صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4273

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

اختلاف الآراء في تعريف مفهوم الحضارة والثقافة والمدنية

  • 10-11-2019

مازال الصراع محتدماً بين النقاد والباحثين حول تعريف مفهوم الحضارة والثقافة والمدنية، فمفهوم الحضارة في اللغة يعني الإقامة في الحضر، والحضر هم من يقيمون في المدن، وكلمة حضر هي عكس كلمة بداوة، أما في الاصطلاح.

فالحضارة هي جملة المظاهر التي تعبر بواسطتها الأمم عن ثقافاتها، ومن خلالها تقوم بحماية هذه الثقافة؛ حتى تستطيع توريثها للأجيال القادمة، كما تعتبر الحضارة شاملة لكل من الثقافة، والمدنية، فهي تقوم على رابط قوي بين كل منهما، وإن أي إهمال لأي منهما قد يؤدي إلى ضعف، ولربما يكون بداية لانهيار الحضارة.

الحضارة

اشتقت كلمة الحضارة (Culture)، من الكلمة اللاتينية (Cultura)، وتعني نما أو حرث، وتقتصر دلالات هذه الكلمة في العصور السابقة على تنمية الأراضي ومحاصيلها، وحتى تزدهر الحضارة، لا بد من توفر بعض الشروط، منها: الاستقرار: يعتبر الاستقرار من أهم شروط تكوين الحضارات وازدهارها، ويقصد بالاستقرار عدم الانتقال من منطقة إلى أخرى ، والتعاون: إن استقرار الإنسان في منطقة معينة؛ من أجل استثمارها، يتطلب منه أن يكون متعاوناً مع الآخرين، وهذا التعاون هو الذي يؤدي إلى قيام الحضارات وازدهارها، والكتابة: إن اختراع الإنسان للكتابة يعد من أهم شروط الحضارة وتكوينها، فمن خلال الكتابة استطاع الإنسان الاتصال بالآخرين، ونقل كل أفعاله وأقواله إلى الأمم القادمة، كما استطاع حفظ كل شيء قام بإبداعه، والمكاسب الجديدة التي حققها.

الثقافة

وقال الباحثون، إن الثقافة في اللغة مأخوذة من الفعل ثقف، وتطلق هذه الكلمة على الفطنة، والعلم، والذكاء، أما في الاصطلاح فإن الثقافة هي جملة المعارف، والفنون، والعلوم لدى مجتمع معين، إضافة إلى الرقي في السياسة، والأفكار، والقانون لهذا المجتمع.

وذكر العديد من علماء الاجتماع مفاهيم مختلفة للثقافة؛ فمنهم من عرفها من حيث جانبها المادي، ومنهم من عرفها من جانبها الفكري، ومنهم من جمع بين الجانبين، لكن أقدم تعريف للثقافة هو الذي وضعه إدوارد تايلور؛ الذي عرّف الثقافة بأنها كل ما يشتمل على العقائد، والمعرفة، والعادات، والأخلاق، وكذلك الفن، والقانون، وغيرها من الأمور التي يكتسبها الفرد.

وأحدث تعريف للثقافة هو التعريف الذي جاء في إعلان مكسيكو عام 1982م، ونصّ على أن الثقافة هي جميع السمات المادية، والروحية، والعاطفية، التي تميز أي مجتمع عن غيره، وتضم طريقة حياة هذا المجتمع، وفنونه، وآدابه، إضافة إلى عاداته، وتقاليده، وحقوق الإنسان الأساسية فيه، وتعتبر الحياة الاجتماعية مترابطة ومتكاملة في المجتمع من الناحية السلوكية، وكذلك الأفكار، والنظم، التي تشكل بدورها ثقافة المجتمع، وللثقافة خصائص مهمة، فهي إنسانية، مكتسبة، كما أنها اجتماعية، وتكاملية، ومستمرة.

