صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4296

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كم يستغرق سداد 250 تريليون دولار ديوناً؟... ملايين السنين!

  • 19-11-2019

منذ بدء الخليقة، مرت الأرض بتحولات جذرية في تركيبتها الجيولوجية والمناخية حتى الديمغرافية، هذه التغيرات لم تكن هينة ولم تحدث سريعاً، فمصطلحات مثل حقبة "الباليوزي"، وحقبة "الميسوزي" والعصر الحجري، كلها تشير إلى فترات زمنية استغرقت ملايين السنوات، بحسب العلماء.

لكن ليست الطبيعة وحدها ما تحتاج إلى ملايين السنوات كي تتغير، إذ استطاع الإنسان خلال فترة بسيطة من الزمان -أو قل في غفلة من الزمان- إثقال نفسه والعالم بعبء سيحتاج إلى فترة طويلة وجهد مضني أشبه بالتقلبات المناخية القاسية التي غيرت شكل الكرة الأرضية، كي يستطيع التخلص من هذا الحمل.

وفقاً لبيانات معهد التمويل الدولي، فإن ديون العالم باتت تشكل الآن 320 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو ما يفوق ربع كوادريليون دولار أو 250 تريليون دولار (أو ما يكتب رقمياً بهذا الشكل: 250,000,000,000,000).

* ماذا تعني هذه الأرقام؟

- قال المعهد في بيانه الصادر في الرابع عشر من نوفمبر: مدفوعاً بظروف مالية أكثر هشاشة، زاد عبء الديون العالمية بمقدار 7.5 تريليونات دولار خلال النصف الأول من عام 2019، ويحوم حالياً قرب مستوى قياسي جديد يتجاوز 250 تريليون دولار.

- يمكن القول إن أسعار الفائدة المنخفضة في العالم المتقدم كانت سبباً في تضخم هذا الدين، وكانت الولايات المتحدة والصين على رأس البلدان التي قادت هذه الزيادة، حيث شكل الاقتصادان الأكبر في العالم 60 في المئة من نمو الديون العالمية خلال الستة أشهر الأولى من هذا العام.

- تزايد عبء الديون يعني أن البلدان ستواجه ضغوط عند الاقتراض في المستقبل، ورغم أنها ليست بالضغوط القوية، فإنها قد تجعل الحياة أصعب بالنسبة لبعض الدول، إذ يتوقع المعهد تحقيق 60 في المئة من اقتصادات العالم نمواً ضعيفاً خلال عام 2020.

- وفقاً لحسابات صحيفة "ميترو"، فإنه إذا تم جمع دولار كل ثانية، سيستغرق العالم أكثر من 7 ملايين سنة ليسدد ديونه، لكن سيكون بإمكانه التخلص من هذا العبء بحلول عام 4000 الميلادي إذا رفع وتيرة السداد إلى 230 ألف دولار في الثانية الواحدة.

- هذه التقديرات لا تأخذ في الحسبان أي فائدة، لكن المشكلة هي ليست متى يتخلص العالم من ديونه، فبهذه الوتيرة لا يبدو أنه يتجه نحو شيء سوى زيادة كومة الأموال المقترضة، لذا فالأولى التساؤل عما إذا كان يمكنه العيش دون هذه الديون.

* هل تتزايد الديون أم تقل؟

- يقول الاقتصاديون لدى "التمويل الدولي" إنهم لا يرون أي مؤشر على تباطؤ الاستدانة، وبناءً عليه يتوقعون تجاوز الديون العالمية حاجز 255 تريليون دولار بنهاية العام الحالي، مع تصدر الولايات المتحدة والصين لقائمة البلدان المقترضة.

- رغبة المستثمرين في تمويل الشركات في البلدان مرتفعة المديونية عادة ما تكون حساسة تجاه التغيرات في معنويات المخاطرة العالمية، وإذا تلاشت شهيتهم تجاه هذه المناطق، فقد يؤثر ذلك سلبًا على رأس المال وخلق فرص عمل جديدة.

