صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4223

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الواسطة شر لابد منه

  • 31-07-2019

أكاديمياً وعلمياً عندما نتحدث لطلبتنا عن ظاهرة «الواسطة»، نطرح رأياً مثالياً، مع أننا بداخلنا غير موافقين عليه، لأن الحياة في مجتمعاتنا تفرض سلوكاً مغايراً، ولا نحتاج إلى أدلة على ذلك، فهي كثيرة.

إن استخدام الواسطة في مجتمعاتنا دليل على الخلل الإداري والقانوني والاجتماعي، وما دام هذا الخلل مستمراً فالواسطة مستمرة حيث لا يستطيع الإنسان أن يحصل على حقوقه إلا بها إلى درجة أنها أصبحت جزءاً من حياته، والواسطة سلوك بين طرفين أو أكثر بحكم العلاقات الاجتماعية والإدارية وربما المالية أيضاً، وفي ظل ظروف مجتمعاتنا أصبحت جزءاً من حياة هذه المجتمعات، لاسيما التي لا يطبق فيها القانون.

ومن الناحية النظرية يعتقد الكثيرون أن الواسطة مرض وشر يدل على عدم تطبيق القانون، ولكن واقعياً قد لا تستقيم الحياة، ولا يستطيع المرء أن يصل إلى حقوقه إلا بها، وأحياناً تجد أن من يحاربها يلجأ إليها عندما تضطره الظروف إلى ذلك.

أكاديمياً وعلمياً عندما نتحدث عن هذه الظاهرة لطلبتنا نطرح رأياً مثالياً، ونحن بداخلنا غير موافقين عليه، فالحياة في مجتمعاتنا تفرض سلوكاً مغايراً، ولا نحتاج إلى أدلة على ذلك فهي كثيرة.

وعندما نتكلم عن محاربة الواسطة كظاهرة سلبية فإن الازدواجية تكمن في السلوك المضاد باللجوء إليها، والأمر الذي يثير الاستغراب هو أن للواسطة إيجابيات على الرغم من وصفها بأنها ظاهرة سلبية، فإذا لم تكن تستطيع الحصول على حقوقك إلا بها، فماذا يمكن أن تسميها؟ وفي ظل مجتمع يسوده الفساد تحقق الواسطة فيه مكاسب، وترجع حقوقاً سُلِبت فإنها تكون هنا ظاهرة إيجابية.

لقد أثبتت التجارب أن الواسطة قد أعادت إلى الذين وقع عليهم ظلم حقوقاً، وبهذا تكون نتيجة استخدامها إيجابية، لكن علينا الانتباه إلى أن ذلك استثناء وليس قاعدة، فالقاعدة أن الواسطة أمر سلبي، وعندما نتحدث عن القيم التربوية فلا بد من تبيان حقيقتها بأنها شر لا بد منه، المشكلة هي عندما تغدو الواسطة ظاهرة اجتماعية يلجأ إليها الإنسان في غير أوقات الضرورة، حتى لو لم تكن هناك حاجة ملحّة إليها، بل أحياناً يتم اللجوء إليها قبل الحاجة.

وبسبب الواسطة قد تحدث تجاوزات إدارية وفساد، بل وصل البعض إلى مراكز قيادية وهم لا يستحقونها بالواسطة، وأبعدت كفاءات عن مواقع بالواسطة، وكانت النتيجة إحباطاً، وخللاً دفع المجتمع ثمنه حيث تصدر المشهد من لا يستحق، ومع الوقت ومسيرة الأحداث يكتشف أن السبب في ذلك الخلل هو الواسطة، إن المثالية في تبنى القيم الإيجابية أحياناً تكون غير واقعية، فالواسطة قد أزالت ظلماً عن كثيرين، لكن اللجوء إليها دائماً ظاهرة سلبية، وذلك يعنى أنها شر لابد منه، خصوصاً في المجتمعات التي لا تحترم تطبيق القانون... هذه لمحة عن حالة في التاريخ الاجتماعي العربي المعاصر، أردنا إلقاء الضوء عليها والموقف منها.