المدنية

عرّف النقاد أيضاً، مفهوم المدنية على أنها الجزء المادي من أي حضارة، كالعمران، والترفيه، ووسائل الاتصال، وظهرت المدنية نتيجة التفاعل الحاصل بين العلوم وتطبيقاتها من ناحية، وما أنتجته الأمة من ناحية أخرى؛ وهذا ما جعلها ترتبط بالمجالين: الاقتصادي والصناعي.

ويرى البعض أن المدنية مرادفة للحضارة؛ فهم يرون أنها تحمل الجانب المادي والمعنوي للحضارة، كما يعتبرونها جملة الرقي في الصناعة والزراعة في المجتمع، والمدنية جزء من الحضارة، وهي لا تحتاج إلى شرح مفصل في معناها كما في الحضارة والثقافة، لكننا نستطيع أن نذكر أن المدنية هي تراكم الإنجازات الإنسانية من الناحية المادية لمجتمع معين في فترة زمنية معينة، وهذه الإنجازات تهدف إلى تسهيل وتيسير حياة الإنسان، ضمن العقيدة السائدة في مجتمعه.

تحديد العلاقة

وأجمع هؤلاء النقاد والمفكرون على ضرورة تحديد العلاقة بين طرفين اثنين قبل تعريفهم جميعاً، وأن علاقة الحضارة بالثقافة والمدنية تعرف بعد تحديد مفهوم كل من الحضارة، والثقافة، والمدنية، ولا بد من ذكر العلاقة بين الحضارة والثقافة، والعلاقة بين الحضارة والمدنية، من خلال النقاط الآتية: العلاقة بين الحضارة والمدنية: ترتبط كل من الحضارة، والمدنية ببعضهما بعضاً، من ناحية جذر كل كلمة منهما (حضر، مدن)، وإن أي مجتمع يريد التعبير عن حضارته، لا بد له من أن يستكمل شروط الحضارة، ومن أهمها الإقامة في المدن أو القرى، وهذه الإقامة هي التي تجعل الحضارة والمدنية متقاربتين ومرتبطتين ببعضهما بعضاً، ولا تقتصر العلاقة بين الحضارة، والمدنية على جذر كل كلمة منهما فقط، إنما ترتبطان ببعضهما بعضاً بشكل وثيق؛ فالحضارة شاملة للمدنية؛ والحضارة لها جانبان: مادي، ومعنوي ، والمدنية هي الجزء المادي منها.

الناحية المعنوية

العلاقة بين الحضارة، والثقافة: تعبر الثقافة عن الناحية المعنوية، والروحية لمجتمع ما، والحضارة لها جانبين: معنوي، ومادي؛ لذا فإن الحضارة شاملة للثقافة، وظهرت آراء مختلفة حول علاقة الثقافة بالحضارة، من أهمها: يرى البعض أن الثقافة والحضارة لهما نفس المعنى؛ لذلك استخدموا مصطلح (Civilization)؛ للتعبير عن الحضارة والثقافة معاً، دون أن يكون هنالك فرق بينهما.

ويرى البعض أن الحضارة هي الجزء المادي من الثقافة، وقد ظهر هذا الرأي عند الباحثين ماكيفر، وآدم.

كما يرى البعض أن الثقافة هي جزء من الحضارة بشقيها: المادي، والمعنوي، وهذا الرأي هو السائد في الغرب. ففي الحضارة والثقافة الإسلامية هناك علاقة وثيقة بين الحضارة الإسلامية، والثقافة الإسلامية؛ فالثقافة الإسلامية توجه وتضبط المعرفة العلمية، وتؤثر في الحضارة من خلال العقيدة الإسلامية، أما الحضارة الإسلامية فإنها تغير من الشكل الذي تجسد فيه الثقافة الإسلامية من الناحية المعيارية، دون أن يؤثر هذا التغيير على قيمها؛ لذا فإن تأثير الحضارة الإسلامية في الثقافة هو تأثير محصور في الصورة، أو الشكل فقط.