صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4174

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حدود الاحتجاج الجماهيري في نظام دكتاتوري

  • 11-07-2019

أجبرت المظاهرات في هونغ كونغ الرئيس التنفيذي كاري لام على تعليق قانون غير شعبي، ولكن الاحتجاج لا يمكن أن يكون فعالا إلا إذا ظل هادئا، ومعظم الناس في الصين، حتى أولئك غير المعجبين بشكل خاص بالنظام الحالي، يهابون العنف والاضطراب، اللذين عاشهما الصينيون كثيرا خلال المئة عام الماضية.

هونغ كونغ ليست بكين، وليس الأول من يوليو 2019 هو 4 يونيو 1989، أولاً وقبل كل شيء، في عام 1989، كانت الحكومة مصدر جميع أحداث العنف تقريبا في الصين؛ فقد ظلت أسابيع المظاهرات في بكين وغيرها من المدن سلمية بشكل ملحوظ طوال الوقت، وحدث الشيء نفسه تقريبا في هونغ كونغ، إلى أن فقد عدد صغير من المتظاهرين الشباب هدوءهم، وقاموا بأعمال تخريبية في قاعة المجلس التشريعي بواسطة العتلات والمطارق.

واندلعت المظاهرات الحاشدة في هونغ كونغ في الأسابيع الأخيرة بسبب قانون مقترح يسمح بتسليم المطلوبين من المدينة إلى البر الرئيسي للصين، ولكن هذا مشروع القانون هذا عُلق إلى أجل غير مسمى بعد احتجاجات سابقة. ومنذ ذلك الحين، كانت المظاهرات المستمرة ناتجة عن الغضب إزاء القيود المشددة التي فرضها الحزب الشيوعي الصيني.

واندلعت احتجاجات ميدان تيانانمن في عام 1989 التماسا من الحزب الشيوعي الصيني كبح الفساد الرسمي، والسماح بمزيد من الحريات المدنية، الحريات التي تمتع بها أهالي هونغ كونغ بالفعل، حتى تحت الحكم الاستعماري، وتعهدت الحكومة الصينية بالحفاظ على هذه الحريات في هونغ كونغ بعد تسلمها من بريطانيا في 1 يوليو 1997، وأصبح هذا الوعد الآن موضع شك.

ومع هذه الاختلافات، هناك أوجه تشابه مهمة بين 1989 واليوم، وعلى غرار مظاهرات تيانانمن، تفتقر الاحتجاجات الجماهيرية في هونغ كونغ إلى قيادة واضحة، وهذا متعمد، فالحركات الاحتجاجية ليست أحزابا سياسية لها تسلسل هرمي، وفي الواقع، عادة ما تعارض هذه الحركات فكرة التسلسل الهرمي، ونتيجة لذلك، يصعب السيطرة على الانقسامات التكتيكية بين المحتجين.

وفي يونيو 1989، عندما اتضح أن الحكومة الصينية لن تستجيب لمطالب المتظاهرين، وتزايدت احتمالات حدوث قمع عنيف، نصح بعض الناشطين بتوخي الحذر، واقترحوا أن يعود الطلاب إلى منازلهم، وأن يستأنفوا المظاهرات في يوم آخر، واعتقد آخرون أن عليهم أن يتظاهروا، أو أن يموتوا، وإذا اختارت السلطات العنف الدامي، فليكن ذلك؛ فهذا سيكشف فقط عن أساس قاتل لنظام غير شرعي.

وسادت وجهة النظر الأخيرة، على الرغم من الحجج المحمومة من المنشقين الأكبر سنا، الذين لديهم خبرة أكبر في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والذين كثيرا ما عانوا عواقبها الوخيمة. لقد تعاطفوا مع الطلاب، لكنهم كانوا مقتنعين بأن الاستمرار في الاحتجاجات الجماهيرية حتى النهاية المريرة، قد يؤدي إلى مزيد من القمع. واتضح أنهم كانوا على حق.

إنه من الصعب أن يكون لاحتجاجات الشوارع أي تأثير على الديمقراطية، إذ كانت هناك مظاهرات ضخمة في الولايات المتحدة ضد حرب فيتنام في الستينيات، ولكن الأمر استغرق سنوات قبل أن تتخلى الحكومة أخيرا عن هذا الصراع الوحشي، وغير المجدي. وكان اقتحام وول ستريت في عام 2011، عندما احتج الصغار والكبار ضد عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة، مثلجا للصدر، ولكن الفجوة بين الأغنياء والفقراء هي أوسع الآن. ومع ذلك، فالرأي العام، له دور مهم في الديمقراطية الليبرالية، وقد يستغرق الأمر بعض الوقت، ولكن في النهاية، يجب على الحكومة الديمقراطية أن تستمع إلى مواطنيها، حتى ينتخبوا من جديد، ولكن ما قد ينجح في مواجهة حكومة ديمقراطية لن ينطلق حتى من نظام دكتاتوري.

