صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4195

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الأغلبية الصامتة في أوروبا تتكلم

  • 10-06-2019

أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر المنصرم عن نتائج أفضل مما كان المرء يتوقع، لأن الأغلبية الصامتة من مؤيدي أوروبا تكلمت، وقالوا إنهم يريدون الحفاظ على القيم التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي، لكنهم يريدون أيضا إدخال تغييرات جذرية على طريقة عمل الاتحاد الأوروبي، ويتلخص همهم الرئيس في تغير المناخ. وهذا يجعل الأفضلية للأحزاب المؤيدة لأوروبا، وخاصة الـخُضر، أما الأحزاب المناهضة لأوروبا، فقد فشلت في تحقيق المكاسب التي توقعتها، كما أنها عاجزة عن تشكيل الجبهة الموحدة التي تحتاج إليها حتى يتسنى لها أن تصبح أكثر نفوذا وتأثيراً.

يُعَد نظام "المرشح ذو الحظ الأوفر" من المؤسسات التي يجب أن تتغير، فهو من المفترض أن يوفر شكلا من أشكال الاختيار غير المباشر لقيادات الاتحاد الأوروبي، وهذا النظام أسوأ من غياب الاختيار الديمقراطي، فكل دولة من الدول الأعضاء لديها أحزاب سياسية حقيقية، لكن تركيبتها عبر الأوروبية تنتج هياكل مصطنعة لا تخدم إلا الترويج لطموحات قادتها الشخصية.

بوسعنا أن نرى هذا على أفضل وجه في حزب الشعب الأوروبي، الذي تمكن من الاستيلاء على رئاسة المفوضية منذ عام 2004، ويبدو أن زعيم حزب الشعب الأوروبي الحالي، مانفريد ويبر، راغب في الدخول عمليا في أي تسوية أو حل وسط من أجل البقاء ضمن الأغلبية البرلمانية، ويشمل هذا احتضان رئيس وزراء المجر المستبد فيكتور أوربان.

فَرَض أوربان مشكلة بالغة الخطورة على ويبر، لأن أوربان انتهك صراحة المعايير الأوروبية وأنشأ ما يرقى إلى مستوى دولة المافيا، وكان ما يقرب من نصف الأحزاب الوطنية التي تشكل حزب الشعب الأوروبي راغبة في طرد حزب فيدس بقيادة أوربان، ولكن بدلا من متابعة الأمر إلى النهاية، تمكن ويبر من إقناع حزب الشعب الأوروبي بالتقدم بطلب أسهل نسبيا بشأن فيدس: السماح لجامعة أوروبا الوسطى (التي أسستها) بالاستمرار في العمل بحرية في المجر باعتبارها جامعة أميركية.

فشل حزب فيدس في الامتثال، ومع ذلك لم يطرده حزب الشعب الأوروبي، بل اكتفى بتعليق عضويته حتى يمكن اعتباره جزءا من حزب الشعب الأوروبي عندما يُختَار رئيس المفوضية، والآن يحاول أوربان إعادة تأسيس حزب فيدس كعضو مخلص حسن النية في حزب الشعب الأوروبي. ومن المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان ويبر سيجد وسيلة لاستيعابه.

لا يقوم نظام "المرشح ذو الحظ الأوفر" على اتفاق بين الحكومات، وعلى هذا فمن الممكن تغييره بسهولة، ومن الأفضل كثيرا أن يُنتخب رئيس المفوضية الأوروبية مباشرة من قائمة مختارة بعناية من المرشحين المؤهلين، لكن هذا يتطلب إدخال تغييرات على معاهدة لشبونة.

الواقع أن الإصلاح الذي يتطلب إدخال تغييرات على المعاهدة تبرره الشرعية الديمقراطية المتزايدة التي تخولها انتخابات البرلمان الأوروبي، إذ تجاوزت نسبة الإقبال والمشاركة في الانتخابات الأخيرة 50%، بارتفاع تجاوز الـ42.6% في 2014، وهذه هي المرة الأولى التي ترتفع فيها نسبة المشاركة على الإطلاق منذ أول انتخابات في عام 1979، عندما شارك 62% من الناخبين المؤهلين.

من عجيب المفارقات أن نظام المرشح ذي الحظ الأوفر يَعِد بإنتاج فريق الأحلام، فكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يعارض هذا النظام كمسألة مبدأ، مسؤولا عن هذا التطور إلى حد كبير، وعلى مأدبة عشاء مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الفائز في الانتخابات العامة الوطنية في إسبانيا، اتفق الزعيمان على دعم مرشحين اثنين من ذوي الحظ الأوفر واللذين يمكن اعتبارهما مثاليين للمفوضية والمجلس.

تُعَد ألمانيا الداعم الرئيس لنظام المرشح ذي الحظ الأوفر، فإذا خسر ويبر، فستضغط ألمانيا لمصلحة ينس ويدمان، رئيس البنك المركزي الألماني، ليصبح رئيسا للبنك المركزي الأوروبي، ولن يكون هذا الاختيار مثاليا، لأنه غير مؤهل ولأنه في حقيقة الأمر أدلى بشهادته أمام المحكمة الدستورية الفدرالية في ألمانيا ضد البنك المركزي الأوروبي في قضية كانت تسعى إلى إبطال ما يسمى "المعاملات النقدية الصريحة" التي أقرها البنك، وهي السياسة التي شكلت ضرورة أساسية للتغلب على أزمة منطقة اليورو في وقت سابق من هذا العقد، وأرجو أن تصبح هذه الحقيقة معروفة على نطاق أوسع.

ولا شك أن العديد من مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحتاج إلى إصلاح جذري، لكن هذا من الممكن أن ينتظر إلى أن نكتشف ما إذا كان الوعد الذي قدمته نتائج الانتخابات البرلمانية سيتحقق، وليس الآن الوقت المناسب بعد لإعلان النصر، والاسترخاء، والاحتفال، فلا يزال من الواجب إنجاز الكثير من العمل لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى منظمة عاملة على النحو الذي ينبغي لها من الكفاءة وقادرة على تحقيق كامل إمكاناتها العظيمة.

* جورج سوروس

* رئيس مجلس إدارة صندوق سوروس ومؤسسات

المجتمع المفتوح.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»