صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4250

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«التمييز»: إلزام «الداخلية» بنصف مليون دينار لورثة الميموني يتضمن إسرافاً وغلواً يتنافيان مع التعويض

• بعد إدانة القضاء لبعض الأفراد والضباط عن واقعة تعذيب وقتل الضحية
• ألغت حكم أول درجة واكتفت بـ 50 ألف دينار كقيمة للتعويض

أسدلت محكمة التمييز المدنية الستار على قضية تعويض ورثة المواطن محمد غزاي الميموني المطيري، الذي قتل على يد عدد من رجال الأمن، وبينهم ضابطان بوزارة الداخلية، وقضت بإلزام الوزارة بتعويض ورثة الميموني بمبلغ 50 ألف دينار، لكل منهم 5 آلاف، وألغت حكم محكمة أول درجة الذي صدر لمصلحتهم بتعويضهم بنصف مليون دينار.

أقام ورثة محمد غزاي الميموني دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية بطلب التعويض بمبلغ مليون دينار عن الاضرار المادية والأدبية التي اصابتهم من جراء تعذيب وقتل عدد من الأفراد وضباط وزارة الداخلية انتهت محكمة التمييز فيها إلى حكم جزائي قبل سنوات بادانة بعضهم بالإعدام والحبس 10 سنوات، وقضت محكمة أول درجة ثم «الاستئناف» قضتا بتعويضهم مبلغ نصف مليون دينار، إلا أن الداخلية طعنت على الحكم أمام محكمة التمييز التي خفضته إلى مبلغ 50 ألف دينار.

وأكدت «التمييز»، في حيثيات حكمها على خلفية الطعن المقام من «الداخلية»، ممثلة بإدارة الفتوى والتشريع، أن الطعن المقدم مقام على أن المطعون ضدها الثامنة قريبة المتوفى محمد غزاي الميموني المطيري تطلب تعويضاً مادياً عن رعايتها لأبنائها وقيامها بالصرف عليهم، إلا أنها لم تقم الدليل على ذلك، وما يثبت أن المتوفى كان يعولها من عدمه،

وأوضحت المحكمة أن هذا النعي في محله، ذلك أن المستقر في قضاء هذه المحكمة أنه يشترط للقضاء بالتعويض عن الضرر المادي الإخلال بمصلحة وآلية للمضرور، وأن يكون الضرر محققا، بأن يكون قد وقع بالفعل أو أن يكون وقوعه في المستقبل حتميا، فمناط تحقيق الضرر المادي لمن يدعيه نتيجة وفاة آخر هو ثبوت أن المجني عليه كان يعوله فعلا وقت وفاته على نحو مستمر ودائم، وأن فرصة الاستمرار في ذلك كانت محققة، وعندئذ يقدر القاضي ما ضاع على المضرور من فرصة لفقد عائله، فيقضي له بالتعويض على هذا الأساس.

لا يكفي

أما مجرد احتمال وقوع ضرر في المستقبل فلا يكفي للحكم بالتعويض والكسب الاحتمالي، سواء تمثل في تحقيق كسب أو تجنب خسارة، يجب أن يكون محتملا إن أمكن التحقق بوجود طريقة أو طرق تؤدي إليه، أي بتوافر فرصة أو فرص ترجح تحقيقه، إذ يتعين أن يكون الكسب محتمل التحقيق، وأن يكون هذا الاحتمال بدرجة كافية الى حد القول بترجيح وقوعه على عدم وقوعه، والأمر بعد في حالة ادعاء الآباء بحرمانهم من كسب مستقبلي نتيجة وفاة ابن لهم في حادث إنما يتوقف على ظروف الواقع، وبصفة خاصة حالة المصاب المباشرة ومركزه المالي الذي سيكون عليه مستقبلا، ومقابلته بحالة طلب المساعدة والنفقة، وما إذا كانت تلك المساعدة تستند الى واجب أو التزام قانوني، وغير ذلك من ظروف الحال، وأنه يقع على المضرور عبء إثبات الضرر.

لما كان ذلك، وقد خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وأقام قضاءه بإلزام الطاعن بصفته بأن يودي للمطعون ضدها الثامنة تعويضا ماديا على إعالة المتوفى لوالدته، وأن تفويت الفرصة أمر محقق يترتب عليه كسب فائت، وقضى لها بتعويض مقداره ثلاثون ألف دينار، ودون أن يبين الأسباب المقبولة لهذا الأمل، وترجيح ما فوته عليهما من كسب مادي، ورغم أن الثابت بالأوراق أن نجلهما وقت وقوع الحادث قد ضبط على خلفية اتهامه بقضية، ولم يثبت وظيفته وراتبه، ولم تقدم الدليل على إخلال بالمصلحة المالية لها، فإنه يكون معيباً بما يوجب تمييزه.