وعلى سبيل المثال، في عهد المهاتما غاندي، كانت الهند مستعمرة، ولم تكن ديمقراطية، ولكن السلطة المطلقة في الإمبراطورية البريطانية كانت حكومة منتخبة ديمقراطياً في لندن، وكان عليها أن تأخذ الرأي العام بعين الاعتبار. وهذا هو السبب في أن احتجاجات غاندي كان لها بعض التأثير، ولكنه كان مقتنعا جدا بأن أساليبه غير العنيفة كانت هي الطريقة الوحيدة لمحاربة السلطة القمعية، لدرجة أنه حث الأوروبيين على البدء بمقاومة سلمية مماثلة ضد هتلر، ولم يكن هذا اقتراحا عمليا. ولم تكن هونغ كونغ ديمقراطية أبدا، ولكن، باعتبارها مستعمرة التاج البريطاني حتى يوليو 1997، كان لها بعض مكاسب الحكم الديمقراطي، مثل الصحافة الحرة نسبيا، والقضاء المستقل القوي، وبشكل أو بآخر، لم تتغير هونغ كونغ كثيرا منذ عملية التسليم، التي احتفل المسؤولون في هونغ كونغ بذكراها السنوية، ولو أن المحتجين اقتحموا أبواب الهيئة التشريعية، كما أنها لا تزال مستعمرة شبه مستقلة، لكن هذه المرة، القوة الإمبريالية هي دكتاتورية تقلل من قيمة حرية الصحافة أو القضاة المستقلين، فما بالك بالاحتجاجات العامة.

وواحدة من أكثر التصرفات اليائسة للأشخاص الذين اقتحموا الغرفة التشريعية في هونغ كونغ هي رفع علم مستعمرة التاج البريطاني القديمة. لقد كانت أكبر إهانة تتلقاها الجمهورية الشعبية: من الأفضل أن تكون مستعمرة يسيطر عليها الأجانب على أن تحكمها حكومة صينية تدعي الشرعية على أساس القومية والكبرياء العرقي. والسؤال الرئيس بالنسبة إلى شعب هونغ كونغ هو ما إذا كانت الأساليب التي يمكن أن تكون فعالة في نظام ديمقراطي يمكن أن تعمل أيضا في نظام دكتاتوري، حتى عندما يتعلق الأمر بحكم ذاتي نسبي سريع التقلص. وهناك حدود واضحة لمدى إمكانية دفع أي حكومة في هونغ كونغ لاستيعاب الرأي العام. ويتم اختيار الرجال والنساء الذين انتخبوا، على أساس أضيق الامتيازات، لحكم هونغ كونغ بالفعل من قبل الحكومة الصينية قبليا. ولا يمكن إحباط رغبات القوة الإمبريالية أكثر مما كان ممكنا في عهد البريطانيين.

ومع ذلك ، فهناك فرصة واحدة صغيرة لكي يتمكن مواطنو هونغ كونغ من إحداث تغيير، ولا يمكن للرأي العام إزالة حكومة شيوعية عن طريق انتخاب حكومة أخرى، ولكن جمهورية الصين الشعبية تطمح إلى قدر معين من الاحترام في العالم. إن إرسال الدبابات لسحق الاحتجاجات في هونغ كونغ سيجعل الصين تبدو سيئة للغاية- مع أن هذا لا يعني أن الحكومة لن تفعل ذلك، إذا لم ترَ سبيلا آخر.

لقد أجبرت المظاهرات في هونغ كونغ الرئيس التنفيذي كاري لام على تعليق قانون غير شعبي، ولكن الاحتجاج لا يمكن أن يكون فعالا إلا إذا ظل هادئا، ومعظم الناس في الصين، حتى أولئك الذين ليسوا معجبين بشكل خاص بالنظام الحالي، يهابون العنف والاضطراب، اللذين عاشهما الصينيون كثيرا خلال المئة عام الماضية. وإذا تحول الاحتجاج الجماهيري في هونغ كونغ إلى فوضى، فلن يكون هناك تعاطف كبير في الصين مع المتظاهرين، وسيكون من السهل جدا على سلطات الحزب الشيوعي الصيني اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين، ومواجهتهم بأقصى ما لديها من قوة.

* مؤلف كتاب "قصة حب طوكيو: مذكرات"

«إيان بوروما »