صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4201

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أقبل العيد

  • 08-08-2019

أيام قليلة ويأتي العيد حاملا حقائبه المليئة بمختلف الهدايا، يوزعها على كل عابر لصباحاته، لا يبتغي شيئا سوى الحصول على رشفة من كأس فرحته وشربة من ماء بهجته. والعيد، كعادته الكريمة، لا يرد أحدا من وارديه، ولا يمنع أحدا ممن شاء لهم الحظ أن يحصلوا على عطاياه!

أما أنا فقد خصَّني العيد قبل أن يُقبل بشيء من صبحه البهي وحلواه الشهية، فقد زارني سراً وأنا فيما يشبه الحلم، ودس تحت وسادتي شيئاً من رائحتك، وهمس في أذني ببضع كلمات غائمات في المعنى، لكنه ترك الباب مواربا لخيالي، ليتأرجح بين المعنى المباشر والمجاز أكاد أقبض على قصده ويفلت مني التخمين، ساق لي كلمات مبهمة بشرى بقدومك، لم أكن على يقين مما قاله كل اليقين، ولكني استشعرت رائحة نبوءة مشتهاة، وأمنية على وشك أن تتحقق، وبشارة آن لها أن تنبلج في ليلتي تلك، لم يكد يغمض لعيني جفن حينها، إذ راح السهر ينسج أحلاماً شبيهة بما رأته «أليس» في بلاد العجائب، رؤى تتمرجح بين الندى والجمر، بين الاحتمالات المؤكدة والظنون المراوغة، وأنا أطارد تلك الخيالات بشبكة مثقوبة من خيوط السهر، حتى أطلَّ الصباح بنوره على شباكي، حاملا بين يديه قلائد من ذهب الشمس، وعقدا منظوما من تغريد الحمام، فأيقظني شذى الورد الذي تسلل في خلايا جسدي، فيزيح عنه حنان «الشراشف» التي كانت تحتضنه بلطف حميم، فأصحو متثاقلا من السرير، أجر خطواتي، ملقيا بثقل جسدي تحت الماء البارد، لتدب فجأة رعشة الحياة تحت إغواء وإغراء رغوة الصابون المعطر، ويملؤني النشاط، لم أكن على علم ولم يدر بخلدي قط بأن ما دسه العيد تحت وسادتي في ليلة من بشارة سأجده منتظرا عند باب قلبي ذلك الصباح!

كنت أنتِ هناك! جالسة على متكأ بفستانك الأحمر الطويل في الوسط من حقل من النسرين الأبيض وسرب من الفراشات حولك يعدّل من ذيل الفستان ويبسطه كلما انطوى جزء منه، وسحابة من فوق في السماء تظلك بظلالها، ولم يكن ظلالها رمادياً، كما هو كل ظلال، بل ورديا مائلا للحُمرة، كنتِ تعبئين قناني الوقت بابتسامة ندية ساحرة، وكلما مرَّ وقت بقدح فارغ سكبتِ له عطرا شهيا من تلك البسمة الساحرة، كنتِ مشرقة كشمس صباح، بهية كإطلالة بدر، استرجعت ما كان العيد قد همسه في أذني من بشارة لم أكن مدركاً لها، ولم أكن على وعي كافٍ لاستيعابها، مشيت بقلبي ناحيتك كالمنوم مغناطيسياً تجذبني هالة من السحر، وتشدني من يدي، اقتربت منك، فإذا ابتسامتك تحتضني قبل أن تمدين لي يدك، أخذت يدك الحرير وأنا غير مصدق أنك من بشرني بها العيد قبل أيام قليلة فقط من قدومه!