ولفتت المحكمة الى أن الحكم المطعون فيه قد قضى بالتعويض لأبناء المجني عليه بتعويض مادي مقداره مئة الف دينار على ما خلص الى أنهما يستظلان بظله ويطعمان بطعامه ويعيشان في كنفه، فهو لهما الأب والقائم على شؤونهم ورعاية مصالحهم، وأنه الملتزم شرعا بالإنفاق عليهم، ولم يثبت وجود عائل آخر لهم أو انه لهم مصدر آخر للدخل بالنظر لصغر سنهم وعدم قدرتهم على الكسب، وقدر لهم التعويض المناسب الجابر للضرر، وهو من الحكم استخلاص سائغ له أصله الثابت بالأوراق ويكفي لحمل قضائه، ويؤدي الى النتيجة التي انتهى اليها، وإذ التزم الحكم المطعون فيه صحيح الواقع والقانون، فإن النعي عليه بهذا الوجه من السبب يكون قائما على غير أساس.

تعويض مُبالغ فيه

وبينت أن طعن الحكومة ينعي على الحكم المطعون فيه بالسبب الثاني بالمخالفة للقانون والخطأ في تطبيقه، وفي بيان ذلك يقول إن تقدير التعويض عن الضرر الأدبي للمطعون ضدهم مبالغ فيه بشدة، دون بيان العناصر المكونة له، وبالنظر لطبيعة الواقعة وظروفها، لافتة الى أن هذا النعي في محله، ذلك انه من المستقر في قضاء هذه المحكمة أنه وإن كان تقدير الضرر الأدبي وتحديد التعويض الجابر له من مسائل الواقع، التي يستقل بها قاضي الموضوع، إلا أن تعيين العناصر المكونة للضرر، والتي يجب أن تدخل في حساب التعويض هو من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة التمييز، كما أنه يكفي في تقدير التعويض عن الضرر الأدبي أن يكون بالقدر الذي يواسي المضرور، ويكفل رد اعتباره بغير علو ولا إسراف في التقدير، وأنه لابد أن يتناسب التعويض مع الضرر، لأن الغرض من التعويض هو جبر الضرر جبراً متكافئا وغير زائد عليه، إذ أن كل زيادة تعتبر إثراء على حساب الغير دون سبب.

وأوضحت المحكمة أن الحكم المطعون فيه قد قضى بإلزام الطاعن بصفته بأن يؤدي للمطعون ضدهم المبلغ المقضي به المؤيد استئنافيا، وكان هذا التقدير في عمومه ينطوي على إسراف وغلو يتنافى مع الغاية زمن إقرار التعويض، وهو جبر الضرر الذي لحق بهم، المتمثل فيما ألم بهم من حزن وأسى ومساس بمركزه الاجتماعي، ومن ثم فإن المبلغ المقضي به ليس من شأنه فقط مواساة المضرور، وإنما يعتبر إثراء بلا سبب على حساب الطاعن بصفته، وهو ما يعيب الحكم المطعون فيه ويوجب تمييزه تمييزا جزئيا في خصوص مقدار مبلغ التعويض المقضي به عن الضرر الأدبي.

5 آلاف دينار

وقالت المحكمة إن موضوع الاستئناف وفيما ميّز من الحكم المطعون فيه صالح للفصل فيه.

ولما تقدم، وإذ خلت الأوراق مما يثبت الضرر المادي للمستأنف ضدها الثامنة ولم تقدم الدليل على ذلك، وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر بما يتعين الغاؤه في هذا الشق والقضاء برفضه.

أما عن التعويض عن الضرر الأدبي وكانت هذه المحكمة بما لها من سلطة في تقدير التعويض، وفي ضوء ما لحق بالمستأنف ضدهم من ضرر أدبي تمثّل في الشعور بالألم والحزن والمساس بسمعتهم وكرامتهم - ترى من ظروف وواقع الحال في الدعوى وتقدير مبلغ خمسة آلاف دينار لكل واحد منهم على النحو المبين بالمنطوق، وتعديل الحكم المستأنف على هذا النحو.

تعيين عناصر الضرر التي تدخل في حساب التعويض تخضع لرقابة «التمييز»

المحكمة أكدت اشتراط القضاء للتعويض المادي إثبات الإخلال بمصلحة المضرور

مجرد احتمال وقوع ضرر في المستقبل لا يكفي للحكم بالتعويض و«الكسب الاحتمالي»

المحكمة أكدت ان المبلغ المطعون يمثل إثراء بلا سبب على حساب الوزارة