صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4200

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

تحويل حلم تعليم جيل كامل إلى حقيقة

  • 03-06-2019

تسهيلات التمويل العالمية للتعليم مصممة من خلال شراكة مشابهة بين القطاعين الخاص والعام لوقف الطبيعة المتقطعة لتدفقات المساعدات المخصصة للتعليم، وعوضا عن الاعتماد على "حنفية" تمويل يتم إيقافها بين الحين والآخر فإن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم ستتحقق من وجود تمويل مستمر ومستقر.

إن الانخفاض المستمر في المساعدات التعليمية العالمية يحرم نصف الشباب في العالم النامي- حوالي 800 مليون طفل- من التعليم الذي سيحتاجونه من أجل تأمين وظائف مستقبلية جوهرية في المستقبل.

لقد انخفض إجمالي مساعدات التعليم من 13.2 مليار دولار أميركي إلى 13 مليار دولار أميركي هذا العام (من المصادر الثنائية والمتعددة الأطراف) مما يعني أن تلك المساعدات تشكل 7% فقط من إجمالي ميزانية المساعدات العالمية، وهذا يعني أن كل المساعدات التنموية في العالم لا تساوي أكثر من 10 دولارات أميركية لكل طفل محتاج، وهو مبلغ لا يكفي حتى لدفع قيمة كتب مدرسية مستعملة.

إن معدل مستوى التعليم في العالم النامي لا يزال يتخلف عن الغرب بمقدار 100 عام وفي إفريقيا فإن الإنفاق السنوي على المدارس هو 200 دولار أميركي بالمعدل لكل طفل في حين تنفق الاقتصادات المتقدمة 40 ضعفاً لذلك الرقم أي 9500 دولار أميركي لكل فرد، وفي حين التزم المجتمع الدولي بتحقيق التعليم الابتدائي والثانوي بحلول سنة 2030 فإن 200 مليون طفل على أقل تقدير سيبقون خارج المدرسة كل عام من الآن حتى يحين ذلك الوقت و400 مليون آخرين لن يجتازوا المرحلة الابتدائية، وفي حين يبدو أن الدول الإفريقية والآسوية لديها أعداد كبيرة من العمالة ، فإن نقص المهارات لدى تلك العمالة نتيجة التمويل غير الكافي لقطاع التعليم يعني أن تلك الدول لن تستطيع اجتذاب الاستثمارات اللازمة من أجل السعي إلى مزيد من التنمية.

أما على المستوى العالمي فإن حصة إجمالي المساعدات المخصصة للتعليم قد انخفضت بشكل مطرد من ذروتها سنة 2007 والتي وصلت الى 11% وعلى الرغم من أنه من المعروف على نطاق واسع أن التعليم هو من أفضل الوسائل فعالية لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بالنسبة إلى الصحة والتوظيف وجودة الحياة. لقد أعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرا أنه سيخصص 10% من مساعداته الإنسانية للتعليم، حيث نرحب بذلك الإعلان وإن كانت تلك النسبة غير كافية.

صحيح أن المجتمع الدولي حقق بعض النجاحات النسبية مثل توفير مقاعد مدرسية لنحو 60% من اللاجئين السوريين، ولكن الحقيقة لا تزال هي أن نسبة كبيرة من الأطفال المشردين في العالم الذين يصل عددهم إلى 30 مليون- 12 مليون منهم لاجئون– سيقضون السنوات التي من المفترض أن تكون سنوات دراسية من دون أن تطأ أقدامهم المدرسة، وإن هناك 75 مليون طفل محرمون من التعليم وإمكانية التوظيف مستقبلا في 36 منطقة صراع في جميع أرجاء العالم.

إن من الواضح أنه يجب علينا زيادة المساعدات الدولية المخصصة للتعليم، ولكن مع وجود عجز في التمويل السنوي يصل إلى 40 مليار دولار أميركي بالنسبة إلى التعليم الابتدائي والثانوي فقط، فإن من الواضح أننا بحاجة إلى مقاربة جديدة، فبالإضافة إلى حشد مصادر التمويل الخاصة فإنه يجب علينا الاستفادة بشكل أكبر بكثير من المساعدات المتوافرة (هذا العام 13 مليار دولار أميركي) مقارنة بالأعوام الماضية، وذلك من خلال خلق حوافز للحكومات المتلقية للمساعدات لزيادة استثماراتها في التعليم.

