صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4296

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

تجاوز الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين: كيف ذلك؟

  • 14-11-2019

أدى ظهور قوة عظمى جديدة في آسيا حتماً إلى توترات جيوسياسية لا مفر منها، وحذر البعض من أن هذه التوترات قد تؤدي في النهاية إلى صراع عسكري، حتى إن لم تؤدِّ إلى حرب، فإن تقسية النظام السياسي في الصين، وسط مزاعم موثوقة بانتهاكات لا حصر لها لحقوق الإنسان، يثير أسئلة صعبة لدى الغرب.

يطرح النهوض الاقتصادي للصين تحديات سياسية واستراتيجية كبيرة للنظام العالمي القائم، إذ أدى ظهور قوة عظمى جديدة في آسيا حتماً إلى توترات جيوسياسية لا مفر منها، وحذر البعض من أن هذه التوترات قد تؤدي في النهاية إلى صراع عسكري، حتى إن لم تؤدِّ إلى حرب، فإن تقسية النظام السياسي في الصين، وسط مزاعم موثوقة بانتهاكات لا حصر لها لحقوق الإنسان، يثير أسئلة صعبة لدى الغرب.

أما على الجانب الاقتصادي، فقد أصبحت الصين أكبر المتداولين في العالم، كما أن صادراتها الصناعية المتزايدة التطور، تهيمن على الأسواق العالمية، ومع أنه من غير المحتمل أن يكون الدور الاقتصادي الدولي للصين محميا من الصراع السياسي، فمن غير المعقول أيضا أن يوقف الغرب تعاملاته التجارية مع الصين.

ولكن أي نوع من القواعد يجب تطبيقها على التجارة بين البلدان التي لها مثل هذه الأنظمة الاقتصادية والسياسية المختلفة؟ لقد تعاونتُ، في الآونة الأخيرة، مع جيفري ليمان، نائب رئيس حرم جامعة شنغهاي بجامعة نيويورك، وياو يان، عميد المدرسة الوطنية للتنمية بجامعة بكين، من أجل عقد اجتماع بين مجموعة عمل تضم اقتصاديين وباحثين قانونيين، يمكنهم إيجاد بعض الإجابات. وأصدرت، في الآونة الأخيرة، مجموعة العمل الخاصة بنا بيانا مشتركا، بدعم من 34 باحثا إضافيا، من بينهم خمسة اقتصاديين حاصلين على جائزة نوبل.

لقد كان انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، وإنشاء منظمة التجارة العالمية نفسها، مبنياً على الفرضية الضمنية التي تقول إن الاقتصادات الوطنية، بما فيها الصين، ستتقارب لتلتقي في نموذج مماثل إلى حد بعيد، مما يتيح تكاملا اقتصاديا كبيرا (أو "عميقا"). وكان النظام الاقتصادي غير التقليدي للصين- الذي يتميز بالتدخل الحكومي الغامض، والسياسات الصناعية، والدور المستمر للمؤسسات المملوكة للدولة إلى جانب الأسواق- ناجحا للغاية في تحفيز نمو الناتج المحلي الإجمالي، والحد من الفقر، ولكنه يجعل التكامل الاقتصادي العميق مع الغرب أمرا مستحيلاً.

وهناك منظور بديل يكتسب قبولا في الولايات المتحدة، وهو أن الاقتصاد الأميركي يجب أن ينفصل عن الاقتصاد الصيني، مما من شأنه أن يضع حواجز تجارية كبيرة أمام الصادرات الصينية، وقيودا صارمة على التدفقات الاستثمارية الثنائية. ومن شأن هذا النهج أن يزيد من حدة الحرب التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن يؤدي إلى دوامها.

ونقترح حلا وسطا بين التقارب والانفصال، والمفتاح هو أن الصين والولايات المتحدة، يجب أن تكونا قادرتين على الحفاظ على نموذجهما الاقتصادي، شأنهما في ذلك شأن جميع الدول الأخرى. وينبغي اعتبار السياسات التجارية، وغيرها من السياسات التي تهدف إلى ضمان (أو حماية) النظام الاقتصادي للبلد مشروعة. وما ليس مقبولا هو السياسات التي قد تفرض قواعد بلد ما على الآخر (عن طريق الحروب التجارية، أو غيرها من الضغوط)، أو التي توفر منافع محلية عن طريق فرض التكاليف على الشركاء التجاريين فقط.