- السبب الرئيسي وراء ارتفاع المديونية هو قوة أسواق السندات، التي ارتفع حجمها إلى 115 تريليون دولار بحلول منتصف هذا العام من 87 تريليون دولار قبل عقد من الزمان، وكان ذلك بقيادة الحكومات، حيث ارتفعت الحصة السيادية في الأسواق إلى 47 في المئة من 40 في المئة في عام 2009.

- على ذكر الحكومات، بلغت ديونها العالمية قرابة 70 تريليون دولار أو ما يعادل 82 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى في تاريخ البشرية، وتقارن بنحو 20 تريليون دولار فقط قبل عقدين من الزمان، أي أنها زادت بمقدار 2.5 تريليون دولار سنويًا في المتوسط منذ ذلك الحين.

- أظهر تحليل لمصرف "دويتشه بنك" في سبتمبر الماضي، أن الاقتصادات الرئيسية حول العالم، تزيد ديونها في المتوسط على 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل على مدار 150 عامًا الماضية، باستثناء فترة الحرب العالمية الثانية.

*لماذا تراكمت الديون بهذا الشكل؟

- يقول خبير الاقتصاد السياسي الدولي "جيروم روز": مستويات الديون العالمية آخذة في الارتفاع منذ الثمانينيات، هذا يرجع بشكل كبير إلى المشكلات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، فبعد ركود النمو والأرباح في القطاع الصناعي خلال السبعينيات قررت الحكومات الغربية تحرير القطاع المالي، وتخفيف القيود التنظيمية.

- الوفرة الائتمانية للحكومات والشركات والأسر المترتبة على ذلك، ساهمت في تعويض آثار الركود وضعف إيرادات الضرائب وأرباح الشركات، والنتيجة كانت استعادة ربحية رأس المال بشكل مصطنع ومؤقت، وهو ما تزامن مع خصخصة الخدمات العامة، ما جعلها أكثر تكلفة في ظل ثبات الأجور.

- أصبح التمويل الائتماني الوسيلة الرئيسية، وربما الوحيدة، للحفاظ على الطلب العالمي للمستهلكين وزخم النمو في أسواق الأسهم والتوسع الاقتصادي، خصوصا أنه مع الاعتماد المتزايد على الأتمتة ونقل الإنتاج إلى مراكز العمالة الرخيصة والأرباح إلى الملاذات الآمنة، تراجعت حصة العمالة البشرية في المنتج النهائي.

- الآن، يشارك ملاك رأس المال وأدوات الإنتاج قليل القليل مع عمالهم ودولهم، وفي ظل هذه الظروف تحتاج الحكومات إلى زيادة ديونها بشكل مستمر لتمويل عجز الموازنة، في حين يتعين على المواطنين الاقتراض للحفاظ على مستويات المعيشة بسبب ضعف الدخل.

* هل ينذر ذلك بخطر ما؟

- إن عبء الديون الذي لم يسبق له مثيل في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، ويهدد العالم بشكل كارثي، يمكن أن يقود إلى أزمة تتجاوز الكساد العظيم في الأثار السلبية إذا انفجرت فقاعة الائتمان عند محاولة خفض المديونية.

- الأزمة في هذا السيناريو لن تكون بسبب نفاد الأموال المتاحة لدى البنوك لمنح المزيد من القروض، ولكن لأن المقترضين لن يكون لديهم فرصة لإعادة تمويل الديون وإنهاء المديونية.

- وفقاً لأزمة الرهونات الأميركية بين عامي 2007 و2008، فإن التخلف عن سداد 1.3 تريليون دولار، كان قادراً على إحداث تأثير الدومينو مع عمليات إفلاس واسعة النطاق.

- مع تجاوز الدين العالم 250 تريليون دولار، ربما لم يعد لدى الحكومات والبنوك المركزية موارد كافية لإعادة شراء الالتزامات وشطب الديون كما حدث خلال أزمة عام 2008.

- ربما تكون مسألة وقت قبل تكرار أزمة الكساد العظيم، لكن على أي حال، يعتمد سيناريو الأزمة التالية على قدرة السلطات النقدية على اتخاذ التدابير الوقائية، ومدى التعاون الدولي بين الحكومات والبنوك المركزية.