صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4221

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ماذا يريد الحب منا؟!

  • 01-08-2019

ماذا نريد من الحب؟! لم يخطر هذا السؤال على بال أحد منا إلا وقام بفتح صفحة بيضاء وأخذ يملؤها بكل احتياجاته من الحب، نملي عليه طلباتنا، فلا نترك شاردة ولا واردة إلا ذكرناها في القائمة.

نريد من الحب إسعادنا كل العمر، كما نريد منه صلحا دائما مع أنفسنا، وحبيبا يحفظ الود ويصون المحبة، ووفاءً قلَّ نظيره، وإخلاصا نادرا، وهدأة بال ما حيينا، وأن يرزقنا المال والبنين وزينة الحياة الدنيا وثواب الآخرة، وأنهارا من ماءٍ وعسلٍ و...، ومفاتيح الشهوات المقفلة والأمنيات المستحيلة، وأن يصبح كل غصن يابس في أيدينا مُزهرا، وكل شاهق منبسطا، وكل صعب يسيرا، وكل مستحيل ممكنا، وكل بعيد قريب المنال، وكل عصيٍّ هيِّنا، وكل قطعة جمر قطرة ندى، ولا مانع إن هو أتانا بلبن العصفور إن استطاع إلى ذلك سبيلا!

ماذا نريد من الحب؟!

نسأل أنفسنا هذا السؤال، وكأنما هو من باب المنَّة على الحب، في الوقت الذي نهرِّب إجاباتنا من نافذة الأماني، نثير السؤال وكأننا المتفضلون عليه باحتضان قلوبنا له وقبوله فيها كلاجئ لم يجد له مأوى، وشريد لم يجد له سكنا، ومقيم يتوجب عليه دفع ثمن باهظ نظير موافقتنا على استضافته.

إن السؤال بصيغته هذه به عجرفة وغرور وتعالٍ على الحب، ولا يخلو من شبهة التنمُّر عليه، ورائحة بجاحة حمقاء، لذا لابد من تصحيح صيغة السؤال بصورة أخرى معاكسة تماما، ونسأل أنفسنا:

ماذا يريد الحب منا؟! ماذا يتوجب علينا أن نفعل حتى نصبح صالحين للحب ومهيئين له؟! ما الاشتراطات التي يمليها علينا لنكون من أبنائه البررة وأوليائه المخلصين؟! ما الاختبارات النفسية والعاطفية التي يتوجب علينا اجتيازها قبل أن نلتحق بمدرسته، لنتعلم فيها ألف باء منهجه؟! ليس كل الناس مؤهلين لعطايا الحب وهباته، وليست كل القلوب أراضي صالحة لبذرة الحب وغرسه، فما هو المناخ الذي يجب علينا توفيره لجعل هذا الغرس ينمو ويكبر ويطرح ثماره الشهية بين أيدينا؟!

يطرق الحب قلوبنا وفي يده قائمة لا تقل عن قائمتنا المذكورة أعلاه، واحتياجات ربما لا تقل عن احتياجاتنا منه، واشتراطات إن توافرت فينا هنئنا به وهنئ بنا، وإن لم يجدها فينا شقينا به وشقي بنا، فقبل أن نجني ثمار الحب يريد منا الحب أولاً أن نستصلح إنسانيتنا النقية، لتكون صالحة لبذرته، وقلوبنا تشبه إلى حد بعيد ملامحه، فتعتاد على العطاء من دون انتظار المقابل، وتكون جاهزة للسماح والتسامح، وأن تمسح الخطأ بمنديل عذر طري، وأن تكون مشرعة أبوابها على مصاريعها لالتقاط كل جمال يسقط من ذمة الحياة، وتشعر بالرضا بكل دمعة تغمر بالبلل أحداقنا بنفس قدر رضانا بكل فرحة تكسو أرواحنا ورقة خضراء ندية، وإن صغرت، وأن نكون على أهبة الاستعداد للبهجة بكل صباح، متناسين مرارة كأس الليل التي ارتوينا منها في ليلة سابقة.

يريد الحب منا أن نتقن نسج الأمل من خيوط اليأس، وأن نتعلم كيف نتهجأ كتاب الصبر حرفاً حرفاً، لنكتب قصيدة لا تموت على ستار كعبة قلوبنا، وكيف نخيط جروحنا بطيف ابتسامة لا تغيب عن شفاهنا الناشفة، وأن نعرف كيف نكون أقوياء بضعفنا وصلبين بهشاشتنا!

حين نستوفي متطلبات الحب تلك سنصبح جديرين به، أما قبل أن نفعل فسنبدو وقحين في أن نطلب منه أن يمدنا بقبسٍ من بعض نوره!