صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4219

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لابد لنا من التفلسف!

  • 06-09-2019

"لا بد لنا من التفلسف!"، كان هذا اسم الدرس الأول في مادة مدخل إلى الفلسفة في جامعة الكويت قبل عدة سنوات، وهي مادة يراها الكثير على أنها مجرد مادة اختيارية يضيفها الطالب إلى جدوله لحصد تقدير الامتياز (A) بسهولة فحسب، في حين يهابها الآخرون فيتوهمون أن التفكير الفلسفي سيؤدي بهم إلى الانحلال! لكن بالنسبة إلي، كانت هي الخطوة الأولى في تغيير منظوري إلى الأبد.

احتوت مذكرة الدرس الأول على العديد من الأمثلة لأسئلة دائماً ما نواجهها في حياتنا اليومية، كماهية الصواب والخطأ (أو ما يعرف بفلسفة الأخلاق)، وما الغاية من وجودنا على هذه الأرض، وهي أسئلة في غاية الأهمية لن تجد لها الجواب الشافي في الردود المعلبة والمكررة.

لا مفر من الفلسفة، فحتى من يرى أن الجدل الفلسفي مضيعة للوقت ويفضل الحلول قد وجد نفسه يتبع البراغماتية ضمنياً، وكانت حجته بذاتها فلسفية. إذاً، فلابد لنا من التفلسف!

ومن المضحك في الأمر إطلاق لفظ "فيلسوف" بالعامية هنا للإشارة لمن يكثر كلامه و"يعقد" الأمور، فهو "يتفلسف" في نظرنا ويفتي فيما لا يعلم. هذا إن دل فهو يدل على ضعف قدرتنا على التفكير التجريدي كشعب بشكل عام، وتفضيلنا للإجابات الجاهزة، وهو أمر جد مقلق. كذلك ينعت المجتمع القارئ هنا بالـ"معقد"، ولا يربط القراءة أو رؤية كتاب حتى إلا بأيام الدراسة! وهنا أتذكر رؤيتي للقراء بكثرة في جميع أنحاء الدول المتقدمة، فأينما تولِّ وجهك فستجد شخصاً ما منغمساً في القراءة.

طبيعة العقل البشري هي التفكر والتساؤل وعدم أخذ الآراء السائدة كمسلمات، لكن هذه القدرة النقدية تتعطل تماماً في المجتمعات التي تتبع التلقين كأسلوب حياة وتعاقب من يجرؤ على التفكير بشكل مستقل عن طريق مهاجمته أو عزله اجتماعياً، وذلك ما حدث مع الكثير من المبدعين والعظماء على مر التاريخ، بمن فيهم الشاعر الكويتي فهد العسكر. كذلك فإن المجتمعات المنغمسة في الثقافة الاستهلاكية دائماً ما تكون مادية في منظورها ولا ترى قيمة إلا في الأشياء التي يمكن استهلاكها، وذلك يؤدي إلى فقد الأذهان لياقتها وتفسيرها السطحي للأمور، فلا مجال للتعمق هنا.

نعم، لابد لنا من التفلسف، فنحن سنجد أنفسنا لا محالة أمام مفترق طرق محير في هذه الحياة المجنونة، ولن تشبعنا تلك الإجابات الجاهزة ولن تعالج وضعنا الخاص جداً، فسنجد نفسنا مضطرين للتعمق نحو أجوبة قد لا تكون شافية تماماً، ولكنها حتماً ستشكل العتبات الأولى نحو حياة أكثر عمقاً وأصالة.

* "من الخطير أن تكون على حق عندما يكون الناس

على خطأ" . (فولتير)