أحزاب الإسلام السياسي "النظام الإسلامي" أو "الخلاقة" أو "الدولة الإسلامية" أو أي تسمية أخرى، وبخاصة الإطار السياسي موضع الجدل الذي يحيط الغموض والاختلاف بمصطلحاته وأسسه، وبسيرته ومسيرته في العديد من الدول والتجارب نظرياً كما في كتب الأحزاب وفقهاء الدولة الإسلامية، وعمليا كما في تجارب السودان وإيران والتي تبدأ وسط الانقلاب كما جرى مع "النميري" و"البشير" أو اختطاف الثورات كما رأينا في التجرية الإيرانية، حيث يتحول "النظام الإسلامي" بكل وعوده المثالية وتعهداته الجميلة، إلى دكتاتورية واستبداد قد يستمر ثلاثين عاما أو أربعين... ولا يزال العداد يسجل!

نعود إلى مقابلة مجلة المعرفة مع د.الشطي وحديثه فيها عن الدعاة، إذ يعتبر د.الشطي دعاة الإسلام في هذا الزمان مجرد "وعاظ"، حيث "يندر" أن تجد بينهم اليوم عالماً، وفوق ذلك يقول فإن "دعاة اليوم تحولوا إلى علماء وترفعوا عن الناس وأصبحوا يطالبونهم بالمجيء إليهم في المساجد ودور العلم".

والأخطر من ذلك أنهم، أي الدعاة، باتوا يتلاعبون بالمصطلحات الشرعية، ويقول د.الشطي "أصبح مفهوم البيعة مجانيا تستخدمه تلك الجماعة لإحكام سيطرتها على أتباعها"، ويحذر د.الشطي من الخلط بين "الدعاة" و"العلماء".

ولا شك أنه محق في نقده للدعاة وتعرية خطرهم الديني والسياسي، لكنه رغم اكتشافه للعلمانية وإدراكه بعض مستلزمات الدولة الحديثة، يبقى حريصا على عدم المسّ بالدعاة وكشف تناقضاتهم الفكرية أكثر من ذلك.

ويعتبر د.الشطي، رغم اكتشافه للعلمانية ودورها، الشريعة الدينية مماثلة للدساتير والقوانين التي نراها في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، ويعتبر د.الشطي أن شخص "العالم" الديني في الدولة المسلمة والمجتمع المسلم بمثابة "مستشار قانوني" يُرجع إليه لتوضيح أو تفسير المواد الدستورية في كثير من الجوانب، وأن الشريعة هي النظام القانوني، ولكن هل يمكن لعلماء القانون العلمانيين أو غيرهم مثلا مناقشة الشريعة الإسلامية وأحكامها بحرية فكرية كما يناقشون الدساتير والقوانين دون أن يثيروا غضب الجهات الحكومية أو الجامعية أو عامة الجمهور إن تسرب إليهم بعض ما يرد في هذا النقاش والنقد والدفاع والأخذ والرد؟

وكيف تنضج هذه القوانين الشرعية للتطبيق العصري إن لم تخضع للنقاش الحر... دون تهديد! ثم إن القوانين والدساتير العالمية تطورت وتبدلت بعد تجارب وتطبيقات وتعديلات وملاحظات عبر عقود وقرون، وفي بيئات مختلفة ودول كثيرة، فهل عرف التشريع الإسلامي السياسي والاقتصادي والاجتماعي هذه التطبيقات نفسها، وعاش تلك الحرية الفكرية والمطارحات القانونية؟

كما أن كل من يناقش "القوانين" الوضعية يستخدم مراجع قانونية بشرية ومصطلحات سائدة تمت تجربتها وتحديد معانيها في أنظمة علنية ديمقراطية، وتحت تأثير إحصائيات دقيقة، وغير ذلك، فهل تحتكم مبادئ الشريعة في الشورى والزواج والأحكام القانونية وغيرها إلى التجارب الواقعية في العالم الإسلامي؟ بل هل يؤخذ بنتائج أي تجربة أو تطبيق في قبول ورفض أي تشريع ديني؟

وهل يجوز ذلك؟ وهل لأي إحصائية أو تجربة قيمة في موازين "المستشار القانوني" الإسلامي أو الشرعي الذي يتحدث عنه الباحث؟