لحسن الحظ خلال العام الماضي تم إنشاء مجموعة متنوعة من الصناديق المهتمة بالبيئة والشؤون الاجتماعية والحوكمة وأهداف التنمية المستدامة، وذلك لتلبية الطلب المتنامي على الاستثمارات المبنية على أساس التأثير الاجتماعي، ففي الهند أصبح أصحاب العمل مطالبين طبقا للقانون بتخصيص 2% من أرباحهم للقضايا الخيرية، وعلى مستوى العالم فإن الشركات تخضع لضغوط من أجل تقديم حسابات تأخذ بعين الاعتبار التأثير الاجتماعي والتأثير على البيئة.

إن أولئك المهتمين بالمساعدات التعليمية أصبحوا يتبنون كذلك التمويل المبتكر بعد أن كانوا متكاسلين في هذا الخصوص، ومن أهم الأدوات التمويلية الجديدة تسهيلات التمويل العالمية للتعليم وذلك من مفوضية التعليم، علما أنه سيتم تدشين تلك التسهيلات في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر الحالي، ومع وجود خطط لجمع مبلغ 10 مليارات دولار أميركي إضافي لتمويل التعليم فإن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم المصممة على أساس تجربتين للشراكة بين القطاعين الخاص والعام أثبتت نجاعتها في السنوات الأخيرة.

إن الأولى هي تسهيلات التمويل العالمية للتطعيم، والتي منذ انطلاقتها سنة 2006 جمعت أكثر من 6 مليارات دولار أميركي من خلال إصدار سندات سوق رأس المال التي يتم سدادها لفترة 30 سنة مع تعهدات مالية من أستراليا والبرازيل وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وجنوب إفريقيا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة، وإن تسهيلات التمويل العالمية للتطعيم والتي جمعت أموالا لجافي (تحالف اللقاحات) قد ساعدت بالفعل على تطعيم 700 مليون طفل مما أنقذ حياة نحو 5 ملايين طفل.

وإن المصدر الثاني للإلهام بالنسبة إلى تسهيلات التمويل العالمية للتعليم هو نموذج تسهيلات "التزام الأسواق المتقدمة" من أجل توفير أدوية جديدة في الأسواق علما أنه من خلال مبلغ 1.5 مليار دولار أميركي عن طريق تسهيلات التزام الأسواق المتقدمة للقاحات المكورات الرئوية فإن جافي- مع البنك الدولي وغيره من المؤسسات المتعددة الأطراف والدول المانحة ومؤسسة بيل وميلندا غيتس– ساعدت في تطعيم 49 مليون طفل مما أنقذ حياة ربع مليون طفل تحت سن الخامسة كانوا معرضين للوفاة من الالتهاب الرئوي.

وإن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم مصممة من خلال شراكة مشابهة بين القطاعين الخاص والعام لوقف الطبيعة المتقطعة لتدفقات المساعدات المخصصة للتعليم، وعوضا عن الاعتماد على حنفية تمويل يتم إيقافها بين الحين والآخر فإن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم ستتحقق من وجود تمويل مستمر ومستقر للتعليم، وذلك للأطفال من سن الخامسة حتى السادسة عشرة، ومع وجود تعهدات بدفع مبلغ 2 مليار دولار أميركي من تحالف الحكومات الملتزمة فإن بإمكان البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية المختلفة المساعدة في جمع أربعة أضعاف ذلك التمويل، وذلك من خلال أسواق رأس المال علما أنه من خلال إنشاء تسهيلات بقيمة 2 مليار دولار أميركي من أجل تخفيض تكلفة الفوائد على الدفعات فإن بإمكانهم كذلك توفير مبلغ 10 مليارات دولار أميركي إضافية لمساعدات التعليم مما يعني مضاعفة المستوى الحالي.

لقد تعهد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سنة 2015 بالانتقال من "المليارات إلى التريليونات" لتلبية الاحتياجات الاستثمارية لأهداف التنمية المستدامة، ولقد أدركوا أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص تؤدي دوراً حيوياً في الاستفادة القصوى من المساعدات الدولية، والآن يجب أن نحول الأقوال إلى أفعال ما لم نرد أن نخلف وعداً آخر من وعود التنمية، ولو استطعنا تعليم جيل كامل من الأطفال فسنكون قد صنعنا تاريخا مجيدا، ولقد حان الوقت لنبدأ العمل.

* غوردن براون

* رئيس وزراء ووزير مالية سابق في المملكة المتحدة والمبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم العالمي، ورئيس المفوضية العالمية لتمويل فرص التعليم العالمية، كما يترأس المجلس الاستشاري لمؤسسة ذا كاتاليست.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»