إن استهداف فئة الشركاء التجاريين، والتي يسميها الاقتصاديون سياسات "إفقار الجار"، تشكل نقطة أساسية في نهجنا. ونؤكد أن قواعد التجارة الدولية يجب أن ترسم خطا أحمر غامقا حول سياسات إفقار الجار، وتحظرها، وخير مثال على ذلك، القيود التجارية التي تمكن البلد من ممارسة القوة الاحتكارية على الصعيد العالمي، كما حاولت الصين القيام بذلك عن طريق تقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة قبل بضع سنوات، ومن الأمثلة الأخرى، التي قد تصبح متزايدة الأهمية في التكنولوجيا الرقمية، هي إغلاق الأسواق المحلية أمام المستثمرين الأجانب، من أجل الحصول على مزايا تنافسية على نطاق واسع في الأسواق العالمية. والمثال الثالث هو استمرار انخفاض قيمة العملات التي تساعد في الحفاظ على اختلالات كبيرة في الاقتصاد الكلي (الفوائض التجارية).

ووفقًا لهذا النهج، فإن العديد من السياسات الأخرى التي عادة ما تشكو الولايات المتحدة منها، لن تُعتبر مرفوضة، فقد تعتبر الإعانات الصناعية، والشركات الصينية المملوكة للدولة، على سبيل المثال، مسألة محلية. ومع أن هذه الممارسات قد تلحق الضرر بشركات ومستثمرين أميركيين محددين، فإنها لا تندرج، بوجه عام، في سياسات إفقار الجار: إما أنها تفيد بقية العالم برمته (كما هي الحال مع الإعانات)، أو أن تكاليفها الاقتصادية، إن وجدت، مسؤولية محلية، في المقام الأول (كما هي الحال مع ملكية الدولة).

وكذلك، ستكون الولايات المتحدة حرة في اعتماد سياسات تجارية واستثمارية، تحمي سلامة أنظمتها التكنولوجية، وتحمي المجتمعات المتأثرة سلبا بالواردات. كما يمكنها حماية نفسها من أي آثار سلبية جراء السياسات الصينية، إذا اختارت القيام بذلك، عن طريق فرض قيود على الحدود. ويتعين على الصين أن تدرك أن استقلال السياسة هو طريق ذو اتجاهين: فالدول الأخرى تحتاج إليه بقدر ما تحتاج إليه الصين.

ومع أن نهجنا منصوص عليه في المصطلحات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين، فمن السهل تضمينه في إطار متعدد الأطراف، وحتى في منظمة التجارة العالمية نفسها، مع بعض المناورة القانونية الإبداعية. ويقترح أحد أعضاء مجموعة العمل لدينا، روبرت ستايغر، أحد هذه الأساليب، ومع ذلك فإن الحقيقة الصارخة هي أن التقدم على الجبهة المتعددة الأطراف غير مرجح، دون اتفاق مسبق بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. إذا، فإننا نعتبر بياننا خطوة أولى في هذا الاتجاه.

وعلى غرار جميع الاتفاقات الدولية، يعتمد منهجنا المقترح على استعداد الأطراف للالتزام بالشروط. ومع أن مفهوم سياسات إفقار الجار قد تكون واضحة للاقتصاديين بصفتها مسألة تحليلية، إلا أننا لسنا ساذجين لدرجة أن نفترض أن الولايات المتحدة والصين، ستتفقان بسرعة وسهولة من الناحية العملية، على السياسات التي تندرج ضمن سياسة إفقار الجار، وتلك التي ليست كذلك. وستستمر الخلافات بشأن المصطلحات والتعاريف، ومع ذلك، نأمل أن يكون إطار عمل يحدد توقعات واضحة، ويحترم السيادة الاقتصادية للبلدين، ويحمي ضد أسوأ الانتهاكات التجارية، ويسمح بجني الجزء الأكبر من مكاسب التجارة، أن يخلق الحوافز اللازمة لبناء الثقة المتبادلة مع مرور الوقت.

ويترك هذا النهج السؤال حول كيفية استجابة الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى للقمع السياسي، أو انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، مفتوحا، وهذا ليس لأن هذه القضايا غير مهمة، ولكن لأنه يجب وضع قواعد سلوك واضحة في العلاقات الاقتصادية، بغض النظر عن كيفية حل النزاعات الأكثر حدة، وبدون مثل هذه الخريطة، فإن المصالح الاقتصادية للصين والولايات المتحدة ليست من سيتضرر فقط؛ بل ستدفع بقية دول العالم ثمنا باهظا أيضا.

* داني رودريك

* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بكلية جون ف. كينيدي لشؤون الحكم بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "الحديث الصريح بشأن التجارة: أفكار

لاقتصاد عالمي سليم".

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»