ولو عدنا إلى كتب الفقه القديمة وعلماء الشريعة والفقهاء ممن حذر د.الشطي نفسه من الوقوف أو الجمود عندهم لوجدنا فصولا وأحكاما في متعلقات الزواج والبيع والشراء والرق وزواج العبدة على الحرة ومبايعة الحاكم والتعامل مع الأسرى ودية المرأة ومعاملة غير المسلمين... فصولا يتمنى الكثير من الإسلاميين المعاصرين بسبب التطور التاريخي وتغير الأحوال وتقدم المجتمعات لو لم تكن موجودة، ولكن هذه الأحكام والفتاوى مهما بدت صادمة لنا اليوم كجواز تزويج الأطفال دون السن القانونية بكثير وغير ذلك، لا يحق لأي مستشار قانوني إسلامي إلغاؤها أو حتى نقدها، بل كان الكثير من هذه الأحكام وبعضها لا يزال موضع التطبيق في العالم العربي وباكستان وأفغانستان وإيران وغيرها، ويعترف بصحتها بعض أساتذة الشريعة.

ومن أبرز من يمكن توثيق شهادتهم في هذا المجال أستاذ كلية الشريعة في الكويت وأحد خبراء الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت الباحث السوري وحامل العديد من الشهادات العليا (ماجستير ودكتوراه) من الأزهر الشريف د.أحمد محمد الكردي، صاحب الرأي الصريح الجريء في جواز الرق في الإسلام، إذ نشر مقالين بارزين قبل أعوام في مجلة "الوعي الإسلامي" عامي 1973 و1974 أشرنا إليهما في كتابنا "اعتدال أم تطرف"، الكويت 1998، ص 86-87.

ومن المعروف أن الإسلاميين الحزبيين وجماعات الإسلام السياسي من كتّاب ومفكرين وكوادر يجمعون على أن الإسلام يحرم الرق أو يجفف منابعه أو يعمل على اختفائه وذوبانه، وهذا ربما رأي أكثر من مستشار قانوني في مجال الشريعة الإسلامية، أما د.الكردي الخبير بالشريعة فله رأي مخالف.

فقد اعتبر د.الكردي مخطئا من يقول أن الإسلام قد منع الرق أو حرمه، "لأن مصادر التشريع الإسلامي مليئة بالنصوص المبيحة للرق، والتي تعتبره الطريقة المثلى للتصرف بالأسرى، فهذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسترق في كثير من غزواته، وهؤلاء أصحابه رضوان الله عليهم يسترقون من بعده في عدد من غزواتهم، ولم يخالف في إباحة ذلك واحد منهم، وهؤلاء أئمة المذاهب الأربعة المعتمدة لدى المسلمين جميعا ينصون على إباحة الرق ويعتبرونه شرعا ثابتا محكما لا يقبل النسخ".

(الوعي الإسلامي، عدد 107، ص23-27 نوفمبر 1973).

ويجيز فقهاء الشيعة الاثني عشرية الرق كذلك، وفي موسوعة "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة" للشيخ المعروف محمد بن حسن الحر العاملي، ت 1104هـ-1692م المجلد 15، ص342-343، طبعة بيروت 1965، "باب أن الطلاق بيد الزوج الحر إذا كانت زوجية أمة لا بيد مولاها"، و"باب أنه لا يحوز للعبد أن يطلق إلا بإذن مولاه". (وسائل الشيعة).

ومن المعروف أن الفقهاء عموما يجيزون دخول السيد على عبدته التي تسمى في كتب الفقه "الأَمَة"، بدون عقد زواج، بل بدون رضاها إن امتنعت، ويقول د."الكردي" مدافعاً في مقال ثان عن عقد الاسترقاق وأنه يحل محل عقد الزواج إن "عقد الاسترقاق ما هو إلا عقد شرعي أيضا ينتج عنه حل المتعة- الجنسية- بين المسلم ورقيقته إلى جانب آثار أخرى تنتج عن هذا العقد تقتضيها طبيعة الاسترقاق، وأما أنه لا ينظر فيه إلى رضا الرقيقة، فهذا غير مؤثر أيضا، وذلك أن الفتاة الحرة القاصرة البكر يزوجها وليها من غير إذنها عند جماهير الفقهاء".

(الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف الكويتية - العدد 119، نوفمبر 1974، ص78-81).

،،، يتبع غداً